المادة السادسة في الركن الثالث، السعي
السَّعي: هوَ المشي بينَ الصفَا والمروةِ ذهابًا وجيئةً بنيَّةِ التّعبدِ، وهوَ ركنُ الحجِّ والعمرةِ، لقولهِ تعالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158].
وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اسعوْا فإنَّ اللّهَ كتبَ عليكمُ السَّعيَ" .
ولهُ شروطٌ وسننٌ وآدابٌ، وهيَ:
أ- شروطُ السَّعيِ، وهيَ:
1 - النِّية، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّمَا الأعمالُ بالنِّياتِ" فكَانَ لابدَّ من نيَّة التَّعبدِ بالسعيِ طاعةً للّهِ وامتثالًا لأمرهِ.
2 - التَّرتيب بينهُ وبينَ الطَّوافِ، بأنْ يقدمَ الطَّوافُ علَى السَّعيِ.
3 - الموالاة بينَ أشواطهِ، غيرَ أنَّ الفصْل اليسيرَ لَا يضرُّ ولَا سيمَا إذَا كانَ لضرورة.
4 - إكمالُ العددِ سبعةَ أشواطٍ، فلو نقصَ شوطٌ أوْ بعضُ الشَّوطِ لم يجزئْ؛ إذْ حقيقتهُ متوقفةٌ علَى تمامِ أشواطهِ.
5 - وقوعهُ بعدَ طوافٍ صحيح، سواءً كانَ الطوافُ واجبًا أوْ سنةً، غيرَ أنَّ الأولَى أنْ يكونَ بعدَ طواف واجب كطوافِ القدومِ، أوْ ركنٍ كطوافِ الإفاضةِ.
ب- سننُ السعيِ، وهيَ:
1 - الخبب، وهيَ سرعةُ المشيِ بينَ الميليِن الأخضرينِ الموضوعينِ علَى حافَّتيِ الوادِي القديمِ الذِي خبَّتْ فيهِ "هاجرُ" أمُّ إسماعيلَ عليهمَا السلام، وهوَ سنة للرجالِ القادرينَ دونَ الضعفةِ والنِّساءِ .
2 - الوقوفُ علَى الصَّفَا والمروةِ للدعاءِ فوقهمَا.
3 - الدُّعاءُ علَى كل منَ الصفَا والمروةِ فيِ كلِّ شوطٍ منَ الأشواطِ السَّبعةِ.
4 - قولُ: اللّهُ أكبرُ ثلاثًا عندَ الرُّقي علَى كل منَ الصَّفَا والمروةِ فيِ كلِّ شوط وكذَا قولُ: لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ لَا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ علَى كلِّ شيءٍ قديرٌ.
لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ، صدقَ وعدهُ، ونصرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدهُ.
5 - الموالاةُ بينهُ وبينَ الطَّوافِ، بحيثُ لَا يفصلُ بينهمَا بدونِ عذرٍ شرعيٍّ.
ج- آداب السعيِ، وهيَ:
1 - الخروجُ إليهِ منْ بابِ الصَّفَا تاليًا قولَ اللّهِ تعالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158].
2 - أنْ يكونَ السَّاعِي متطهِّرًا.
3 - أنْ يسعَى ماشيًا إنْ قدرَ علَى ذلك بدونِ مشقَّةٍ.
4 - أنْ يكثرَ منَ الذِّكرِ والدعاءِ، وأنْ يشتغلَ بهمَا دونَ غيرهمَا.
5 - أنْ يغضَّ بصرهُ عنِ المحارمِ، وأنْ يكفَّ لسانهُ عنْ المآثمِ.
6 - أنْ لَا يؤذيَ أحدًا منَ الساعينَ أوْ غيرهم منَ المارة بأيِّ أذىً، قولٍ أو فعلٍ.
7 - استحضارهُ في نفسهِ ذلَّهُ وفقرَهُ وحاجتَهُ إلَى اللّهِ تعالى في هدايةِ قلبهِ، وتزكيةِ نفسهِ، وإصلاحِ حالهِ.
المادةُ السابعةُ: فِي الركنِ الرابعِ، وهوَ الوقوفُ بعرفةَ:
الوقوفُ بعرفةَ، هوَ الرُّكنُ الرابعُ منْ أركانِ الحجِّ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الحج عرفةَ" .
وحقيقتهُ: الحضورُ بالمكانِ المسمى عرفاتٍ، لحظةً فأكثرَ بنيَّةِ الوقوفِ منْ بعدِ ظهرِ يومِ تاسعِ ذِي الحجَّةِ إلَى فجرِ اليوم العاشرِ منهُ.
ولهُ واجباتٌ وسننٌ وآداب يتم بهَا وهيَ:
أ- الواجباتُ، وهيَ:
1 - الحضورُ بعرفةَ يومَ تاسعِ ذِي الحجَّةِ بعدَ الزوالِ إلَى غروبِ الشَّمسِ.
2 - المبيتُ بمزدلفةَ بعدَ الإفاضةِ منْ عرفاتٍ ليلةَ عاشرِ ذِي الحجةِ.
3 - رميُ جمرةِ العقبةِ يومَ النَّحرِ.
4 - الحلقُ أوِ التَّقصيرُ بعدَ رميِ جمرةِ العقبةِ يومَ النَّحرِ.
5 - المبيتُ بمنىً ثلاثَ ليالِ، وهيَ ليالي: الحادِي عشرَ، والثاني عشرَ، والثالثَ عشرَ، أوْ ليلتينِ لمنْ تعجَّلَ وهمَا: ليلةُ الحادِي عشرَ والثانِي عشرَ.
6 - رميُ الجمراتِ الثلاثِ بعدَ زوالِ كل يومٍ منْ أيَّامِ التشريقِ الثلاثةِ أوِ الاثنينِ.
[تنبيهٌ]: أدلةُ هذهِ الواجباتِ عملهُ - صلى الله عليه وسلم -، وقدْ قالَ: "لتأخذُوا عنِّيِ مناسككم" .
وقال- صلى الله عليه وسلم -: "حجوا كما رأيتموني أحجُّ" .
وقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "قفُوا علَى مشاعركم فإنكم علَى إرث منْ إرثِ أبيكم إبراهيمَ" .
ب- السننُ، وهيَ:
1 - الخروجُ إلَى "منىً" يومَ التَّرويةِ -وهوَ ثامنُ الحجَّةَ- والمبيتُ بهَا ليلةَ التَّاسعِ وعدمُ الخروجِ منهَا إلاَّ بعدَ طلوعِ الشَّمسِ، لصلاةِ خمسِ صلواتٍ بهِا.
2 - وجودهُ بعدَ الزَّوالِ "بنمرةَ"، وصلاتهُ الظهرَ والعصرَ قصرًا، وجمعًا معَ الإمامِ.
3 - إتيانهُ لموقفِ "عرفاتِ" بعدَ أدائهِ صلاةَ الظهرِ والعصرِ معَ الإمامِ والاستمرارُ بالموقفِ ذاكرًا داعيًا حتَّى غروبِ الشَّمسِ.
4 - تأخيرُ صلاةِ المغربِ إلَى أنْ ينزلَ بجمعِ "المزدلفةَ" فيصلِّيَ المغربَ والعشاءَ بهَا جمعَ تأخيرٍ.
3 - الوقوفُ مستقبلَ القبلةِ ذاكرًا داعيًا عندَ المشعرِ الحرامِ، "جبلِ قزحٍ" حتى الإسفارِ البيِّنِ.
6 - التَّرتيبُ بينَ رميِ جمرةِ "العقبة" والنَّحرِ والحلقِ وطوافِ الزِّيارةِ "الإفاضةِ".
7 - أداءُ طوافِ الزِّيارةِ فيِ يومِ النحرِ قبلَ الغروبِ.
ج- الآدابُ، وهيَ:
1 - التوجُّهُ من (منًى) صباحَ التَّاسعِ إلَى "نمرةَ" بطريقِ "ضبٍّ" لفعلهِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ.
2 - الاغتسالُ بعدَ الزَّوالِ للوقوفِ "بعرفةَ" وهوَ مشروعٌ حتَّى للحائضِ والنُّفساءِ.
3 - الوقوفُ بموقفِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عندَ الصخرةِ العظيمةِ المفروشةِ فيِ أسفلِ جبلِ الرحمةِ الَّذِي يتوسطُ "عرفةَ".
4 - الذِّكر والدُّعاءُ والإكثار منهمَا وهوَ مستقبلُ القبلةِ بالموقفِ حتى تغربَ الشَّمسُ.
5 - كونُ الإفاضةِ منْ "عرفةَ" علَى طريقِ المأزميِن، لا علَى طريقِ "ضب" الذَّي أتَى منهُ، لأن الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ منْ هديهِ أنْ يأتيَ منْ طريقٍ ويرجعَ منْ طريقٍ آخرَ.
6 - السَّكينةُ فيِ السَّيرِ وعدمِ الإسراعِ فيهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يَا أيهَا النَاسُ عليكم بالسكينةِ، فإن البر ليسَ بالإيضاعِ" .
والإيضاعُ هوَ الإسراعُ.
7 - الإكثارُ منَ التَّلبيةِ فيِ طريقهِ إلَى "منًى" وَ "عرفاتٍ" وَ "مزدلفةَ" وَ "منًى" إلَى أنْ يشرعَ في رميِ جمرةِ العقبةِ.
8 - التقاطُ سبعِ حصيات منْ "مزدلفةَ" لرميِ جمرةِ العقبةِ.
9 - الدفعُ منْ "مزدلفةَ" بعدَ الإسفارِ، وقبلَ طلوعِ الشمس.
10 - الإسراعُ فيِ السَّيرِ ببطنِ محسِّر، وتحريكُ الدَّابةِ أوْ دفعُ السيارةِ قدرَ رميةِ حجرٍ إنْ لمْ يخشَ ضررًا.
11 - رمي جمرةِ العقبةِ بينَ طلوعِ الشمس والزوالِ.
12 - قولُ: "اللّهُ أكبرُ" معَ كلِّ حصاةٍ يرميهَا.
13 - مباشرةُ ذبحِ الهديِ أوْ شهودهُ حالَ نحرهِ أوْ ذبحهِ، وقولُ: اللهم هذَا منكَ وإليكَ، اللهم تقبلْ منِّي، كمَا تقبلتَ منْ إبراهيمَ خليلِكَ، بعدَ أنْ يقولَ: "بسمِ اللّهِ و الله أكبرُ " الواجبُ قولهمَا.
14 - الأكلُ منَ الهديِ؛ إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يأكل من كبدِ أضحيتهِ أوْ هديهِ.
15 - المشيُ إلَى رمي الجمراتِ الثَّلاثِ أيامَ التشريقِ.
16 - قولُ: "اللّهُ أَكبرُ" معَ كلِّ حصاةٍ، وقولُ: اللَّهم اجعلهُ حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا.
17 - الوقوفُ للدُّعاءِ مستقبلَ القبلةِ بعدَ رميِ الجمرة الأولَى والثانيةِ دونَ الثَّالثةِ: لأنَّهُ لَا دعاءَ يستحب عندهَا، إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يرميهَا وينصرفُ.
18 - رميُ جمرةِ العقبةِ منْ بطن الوادِي مستقبلاً لهَا جاعلًا البيتَ عنْ يسارهِ، وَ "منًى" عنْ يمينهِ.
19 - قولُ المنصرفِ منْ مكةَ: آيبونَ تائبونَ، عابدونَ لربنَا حامدونَ، صدقَ اللّهُ وعدهُ، ونصرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدهُ؛ إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ ذلكَ عندَ انصرافهِ منهَا.
المادةُ الثامنةُ: فِي الإحصار:
منْ أُحصرَ، أيْ مُنعَ منْ دخولِ مكَّةَ، أوِ الوقوفِ "بعرفةَ" بعدو أوْ مرضي ونحوهِ منَ الموانعِ القاهرةِ وجبَ عليهِ ذبحُ شاة أوْ بدنةٍ أوْ بقرة في محل إحصارهِ، أوْ يبعثُ بهَا إلَى الحرمِ إنْ أمكنهُ ذلكَ ويتحللُ منْ إحرامهِ لقولهِ تعالَى: {أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196].
المادةُ التاسعةُ: فِي طوافِ الوداعِ:
طوافُ الوداعِ هوَ أحدُ أطوفةِ الحج الثلاثةِ وهوَ سنةٌ واجبةٌ مَنْ تركهُ لغيرِ عذرٍ وجبَ عليهِ دمٌ، ومنْ تَركهُ لعذرٍ فلَا دمَ عليهِ.
ويأتي بهِ الحاج أوِ المعتمرُ عندمَا يريدُ الرجوعَ إلَى أهلهِ بعدَ فراغهِ من حجه أو عمرتهِ وانتهاءِ إقامتهِ بمكةَ المكرمةِ، فيأتي بهِ في آخرِ ساعةٍ يريدُ الخروجَ فيهَا منْ مكةَ المكرمةِ بحيث إذَا طافَ لَا يشتغلُ بشيءٍ بلْ يخرجُ منْ مَكَّةَ مباشرةً، وإنْ هوَ أقامَ زمنًا لبيعٍ أوْ شراءٍ ونحوهمَا بلَا ضرورة تدعُو إلَى ذلكَ أعادَ الطَّوافَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا ينفرنَّ أحدكم حتى يكونَ آخرُ عهدهِ بالبيتِ" .
المادةُ العاشرةُ: في كيفيَّةِ الحج والعمرةِ:
كيفيةُ الحجِّ والعمرةِ، هيَ:
أنْ يقلِّمَ منْ أرادَ الإحرامَ بأحدِ النُّسكيِن أظفارهُ، ويقصَّ شاربهُ، ويحلقَ عانتهُ، وينتف إبطيهِ ثمَّ يغتسلَ ويلبسَ إزارًا ورداءً أبيضيِن نظيفينِ ويلبسَ نعلينِ.
وإذَا وصلَ إلَى الميقاتِ صلَّى فريضةً أوْ نافلةً ثم نوَى نسكهُ قائلًا: "لبيكَ اللَّهم لبيكَ حجًّا"، هذَا إنْ أرادَ الإفرادَ، وإنْ أرادَ التَّمتُّعَ قالَ: "عمرةً"، وإنْ أرادَ القرانَ، قالَ: "حجَّا وعمرةً".
ولهُ أنْ يشترطَ علَى ربِّهِ فيقولَ: "إن محلِّي منَ الأرضِ حيثُ تحبسني" .
فإنهُ إنْ حصلَ لهُ مانعٌ حالَ بينهُ وبينَ مواصلةِ الحجِّ أوِ العمرةِ كمرضٍ ونحوهِ تحلَّلَ منْ إحرامهِ ولَا شيءَ عليهِ، ثم يواصلُ التلبيةَ رافعًا بها صوتهُ فيِ غيرِ إجهادٍ، إلاَّ أنْ تكونَ امرأةً فإنَّهَا لَا تجهر بهَا، ولَا بأسَ أنْ ترفعَ صوتهَا بقدرِ مَا تسمعُ رفيقتهَا معهَا.
ويستحبُّ لهُ أنْ يدعوَ ويصليَ علَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كلمَا فرغَ منَ التَّلبيةِ، كمَا يستحب لهُ أنْ يجدِّدَ التلبيةَ كلمَا تجددتْ حالٌ من ركوبٍ أوْ نزولٍ أوْ صلاةٍ، أوْ ملاقاةِ رفاقي.
وينبغِي أنْ يكف لسانهُ عنْ غيرِ ذكرِ اللّهِ تعالَى وبصرهُ عما حرمَ اللّهُ عليهِ.
كمَا ينبغِي أنْ يكثرَ في طريقهِ منَ البر والإحسانِ رجاءَ أنْ يكونَ حجهُ مبرورًا، فليحسنْ إلَى المحتاجينَ، وليبتسم هاشًّا باشًّا فيِ وجوهِ الرفاقِ، ملينًا لهمُ الكلامَ باذلًا لهمُ السلامَ والطعامَ، وإذَا وصلَ مكةَ استحب لهُ أنْ يغتسلَ لدخولهَا، وإذَا وصلهَا دخلهَا منْ أعلاهَا، وإذَا وصلَ إلَى المسجدِ الحرامِ دخلهُ منْ بابِ بني شيبةَ: بابِ السلامِ، وقالَ: بسمِ اللّهِ وباللّهِ وإلَى اللّهِ اللّهم افتحْ لي أبوابَ فضلِك، وإذَا رأَى البيتَ رفعَ يديهِ وقالَ: اللَّهم أنتَ السلام، ومنكَ السلام فحينَا ربنَا بالسلامِ.
اللَّهمَّ زدْ هذَا البيتَ تشريفًا وتعظيمًا وتكرِيمًا ومهابةً وبرًّا، وزدْ منْ شرفهُ وكرمهُ ممَّنْ حجهُ أوِ اعتمرهُ تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً وبرًّا.
الحمدُ للّهِ رب العالمينَ كثيرًا، كمَا هوَ أهلهُ، وكمَا ينبغِي لكرمِ وجههِ وعزِّ جلالهِ، والحمدُ للّهِ الَّذِي بلَّغني بيتهُ ورآني لذلكَ أهلًا، والحمدُ للّهِ علَى كلِّ حالٍ.
اللهمَّ إنكَ دعوتَ إلَى حجِّ بيتكَ الحرامِ وقدْ جئتكَ لذلكَ.
اللَّهم تقبلْ منِّي واعفُ عنِّي، وأصلحْ لي شأني كلَّهُ.
لَا إلهَ إلاَّ أنت.
ثمَّ يتقدمُ إلَى المطافِ متطهرًا مضطبعًا فيأتي الحجرَ الأسودَ فيقبلهُ أوْ يستلمهُ، أوْ يشيرُ إليهِ إنْ لم يمكنْ تقبيلهُ ولَا استلامهُ، ثم يستقبلُ الحجرَ ويقفُ معتدلًا ناويًا طوافهُ قائلًا: بسمِ اللّهِ، واللّهُ أكبرُ.
اللهم إيمانًا بكَ وتصديقًا بكتابكَ، ووفاءً بعهدكَ، واتِّباعًا لسنةِ نبيكَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ يأخذُ في الطوافِ جاعلًا البيتَ عنْ يسارهِ راملاً (أيْ مهرولاً) إنْ كانَ فيِ طوافِ القدومِ وهوَ يدعُو أوْ يذكر أوْ يصلِّي علَى النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، إلَى أنْ يحاذيَ الركنَ اليماني فيستلمهُ بيدهِ، ويختمُ الشوطَ بدعاءِ: ربنا آتنَا فيِ الدنيَا حسنةً، وفيِ الآخرةِ حسنة، وقنَا عذابَ النَّارِ.
ثم يطوفُ الشوطَ الثاني والثالثَ هكذَا، ولما يشرعُ في الشوطِ الرابعِ يتركِ الرملَ ويمشِي فيِ سكينةٍ حتى يتم الأربعةَ الأشواطِ الباقيةَ، فإذَا فرغَ أتَى الملَتزمَ ودعَا باكيًا خاشعًا، ثم يأتي مقامَ إبراهيمَ فيصلِّي خلفهُ ركعتينِ يقرأُ فيهمَا بالفاتحةِ والكافرونَ والفاتحةِ والصَّمدِ، ثمَّ بعدَ الفراغِ يأتي "زمزم" فيشربُ منهُ مستقبلَ البيتَ حتى يروَى، ويدعُو عندَ الشَّربُ بمَا شاَء وإنْ قالَ: اللهم إنِّي أسألكَ علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاءً منْ كلِّ داءٍ فحسن، ثم يأتي الحجرَ الأسودَ فيقبلهُ أوْ يستلمهُ ثم يخرجُ إلَى المسعَى منْ بابِ الصفا تاليًا قولَ اللهِ تعالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ
} إلى قوله {شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] .
حتى إذَا وصلَ إلَى الصفا رقيهُ، ثم استقبلَ البيتَ وقالَ: الله أكبرُ ثلاثًا، لَا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لَا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ علَى كلِّ شيءٍ قدير، لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ، صدقَ وعدهُ ونصرَ عبدهُ وهزمَ الأحزابَ وحدهُ، ثم يدعُو بمَا شاءَ منَ خيريِ الدنيَا والآخرةِ.
ثم ينزلُ قاصدًا "المروةَ" فيمشيَ في المسعَى ذاكرًا داعيًا إلَى أنْ يصلَ إلَى بطنِ الوادِي المشارِ إليهِ الآنَ بالعمودِ الأخضرِ فيخب مسرعًا إلَى أنْ يصلَ إلَى العمودِ الأخضرِ الثاني، ثم يعودُ إلَى المشي فيِ سكينةٍ ذاكرًا داعيًا مصلِّيًا علَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، إلَى أنْ يصلَ إلَى "المروةِ" فيرقاهُ ثم يكبر ويهلِّل ويدعُو كمَا صنعَ علَى "الصَفَا" ثم ينزلُ فيسعَى ماشيًا إلَى بطنِ الوادِي فيخب ويهرولُ، ولماَّ يخرجْ يمشِي حتى يصلَ إلَى "الصفا" فيرقاهُ ثم يكبر ويهلِّلُ ويدعُو ثم ينزلُ قاصدًا "المروةَ" فيصنعُ كمَا صنعَ أولاً حتى يتم سبعةَ أشواطٍ بثمانِ وقفاتٍ: أربع علَى "الصفَا" وأربعٍ علَى "المروةِ"، ثم إنْ كانَ معتمرًا قصرَ شعرهُ وحل منْ إحرامهِ وقدْ تمتْ عمرتهُ، وكذَا إنْ كانَ متمتعًا بالعمرةِ إلَى الحجِّ فقدْ تمتْ عمرتهُ بمجردِ فراغهِ منَ السعيِ وتقصيرهِ من شعرهِ، وإنْ كانَ مفردًا أوْ قارنًا وقدْ ساقَ الهديَ وجبَ عليهِ أنْ يبقَى علَى إحرامهِ حتَّى يقفَ "بعرفات" ويرميَ جمرةَ العقبةِ يومَ النحرِ، وعندئذ يتحللُ، وإلا فلهُ أنْ يفسخَ حجهُ إلَى عمرةٍ ويتحللَ.
وإذَا كانَ يومُ الترويةِ ثامنَ ذِي الحجةِ أحرمَ بنيَّةِ الحجِّ علَى النَّحوِ الذِي أحرمَ فيهِ بعمرتهِ، إنْ كانَ متمتِّعًا، وأما المفردُ أوِ القارنُ فإنهمَا علَى إحرامهمَا الأولِ.
وخرجَ ملبيًا إلَى "منًى" ضحًى ليقيمَ بهَا يومهُ وليلتهُ فيصلِّي بهَا خمسَ أوقات، حتى إذَا طلعتِ الشمسُ منْ يومِ "عرفةَ" خرجَ منْ "منًى" ملبيًا قاصدًا "نمرةَ" بطريقِ "ضبَّ" فيقيمُ بهَا إلَى الزوالِ، ثم يغتسلُ ويأتي المسجدَ مصلى الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فيصلِّي معَ الإمامِ الظهرَ والعصرَ قصرًا وجمعَ تقديمٍ فإذَا قضيتِ الطلاة ذهبَ إلَى "عرفاتٍ" للوقوفِ بهَا، ولهُ أنْ يقفَ فيِ أيِّ جزءٍ منهَا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وقفتُ ها هنا إلىَ "عرفات" كلُّهَا موقفٌ" .
وإنْ وقفَ عندَ الصخرات فيِ أسفلِ جبلِ الرحمةِ، وهوَ موقفُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فحسن ولهُ أنْ يقفَ راكبًا أوْ راجلًا أوْ قاعدًا يذكرُ اللهَ تعالَى ويدعوهُ حتى إذَا غربتَ الشَّمسُ ودخلَ جزءٌ منَ الليلِ يسير، أفاضَ فيِ سكينةٍ ملبيًا إلَى "مزدلفةَ" بطريقِ المأزمينِ فينزلُ بهَا وقبلَ أنْ يضعَ رحلهُ يصلِّي المغربَ ثم يضع رحلهُ ويصلِّي بهَا العشاءَ ويبيتُ بهَا حتى إذَا طلعَ الفجر صلى الصُّبحَ وقصدَ المشعرَ الحرامَ ليقفَ عنده مهلِّلًا مكبرًا داعيًا ولهُ أنْ يقفَ فيِ أيِّ مكان من "مزدلفةَ"؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وقفتُ هَا هنَاء وجمعٌ كلُّهَا موقفٌ" .
حتَّى إذَا أسفرَ الصبحُ وقبلَ طلوعِ الشمسِ التقطَ سبعَ حصياتٍ ليرميَ بهَا جمرةَ "العقبةِ" ويندفعُ إلَى "منَّى" ملبيًا، وإذَا وصلَ محسِّرًا حركَ دابتهُ وأسرعَ فيِ سيرهِ نحوَ رميةِ حجرٍ، ولما يصلُ إلَى "منَّى" يذهبُ رأسًا إلَى جمرةِ "العقبةِ" فيرميهَا بسبعِ حصيات يرفعُ يدة اليمنَى حالَ الرمى قائلا: اللّهُ أكبرُ، وإنْ زادَ اللَّهم اجعلهُ حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا فحسن، ثم إنْ كانَ معهُ هديٌ عمدَ إليهِ فذبحهُ أو أنابَ من يذبحُ عنهُ إنْ كانَ عاجزًا، ولهُ أنْ يذبحَ في أيِّ مكان شاءَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "نحرتُ هَا هنَا، وَ "منَّى" كلهَا منحرٌ" .
ثم يحلقُ أوْ يقصِّرُ، والحلقُ افضل، وإلى هنَا فقدْ تحلل التحلل الأصغرَ فلم يبقَ محرمًا عليهِ إلاَّ النِّساءُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا رمَى أحدكم جمرةَ العقبةِ وحلقَ فقدْ حل لهُ كل شيء إلاَّ النِّساء" فلهُ أنْ يغطِّيَ رأسهُ ويلبسَ ثيابهُ.
ثم يسير إلَى "مكَّةَ" إنْ أمكنَ ليطوفَ طوافَ الإفاضةِ الذّي هوَ أحدُ أركانِ الحجِّ الأربعةِ فيدخلُ المسجدَ متطهِّرًا فيطوفُ علَى نحوِ طوافِ القدومِ غيرَ أَنهُ لَا يضطبعُ -لَا يكشفُ عنْ كتفهِ- ولَا يرملُ، أيْ لَا يسرعُ فيِ الأشواطِ الثَّلاثةِ الأولَى، فإذَا أتم سبعةَ أشواطٍ صلَّى ركعتينِ خلفَ المقامِ، ثمَّ إنْ كانَ مفردًا أوْ قارنًا، وقدْ سعَى معَ طوافِ القدومِ فإن سعيهُ الأولَ يكفيهِ وإنْ كانَ متمتِّعًا خرجَ إلَى المسعَى فسعَى بينَ "الصفَا" وَ "المروةَ" سبعةَ أشواط علَى النَّحوِ الذّيِ تقدَّمَ، فإذَا فرغَ منْ سعيهِ فقدَ تحللَ كاملَ التحلُّلِ، ولم يبقَ محرمًا عليهِ شيءٌ؛ إذ أصبحَ حلالاً يفعلُ كل مَا كانَ محظورًا عليهِ بسببِ الإحرامٍ، ثم يعود منْ يومهِ إلَى "منَّى" فيبيتُ بهَا، وإذَا زاغتِ الشمسُ منْ أولِ يومٍ منْ أيامِ التشريقِ ذهبَ إلَى الجمراتِ فرمَى الجمرةَ الأولَى وهيَ التي تلي مسجدَ "الخيفِ" رماهَا بسبع حصيات، واحدةً بعدَ أخرَى يكبر معَ كل حصاة، ولما يفرغُ منْ رميهَا يتنحّى قليلاً، فيستقبل القبلةَ يدعُو بمَا يفتحِ اللّهُ عليهِ، ثم يسير إلَى الجمرةِ الوسطَى فيرميهَا كمَا رمَى الأولَى، ويتنحَّى قليلًا فيستقبلُ القبلةَ ويدعُو، ثم يسير إلَى جمرةِ "العقبةِ" وهيَ الأخيرةُ فيرميهَا بسبعِ حصياتٍ يكبر معَ كل حصاة ولَا يدعُو بعدهَا؛ إذْ لم يدعُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عندهَا، وينصرفُ، فإذَا زالتِ الشمس منَ اليومِ الثاني خرجَ فرمَى الجمراتِ الثلاثَ علَى النحوِ الذِي سبقَ.
ثمَّ إنْ تعجل نزلَ "مكةَ" منْ يومهِ قبلَ غروبِ الشمس، وإنْ لم يتعجلْ باتَ ليلتهُ "بمنى"، وإذَا زالتِ الشمسُ منَ اليومِ الثالث رمَى الجمراتِ كمَا تقدَّمَ، ثم رحلَ إلَى "مكةَ"، وإذَا عزمَ علَى السفرِ إلَى أهلهِ طافَ طوافَ الوداعِ سبعةَ أشواط، وصلى بعدهُ ركعتينِ خلفَ المقامِ، وانصرفَ راجعًا إلَى أهلهِ، وهوَ يقولُ: لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ لَا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وهوَ علَى كل شيء قدير، آيبونَ تائبونَ، عابدونَ، لربنَا حامدونَ.
لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهْ، صدقَ وعدهُ، ونصرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدهُ.