الفصل الرابع عشر في الاضحية، والعقيقة
وفيهِ مادتانِ:
المادة الأولَى: فِي الأضحيةِ:
1 - تعريفهَا: الأضحيةُ هيَ الشَّاةُ تذبحُ ضحَى يوم العيدِ تقربًا إلَى اللّهِ تعالَى.
2 - حكمهَا: الأضحيةُ سنّةٌ واجبةٌ علَى أهلِ كلِّ بيت مسلم قدرَ أهلهُ عليهَا؛ وذلكَ لقولهِ تعالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2].
وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ كانَ ذبحَ قبلَ الطلاةِ فليعدْ" .
وقولِ أبي أيوب الأنصاريِّ: "كانَ الرجلُ في عهدِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يضحِّي بالشَّاةِ عنهُ وعن أهلِ بيتهِ" .
3 - فضلهَا: يشهدُ لماَ لسنَّةِ الأضحيةِ منَ الفضلِ العظيم قولُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "ما عملَ ابنُ آدمَ يومَ النَّحرِ عملًا أحب إلَى اللّهِ منْ إراقةِ دم، وإنَّهَا لتأتي يومَ القيامةِ بقرونهَا وأظلافهَا وأشعارهَا، وإن الدمَ ليقعُ منَ اللَّهِ عز وجل بمكان قبلَ أنْ يقعَ علَى الأرضِ فطيبوا بهَا نفسًا" .
وقولهِ - صلى الله عليه وسلم - وقدْ قالُوا لهُ مَا هذهِ الأضاحِي؟ قالَ: "سنةُ أبيكم إبراهيمَ" قالُوا: مَا لنَا منهَا؟ قالَ: "بكلِّ شعرة حسنةٌ"، قالُوا: فالصُّوفُ؟ قالَ: "بكل شعرةٍ منَ الصوفِ حسنةٌ" .
4 - حكمتهَا: منَ الحكمةِ فيِ الأضحيةِ:
1 - التَّقرُّبُ إلَى اللّهِ تعالَى بهَا؛ إذْ قالَ سبحانهُ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}.
وقالَ عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 162 - 163] والنّسكُ هنَا هوَ الذَّبحُ تقربًا إليهِ سبحانهُ وتعالَى.
2 - إحياءُ سنَّةِ إمامِ الموحِّدينَ إبراهيمَ الخليلِ - عليه السلام - إذْ أوحَى اللّهُ إليهِ أنْ يذبحَ ولدهُ إسماعيلَ، ثم فداهُ بكبشٍ فذبحهُ بدلاً عنهُ؛ قالَ تعالَى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107].
3 - التَّوسعةُ علَى العيالِ يومَ العيدِ، وإشاعةُ الرحمةِ بينَ الفقراِء والمساكينِ.
4 - شكر اللهِ تعالَى علَى مَا سخَّرَ لنَا من بهيمةِ الأنعامِ، قالَ تعالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 36 - 37].
5 - أحكامهَا:
1 - سنُّهَا: لَا يجزئُ في الأضحيةِ منَ الضأنِ أقلُّ منَ الجذعِ، وهوَ مَا أوفَى سنة أوْ قاربهَا، وفيِ غيرِ الضأنِ منَ المعزِ والَإبلِ والبقرِ لَا يجزئ أقل منَ الثّنيّ وهوَ فيِ الماعزِ مَا أوفَى سنةً ودخلَ فيِ الثَّانيةِ، وفيِ الإبلِ مَا أوفَى أربعَ سنواتٍ ودخلَ فيِ الخامسةِ.
وفيِ البقرِ مَا أوفَى سنتيِن ودخلَ فيِ الثَّالثةِ؛ لقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "لَا تذبحُوا إلاَّ مسنّة، إلاَّ أنْ يعسرَ عليكم فتذبحُوا جذعةً منَ الضَّأنِ" والمسنَّةُ منَ الأنعامِ هيَ الثَّنيةُ.
2 - سلامتهَا: لَا يجزئُ فيِ الأضحيةِ سوَى السليمةِ منْ كلِّ نقص فيِ خلقتهَا، فلَا تجزئُ العوراءُ ولَا العرجاءُ ولَا العضباءُ (أيْ مكسورةُ القرنِ منْ أصلهِ، أوْ مقطوعةُ الأذنِ منْ أصلهَا) ولَا المريضةُ ولَا العجفاءُ (وهيَ الهازلُ التي لَا مخَّ فيهَا) وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أربعٌ لَا تجوزُ في الأضاحِي: العوراءُ البيِّنُ عورهَا، والمريضةُ البيِّنُ مرضهَا، والعرجاءُ البينُ ضَلَعهَا، والكسيرَةُ التَي لَا تُنقِي" يعني لَا نقيَ فيَها أيْ لَا مخَّ فيِ عظامهَا وهيَ الهازلُ العجفاءُ.
3 - أفضلهَا: أفضلُ الأضحيةِ مَا كانتْ كبشًا أقرنَ فحلًا أبيضَ يخالطهُ سواد حولَ عينيهِ وفيِ قوائمهِ؛ إذْ هذَا هوَ الوصفُ الَّذِي استحبهُ رسولُ اللّهُ - صلى الله عليه وسلم - وضحى بهِ.
قالتْ عائشةُ رضيَ اللّهُ عنهَا: "إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ضحَّى بكبشٍ أقرنَ، يطأُ فيِ سواد، ويمشِي فيِ سوادٍ، وينظرُ فيِ سوادٍ" .
4 - وقتُ ذبحهَا: وقتُ ذبحِ الأضحيةِ صباحُ يومِ العيدِ بعدَ الصلاةِ، أيْ صلاةِ العيدِ فلَا تجزئُ قبلهُ أبداً؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ ذبحَ قبلَ الصَّلاةِ فإنمَا يذبحُ لنفسهِ؛ ومنْ ذبحَ بعدَ الصَّلاةِ فقدْ تمَّ نسكهُ وأصابَ سنّةَ المسلمينَ" .
أما بعدَ يومِ العيدِ فإنّهُ يجوزُ تأخيرهَا لليومِ الثاني والثَّالثِ بعدَ العيدِ؛ لمَا رويَ "كلُّ أيَّامِ التَّشريقِ ذبح" .
5 - مَا يستحب عندَ ذبحهَا: يستحبُّ عندَ ذبحهَا أنْ يوجههَا إلَى القبلةِ ويقولُ: "إني وجَّهتُ وجهِي للذيِ فطرَ السمواتِ والأرضَ حنيفًا، ومَا أنَا منَ المشركينَ، إن صلاتي ونسكِي ومحيايَ ومماتي لله ربِّ العالمينَ، لَا شريكَ لهُ وبذلكَ أمرتُ وأنَا أولُ المسلمينَ".
وإذَا باشرَ الذبحَ أنْ يقولَ: "بسمِ اللّهِ و الله أكبرُ.
اللهم هذَا منكَ ولكَ".
6 - صحةُ الوكالةِ فيهَا: يستحبُّ أنْ يباشرَ المسلمُ أضحيتهَ بنفسهِ، وإنْ أنابَ غيرهُ فيِ ذبحهَا جازَ ذلكَ بلَا حرجٍ، ولَا خلافٍ بينَ أهلِ العلمِ فيِ هذَا.
7 - قسمتهَا المستحبَّةُ: يستحب أنْ تقسمَ الأضحيةُ ثلاثًا، يأكلُ أهلُ البيتِ ثلثًا ويتصدَّقونَ بثلث، ويهدونَ لأصدقائهمُ الثلثَ الآخرَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "كلُوا وادخرُوا وتصدقُوا" ويجوزُ أنْ يتصدقُوا بهَا كلهَا، كمَا يجوزُ أنْ لَا يهدُوا منهَا شيئًا.
8 - أجرةُ جازرهَا منْ غيرهَا: لَا يعطَى الجازرُ أجرةَ عملهِ منَ الأضحيةِ؛ لقولِ عليَّ رضيَ الله عنهُ: أمرني رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أنْ أقومَ علَى بدنه، وأنْ أتصدقَ بلحومهَا وجِلودهَا وجلالهَا، وأنْ لَا أعطيَ الجازرَ منهَا شيئًا.
وقالَ: "نحنُ نعطهِ منْ عندنَا" .
9 - هلْ تجزىءُ الشَّاةُ عنْ أهلِ البيتِ؟: تجزىءُ الشَّاةُ الواحدةُ عنْ أهلِ البيتِ كافَّةً وإنْ كانُوا أنفارًا عديدينَ لقولِ أبي أيُّوب - رضي الله عنه -: "كانَ الرجلُ في عهدِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يضحِّي بالشاةِ عنهُ وعنْ أهلِ بيتهِ" .
10 - مَا يتجنَّبهُ منْ عزمَ علَى الأضحيةِ: يكرهُ كراهة شديدة لمنْ أرادَ أنْ يضحيَ أنْ يأخذَ منْ شعرهِ أوْ أظفارهِ شيئًا وذلكَ إذَا أهل هلالُ شهرِ ذِي الحجةِ حتى يضحيَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا رأيتمْ هلالَ ذِي الحجةِ وأرادَ أحدكم أنْ يضحِّيَ فليمسكْ عنْ شعرهِ وأظفارهِ حتَّى يضحيَ" .
11 - تضحيةُ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم - عنْ جميعِ الأمةِ: منْ عجزَ عنِ الأضحيةِ منَ المسلمينَ نالهُ أجرُ المضحِّينَ؛ وذلكَ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عندَ ذبحهِ لأحدِ كبشينِ قالَ: "اللهم هذَا عني وعمَّنْ لم يضح منْ أمَّتي" .
Tidak ada komentar:
Posting Komentar