Minggu, 13 Oktober 2024

المادة الثانية في العقيقة

المادة الثانية في العقيقة  
 
1 - تعريفهَا: العقيقةُ هيَ الشاةُ تذبحُ للمولودِ يومَ سابعِ ولادَتهِ.
 2 - حكمهَا: العقيقة سنَّة متأكَّدةٌ للقادرِ عليهَا منْ أولياءِ المولودِ؛ وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقتهِ تذبحُ عنهُ يومَ سابعهِ، ويسمَّى ويحلقُ رأسهُ" .
 3 - حكمتهَا: منَ الحكمةِ فيِ العقيقةِ شكر اللّهِ تعالَى علَى نعمةِ الولدِ، والوسيلة للّهِ عز وجل فيِ حفظِ المولودِ ورعايتهِ.
 أحكامهَا: منْ أحكامِ العقيقةِ: 
1 - سلامتهَا وسنُّهَا: مَا يجزئُ في الأضحيةِ منَ السنِّ والسَّلامةِ منَ النَّقصِ يجزئُ فيِ العقيقةِ، ومَا لَا يجزئُ فيِ الأضحيةِ لا يجزئُ فيِ العقيقةِ.
 2 - طعمهَا وإطعامهَا: يستحب أنْ تقسمُ كمَا تقسمَ الأضحيةُ فيأكلُ منهَا أهل البيتِ ويتصدَّقونَ ويهدونَ.
 3 - مَا يستحبُّ يومَ العقيقةِ: يستحب أنْ يعقَّ عنِ الذَّكرِ بشاتيِن؛ إذْ "ذبحَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - عنِ الحسنِ كبشينِ" .
 كمَا يستحب أنْ يسمى المولودُ يومَ سابعهِ، وأنْ يختارَ لهُ منَ الأسماءِ أحسنهَا.
 وأنْ يحلقَ رأسهُ، ويتصدَّقُ بوزنِ شعرهِ ذهبًا أوْ فضةً أوْ مَا يقومُ مقامهمَا منَ العملةِ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل غلامٍ رهينة بعقيقتهِ تذبحُ عنهُ يومَ سابعهِ، ويسمى ويحلقُ رأسهُ" .
 4 - الأذانُ والإقامةُ فيِ أذنيِ المولودِ: استحب أهلُ العلمِ إذَا وضعَ المولودُ أنْ يؤذنَ فيِ أذنهِ اليمنَى ويقامَ فيِ أذنهِ اليسرَى، رجاءَ أنْ يحفظهُ اللّهُ منْ أمِّ الصِّبيانِ وهيَ تابعةُ الجانِّ؛ لماَ رويَ: "منْ ولدَ لهُ مولود فأذنَ فيِ أذنهِ اليمنَى وأقامَ فيِ أذنهِ اليسرَى لم تضرَّهُ أم الصِّبيانِ" .
 5 - إذَا فاتَ السابعُ ولم يذبحْ فيهِ: صح أنْ يذبحَ يومَ الرابعَ عشرَ، أوْ يومَ الواحدِ والعشرينَ، وإنْ ماتَ المولودُ قبلَ السابعِ لم يعقَّ عنهُ.
 ***  

الفصل الرابع عشر في الاضحية، والعقيقة

الفصل الرابع عشر في الاضحية، والعقيقة  
 وفيهِ مادتانِ: 
 المادة الأولَى: فِي الأضحيةِ: 
1 - تعريفهَا: الأضحيةُ هيَ الشَّاةُ تذبحُ ضحَى يوم العيدِ تقربًا إلَى اللّهِ تعالَى.
 2 - حكمهَا: الأضحيةُ سنّةٌ واجبةٌ علَى أهلِ كلِّ بيت مسلم قدرَ أهلهُ عليهَا؛ وذلكَ لقولهِ تعالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2].
 وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ كانَ ذبحَ قبلَ الطلاةِ فليعدْ" .
 وقولِ أبي أيوب الأنصاريِّ: "كانَ الرجلُ في عهدِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يضحِّي بالشَّاةِ عنهُ وعن أهلِ بيتهِ" .
 3 - فضلهَا: يشهدُ لماَ لسنَّةِ الأضحيةِ منَ الفضلِ العظيم قولُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "ما عملَ ابنُ آدمَ يومَ النَّحرِ عملًا أحب إلَى اللّهِ منْ إراقةِ دم، وإنَّهَا لتأتي يومَ القيامةِ بقرونهَا وأظلافهَا وأشعارهَا، وإن الدمَ ليقعُ منَ اللَّهِ عز وجل بمكان قبلَ أنْ يقعَ علَى الأرضِ فطيبوا بهَا نفسًا" .
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم - وقدْ قالُوا لهُ مَا هذهِ الأضاحِي؟ قالَ: "سنةُ أبيكم إبراهيمَ" قالُوا: مَا لنَا منهَا؟ قالَ: "بكلِّ شعرة حسنةٌ"، قالُوا: فالصُّوفُ؟ قالَ: "بكل شعرةٍ منَ الصوفِ حسنةٌ" .
 4 - حكمتهَا: منَ الحكمةِ فيِ الأضحيةِ: 
1 - التَّقرُّبُ إلَى اللّهِ تعالَى بهَا؛ إذْ قالَ سبحانهُ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}.
 وقالَ عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 162 - 163] والنّسكُ هنَا هوَ الذَّبحُ تقربًا إليهِ سبحانهُ وتعالَى.
 2 - إحياءُ سنَّةِ إمامِ الموحِّدينَ إبراهيمَ الخليلِ - عليه السلام - إذْ أوحَى اللّهُ إليهِ أنْ يذبحَ ولدهُ إسماعيلَ، ثم فداهُ بكبشٍ فذبحهُ بدلاً عنهُ؛ قالَ تعالَى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107].
 3 - التَّوسعةُ علَى العيالِ يومَ العيدِ، وإشاعةُ الرحمةِ بينَ الفقراِء والمساكينِ.
 4 - شكر اللهِ تعالَى علَى مَا سخَّرَ لنَا من بهيمةِ الأنعامِ، قالَ تعالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 36 - 37].
 5 - أحكامهَا: 
1 - سنُّهَا: لَا يجزئُ في الأضحيةِ منَ الضأنِ أقلُّ منَ الجذعِ، وهوَ مَا أوفَى سنة أوْ قاربهَا، وفيِ غيرِ الضأنِ منَ المعزِ والَإبلِ والبقرِ لَا يجزئ أقل منَ الثّنيّ وهوَ فيِ الماعزِ مَا أوفَى سنةً ودخلَ فيِ الثَّانيةِ، وفيِ الإبلِ مَا أوفَى أربعَ سنواتٍ ودخلَ فيِ الخامسةِ.
 وفيِ البقرِ مَا أوفَى سنتيِن ودخلَ فيِ الثَّالثةِ؛ لقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "لَا تذبحُوا إلاَّ مسنّة، إلاَّ أنْ يعسرَ عليكم فتذبحُوا جذعةً منَ الضَّأنِ" والمسنَّةُ منَ الأنعامِ هيَ الثَّنيةُ.
 2 - سلامتهَا: لَا يجزئُ فيِ الأضحيةِ سوَى السليمةِ منْ كلِّ نقص فيِ خلقتهَا، فلَا تجزئُ العوراءُ ولَا العرجاءُ ولَا العضباءُ (أيْ مكسورةُ القرنِ منْ أصلهِ، أوْ مقطوعةُ الأذنِ منْ أصلهَا) ولَا المريضةُ ولَا العجفاءُ (وهيَ الهازلُ التي لَا مخَّ فيهَا) وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أربعٌ لَا تجوزُ في الأضاحِي: العوراءُ البيِّنُ عورهَا، والمريضةُ البيِّنُ مرضهَا، والعرجاءُ البينُ ضَلَعهَا، والكسيرَةُ التَي لَا تُنقِي" يعني لَا نقيَ فيَها أيْ لَا مخَّ فيِ عظامهَا وهيَ الهازلُ العجفاءُ.
 3 - أفضلهَا: أفضلُ الأضحيةِ مَا كانتْ كبشًا أقرنَ فحلًا أبيضَ يخالطهُ سواد حولَ عينيهِ وفيِ قوائمهِ؛ إذْ هذَا هوَ الوصفُ الَّذِي استحبهُ رسولُ اللّهُ - صلى الله عليه وسلم - وضحى بهِ.
 قالتْ عائشةُ رضيَ اللّهُ عنهَا: "إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ضحَّى بكبشٍ أقرنَ، يطأُ فيِ سواد، ويمشِي فيِ سوادٍ، وينظرُ فيِ سوادٍ" .
 4 - وقتُ ذبحهَا: وقتُ ذبحِ الأضحيةِ صباحُ يومِ العيدِ بعدَ الصلاةِ، أيْ صلاةِ العيدِ فلَا تجزئُ قبلهُ أبداً؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ ذبحَ قبلَ الصَّلاةِ فإنمَا يذبحُ لنفسهِ؛ ومنْ ذبحَ بعدَ الصَّلاةِ فقدْ تمَّ نسكهُ وأصابَ سنّةَ المسلمينَ" .
 أما بعدَ يومِ العيدِ فإنّهُ يجوزُ تأخيرهَا لليومِ الثاني والثَّالثِ بعدَ العيدِ؛ لمَا رويَ "كلُّ أيَّامِ التَّشريقِ ذبح" .
 5 - مَا يستحب عندَ ذبحهَا: يستحبُّ عندَ ذبحهَا أنْ يوجههَا إلَى القبلةِ ويقولُ: "إني وجَّهتُ وجهِي للذيِ فطرَ السمواتِ والأرضَ حنيفًا، ومَا أنَا منَ المشركينَ، إن صلاتي ونسكِي ومحيايَ ومماتي لله ربِّ العالمينَ، لَا شريكَ لهُ وبذلكَ أمرتُ وأنَا أولُ المسلمينَ".
 وإذَا باشرَ الذبحَ أنْ يقولَ: "بسمِ اللّهِ و الله أكبرُ.
 اللهم هذَا منكَ ولكَ".
 6 - صحةُ الوكالةِ فيهَا: يستحبُّ أنْ يباشرَ المسلمُ أضحيتهَ بنفسهِ، وإنْ أنابَ غيرهُ فيِ ذبحهَا جازَ ذلكَ بلَا حرجٍ، ولَا خلافٍ بينَ أهلِ العلمِ فيِ هذَا.
 7 - قسمتهَا المستحبَّةُ: يستحب أنْ تقسمَ الأضحيةُ ثلاثًا، يأكلُ أهلُ البيتِ ثلثًا ويتصدَّقونَ بثلث، ويهدونَ لأصدقائهمُ الثلثَ الآخرَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "كلُوا وادخرُوا وتصدقُوا" ويجوزُ أنْ يتصدقُوا بهَا كلهَا، كمَا يجوزُ أنْ لَا يهدُوا منهَا شيئًا.
 8 - أجرةُ جازرهَا منْ غيرهَا: لَا يعطَى الجازرُ أجرةَ عملهِ منَ الأضحيةِ؛ لقولِ عليَّ رضيَ الله عنهُ: أمرني رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أنْ أقومَ علَى بدنه، وأنْ أتصدقَ بلحومهَا وجِلودهَا وجلالهَا، وأنْ لَا أعطيَ الجازرَ منهَا شيئًا.
 وقالَ: "نحنُ نعطهِ منْ عندنَا" .
 9 - هلْ تجزىءُ الشَّاةُ عنْ أهلِ البيتِ؟: تجزىءُ الشَّاةُ الواحدةُ عنْ أهلِ البيتِ كافَّةً وإنْ كانُوا أنفارًا عديدينَ لقولِ أبي أيُّوب - رضي الله عنه -: "كانَ الرجلُ في عهدِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يضحِّي بالشاةِ عنهُ وعنْ أهلِ بيتهِ" .
 10 - مَا يتجنَّبهُ منْ عزمَ علَى الأضحيةِ: يكرهُ كراهة شديدة لمنْ أرادَ أنْ يضحيَ أنْ يأخذَ منْ شعرهِ أوْ أظفارهِ شيئًا وذلكَ إذَا أهل هلالُ شهرِ ذِي الحجةِ حتى يضحيَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا رأيتمْ هلالَ ذِي الحجةِ وأرادَ أحدكم أنْ يضحِّيَ فليمسكْ عنْ شعرهِ وأظفارهِ حتَّى يضحيَ" .
 11 - تضحيةُ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم - عنْ جميعِ الأمةِ: منْ عجزَ عنِ الأضحيةِ منَ المسلمينَ نالهُ أجرُ المضحِّينَ؛ وذلكَ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عندَ ذبحهِ لأحدِ كبشينِ قالَ: "اللهم هذَا عني وعمَّنْ لم يضح منْ أمَّتي" .
  

المادة الثالثة في زيارة الاماكن الفاضلة بالمدينة المنورة

المادة الثالثة في زيارة الاماكن الفاضلة بالمدينة المنورة  
 
يحسنُ بالمسلم إذَا شرفهُ اللّهُ بزيارةِ المسجدِ النبويِّ، والوقوفِ علَى قبرِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وكرمهُ بدخولهِ طيبةَ -طيب اللّهُ ثراهَا- يحسنُ بهِ أنْ يأتيَ مسجدَ قباءَ للصَّلاةِ فيهِ، إذْ كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يزورهُ ويصلِّي فيهِ، وكذلكَ كانَ أصحابهُ منْ بعدهِ، وقالَ: "منْ تطهرَ في بيتهِ وأحسنَ الطُّهورَ ثم أتَى مسجدَ قباء لَا يريدُ إلاَّ الصلاةَ فيهِ كانَ لهُ كأجرِ عمرةٍ" .
 وكان - صلى الله عليه وسلم - يأتي مسجدَ قباءٍ راكبًا وماشيًا فيصلي فيهِ ركعتينِ .
 كمَا يزورُ قبورَ الشُّهداءِ "بأحدٍ"، إذْ كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرجُ لزيارتهم في قبورهم ويسلِّمُ عليهم.
 وبهذهِ الزِّيارة لشهداءِ "أحدٍ" يمكنهُ مشاهدةُ جبلِ (أحدٍ) الجبلِ الذِي قالَ فيهِ الوسولُ - صلى الله عليه وسلم -: "أحد جبلٌ يحبنَا ونحبهُ" .
 وقِالَ فيهِ: "أحدٌ جبلٌ منْ جبالِ الجنةِ" .
 واضطربَ مرة تحتَ رجليهِ - صلى الله عليه وسلم -، وكانَ معهُ أبُو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ، فقالَ لهُ: "اسكنْ أحدُ -وضربهُ برجلهِ- فمَا عليكَ إلاَّ نبي وصدِّيق وشهيدانِ" .
 كمَا يزورُ مقبرةَ "البقيعِ" إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يزورُ أهلهُ ويسلمُ عليهم، كمَا وردَ في الصحيحِ ولأنهَا ضمتْ آلافَ الصحابةِ والتابعينَ وغيرهم منْ عبادِ اللّهِ الصالحينَ فيأتيهَا فيسلِّمُ علَى أهلهَا قائلًا: "السلام عليكم أهلَ الدِّيارِ منَ المؤمنينَ والمسلمينَ أنتم سابقونَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بكم لاحقونَ، يرحمُ اللَّهُ المستقدمينَ منَّا ومنكم والمستأخرينَ.
 نسألُ اللَّهَ لنَا ولكمُ العافيةَ فيِ الدنيَا والآخرةِ اللهمَّ اغفر لنَا ولهم، وارحمنَا وإيَّاهم، اللَّهم لَا تحرمنَا أجرهم، ولَا تفتنَّا بعدهم" .
  

فِي زيارةِ المسجدِ النَّبوي

الفصل الثالث عشر  
 فِي زيارةِ المسجدِ النَّبوي، والسَّلامِ علَى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فِي قبرهِ الشريفِ وفيهِ ثلاثُ مواد: 
 المادةُ الأولَى: فِي فضلِ المدينةِ وأهلهَا، وفضلِ المسجدِ النبويِّ الشريف: 
أ- فضلُ المدينةِ: 
المدينةُ حرمُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -، ودارُ هجرتهِ، ومهبطُ وحيهِ، حرمهَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، كمَا حرمَ سيدنَا إبراهيمُ مكَّةَ المكرمةَ فقالَ: "اللهم إن إبراهيمَ حرمَ مكةَ، وأنَا أحرمُ مَا بينَ لابتيهَا -حرتيهَا-".
 وقالَ: "المدينةُ حرام مَا بينَ عائر إلَى ثورٍ فمنْ أحدثَ فيهَا حدثًا أوْ آوَى محدثا فعليهِ لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لَا يقبلُ منهُ صرفٌ ولَا عدلٌ.
 لَا يختلَى خلاهَا ولَا ينفرُ صيدهَا ولَا تلتقطُ لقطهَا إلاَّ لمنْ أشادَ بهَا، ولَا يصلحُ لرجل أنْ يحملَ فيهَا السلاحَ لقتالٍ، ولَا يصلحُ أنْ يُقطعَ منهَا شجرةٌ إلاَّ أنْ يعلفَ رجلٌ بعيرهُ" .
 وقالَ عدي بنُ زيدٍ - رضي الله عنه -: "حمَى رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كلَّ ناحيةٍ منَ المدينةِ بريدًا من بريد: لَا يخبطُ شجرهُ ولَا يُعضدُ إلاَّ مَا يساقُ بهِ الجملُ" .
 وقالَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الإيمانَ ليأرزُ إلَى المدينةِ كمَا تأرزُ الحيَّةُ إلَى جحرهَا، لَا يصبرُ علَى لأوائهَا وشدتهَا أحدٌ إلاَّ كنتُ لهُ شفيعًا أوْ شهيدًا يومَ القيامةِ" .
 وقالَ: "منِ استطاعَ منكم أنْ يموتَ بالمدينةِ فليفعلْ فإنِّي أشهدُ لمنْ ماتَ بهَا" .
 وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّمَا المدينةُ كالكِير تنفِي خبثهَا، وينصعُ طيبهَا" .
 وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "المدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمونَ، لَا يدعهَا أحدٌ رغبةً عنهَا إلاَّ أبدلَ اللَّهُ فيهَا من هوَ خير منهُ ولَا يثبتُ أحد علَى لأوائهَا وجهدهَا إلاَّ كنتُ لهُ شفيعًا أوْ شهيدًا يومَ القيامةِ" .
 ب- فضلُ أهلِ المدينةِ: 
أهلُ المدينةِ وهم جيرةُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وعمارُ مسجدهِ، وسكَّانُ بلدهِ، والمرابطونَ فيِ حرمهَ، والحامونَ لحماهُ، متَى استقامُوا وصلحُوا كانُوا أعلَى الناسِ قدرًا، وأشرفهم مكانًا، ووجبَ احترامهم وتقديرهم، ولزمتْ محبتهم وموالاتهم، حذرَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - منْ أذّيَّتهم فقالَ: "لَا يكيدُ أهلَ المدينةِ أحدٌ إلاَّ انماعَ كمَا ينماعُ الملحُ فيِ الماءِ" .
 وقالَ: "لَا يريدُ أحدٌ أهلَ المدينةِ بسوء إلاَّ أذابهُ الله فيِ النَّارِ ذوبَ الرصاصِ أوْ ذوبَ الملحِ في الماءِ" .
 ودعَا لهم - صلى الله عليه وسلم - بالبركةِ فيِ أرزاقهم حبًّا فيهم وتكريمًا لهم، قالَ: "اللهم باركْ لهم فيِ مكيالهم، وباركْ لهم فيِ صاعهم ومدِّهم" وأوصَى أمتهُ عامة عليهم بخيرٍ، فقالَ: "المدينةُ مهاجرِي، فيهَا مضجعِي، ومنهَا مبعثي، حقيقٌ علَى أمتي حفظُ جيراني مَا لم يرتكبُوا الكبائرَ، ومنْ حفظهم كنتُ لهُ شفيعًا وشهيدًا يومَ القيامةِ" (10).
 ج- فضلُ المسجدِ النبويِّ الشريفِ: 
المسجدُ النبوي أحدُ المساجدِ الثلاثةِ - صلى الله عليه وسلم - التي نوَّهَ القرآنُ الكريمُ بذكرهَا، إذْ قالَ تعالَى: 
 {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] .
 فإن فيِ لفظِ الأقصَى إشارةً واضحةً إلَى المسجدِ النبويِّ؛ إذِ الأقصَى اسمُ تفضيلٍ علَى القاصِي، ومنْ كانَ بمكّةَ المكرمةِ كانَ المسجدُ القاصِى منهُ هوَ المسجدَ النبويِّ، والمسجدُ الأقصَى هوَ بيتُ المقدسِ، فذكرَ المسجدَ النبويّ بالإشارةِ ضمنَ المسجدينِ؛ إذْ لم يكنْ أيام نزولِ الآيةِ الكريمةِ قدْ وجدَ بعدُ، وقالَ - صلى الله عليه وسلم - فيِ بيانِ فضلهِ: "صلاةٌ فيِ مسجدِي هذَا أفضلُ منْ ألفِ صلاةٍ فيمَا سواهُ إلاَّ المسجدُ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ منْ مائةِ ألفِ صلاةٍ فيمَا سواهُ" .
 وجعلهُ ثانيَ المساجدِ الثلاثةِ الَّتي لَا تشد الرحالُ إلاَّ إليهَا، فقالَ: "لَا تشد الرحالُ إلاَّ إلَى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ ومسجدِي هذَا والمسجدِ الأقصَى".
 وخص هذَا المسجدَ بمزيةٍ لم تكنْ لغيرهِ منَ المساجدِ، وهيَ الروضةُ الشَّريفةُ الَّتي قالَ فيهَا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا بينَ بيتي ومنبرِي روضة منْ رياضِ الجنةِ" .
 ورويَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ صلى في مسجدِي هذَا أربعينَ صلاةً لَا تفوتهُ صلاةٌ كتبَ لهُ براءة منَ النارِ، وبراءة منَ العذابِ، وبَراءة منَ النِّفاقِ" .
 ولهذَا كانتْ زيارةُ هذَا المسجدِ للصّلاةِ فيهِ منَ القربِ التي يتوسلُ بهَما المسلمُ إلَى ربِّهِ فيِ قضاءِ حاجاتهِ والفوزِ بمرضاتهِ تعالَى.
  

المادة السادسة في الركن الثالث، السعي

المادة السادسة في الركن الثالث، السعي  
 
السَّعي: هوَ المشي بينَ الصفَا والمروةِ ذهابًا وجيئةً بنيَّةِ التّعبدِ، وهوَ ركنُ الحجِّ والعمرةِ، لقولهِ تعالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158].
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اسعوْا فإنَّ اللّهَ كتبَ عليكمُ السَّعيَ" .
 ولهُ شروطٌ وسننٌ وآدابٌ، وهيَ: 
 أ- شروطُ السَّعيِ، وهيَ: 
1 - النِّية، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّمَا الأعمالُ بالنِّياتِ" فكَانَ لابدَّ من نيَّة التَّعبدِ بالسعيِ طاعةً للّهِ وامتثالًا لأمرهِ.
 2 - التَّرتيب بينهُ وبينَ الطَّوافِ، بأنْ يقدمَ الطَّوافُ علَى السَّعيِ.
 3 - الموالاة بينَ أشواطهِ، غيرَ أنَّ الفصْل اليسيرَ لَا يضرُّ ولَا سيمَا إذَا كانَ لضرورة.
 4 - إكمالُ العددِ سبعةَ أشواطٍ، فلو نقصَ شوطٌ أوْ بعضُ الشَّوطِ لم يجزئْ؛ إذْ حقيقتهُ متوقفةٌ علَى تمامِ أشواطهِ.
 5 - وقوعهُ بعدَ طوافٍ صحيح، سواءً كانَ الطوافُ واجبًا أوْ سنةً، غيرَ أنَّ الأولَى أنْ يكونَ بعدَ طواف واجب كطوافِ القدومِ، أوْ ركنٍ كطوافِ الإفاضةِ.
 ب- سننُ السعيِ، وهيَ: 
1 - الخبب، وهيَ سرعةُ المشيِ بينَ الميليِن الأخضرينِ الموضوعينِ علَى حافَّتيِ الوادِي القديمِ الذِي خبَّتْ فيهِ "هاجرُ" أمُّ إسماعيلَ عليهمَا السلام، وهوَ سنة للرجالِ القادرينَ دونَ الضعفةِ والنِّساءِ .
 2 - الوقوفُ علَى الصَّفَا والمروةِ للدعاءِ فوقهمَا.
 3 - الدُّعاءُ علَى كل منَ الصفَا والمروةِ فيِ كلِّ شوطٍ منَ الأشواطِ السَّبعةِ.
 4 - قولُ: اللّهُ أكبرُ ثلاثًا عندَ الرُّقي علَى كل منَ الصَّفَا والمروةِ فيِ كلِّ شوط وكذَا قولُ: لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ لَا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ علَى كلِّ شيءٍ قديرٌ.
 لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ، صدقَ وعدهُ، ونصرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدهُ.
 5 - الموالاةُ بينهُ وبينَ الطَّوافِ، بحيثُ لَا يفصلُ بينهمَا بدونِ عذرٍ شرعيٍّ.
 ج- آداب السعيِ، وهيَ: 
1 - الخروجُ إليهِ منْ بابِ الصَّفَا تاليًا قولَ اللّهِ تعالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158].
 2 - أنْ يكونَ السَّاعِي متطهِّرًا.
 3 - أنْ يسعَى ماشيًا إنْ قدرَ علَى ذلك بدونِ مشقَّةٍ.
 4 - أنْ يكثرَ منَ الذِّكرِ والدعاءِ، وأنْ يشتغلَ بهمَا دونَ غيرهمَا.
 5 - أنْ يغضَّ بصرهُ عنِ المحارمِ، وأنْ يكفَّ لسانهُ عنْ المآثمِ.
 6 - أنْ لَا يؤذيَ أحدًا منَ الساعينَ أوْ غيرهم منَ المارة بأيِّ أذىً، قولٍ أو فعلٍ.
 7 - استحضارهُ في نفسهِ ذلَّهُ وفقرَهُ وحاجتَهُ إلَى اللّهِ تعالى في هدايةِ قلبهِ، وتزكيةِ نفسهِ، وإصلاحِ حالهِ.
 المادةُ السابعةُ: فِي الركنِ الرابعِ، وهوَ الوقوفُ بعرفةَ: 
الوقوفُ بعرفةَ، هوَ الرُّكنُ الرابعُ منْ أركانِ الحجِّ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الحج عرفةَ" .
 وحقيقتهُ: الحضورُ بالمكانِ المسمى عرفاتٍ، لحظةً فأكثرَ بنيَّةِ الوقوفِ منْ بعدِ ظهرِ يومِ تاسعِ ذِي الحجَّةِ إلَى فجرِ اليوم العاشرِ منهُ.
 ولهُ واجباتٌ وسننٌ وآداب يتم بهَا وهيَ: 
 أ- الواجباتُ، وهيَ: 
1 - الحضورُ بعرفةَ يومَ تاسعِ ذِي الحجَّةِ بعدَ الزوالِ إلَى غروبِ الشَّمسِ.
 2 - المبيتُ بمزدلفةَ بعدَ الإفاضةِ منْ عرفاتٍ ليلةَ عاشرِ ذِي الحجةِ.
 3 - رميُ جمرةِ العقبةِ يومَ النَّحرِ.
 4 - الحلقُ أوِ التَّقصيرُ بعدَ رميِ جمرةِ العقبةِ يومَ النَّحرِ.
 5 - المبيتُ بمنىً ثلاثَ ليالِ، وهيَ ليالي: الحادِي عشرَ، والثاني عشرَ، والثالثَ عشرَ، أوْ ليلتينِ لمنْ تعجَّلَ وهمَا: ليلةُ الحادِي عشرَ والثانِي عشرَ.
 6 - رميُ الجمراتِ الثلاثِ بعدَ زوالِ كل يومٍ منْ أيَّامِ التشريقِ الثلاثةِ أوِ الاثنينِ.
 [تنبيهٌ]: أدلةُ هذهِ الواجباتِ عملهُ - صلى الله عليه وسلم -، وقدْ قالَ: "لتأخذُوا عنِّيِ مناسككم" .
 وقال- صلى الله عليه وسلم -: "حجوا كما رأيتموني أحجُّ" .
 وقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "قفُوا علَى مشاعركم فإنكم علَى إرث منْ إرثِ أبيكم إبراهيمَ" .
 ب- السننُ، وهيَ: 
1 - الخروجُ إلَى "منىً" يومَ التَّرويةِ -وهوَ ثامنُ الحجَّةَ- والمبيتُ بهَا ليلةَ التَّاسعِ وعدمُ الخروجِ منهَا إلاَّ بعدَ طلوعِ الشَّمسِ، لصلاةِ خمسِ صلواتٍ بهِا.
 2 - وجودهُ بعدَ الزَّوالِ "بنمرةَ"، وصلاتهُ الظهرَ والعصرَ قصرًا، وجمعًا معَ الإمامِ.
 3 - إتيانهُ لموقفِ "عرفاتِ" بعدَ أدائهِ صلاةَ الظهرِ والعصرِ معَ الإمامِ والاستمرارُ بالموقفِ ذاكرًا داعيًا حتَّى غروبِ الشَّمسِ.
 4 - تأخيرُ صلاةِ المغربِ إلَى أنْ ينزلَ بجمعِ "المزدلفةَ" فيصلِّيَ المغربَ والعشاءَ بهَا جمعَ تأخيرٍ.
 3 - الوقوفُ مستقبلَ القبلةِ ذاكرًا داعيًا عندَ المشعرِ الحرامِ، "جبلِ قزحٍ" حتى الإسفارِ البيِّنِ.
 6 - التَّرتيبُ بينَ رميِ جمرةِ "العقبة" والنَّحرِ والحلقِ وطوافِ الزِّيارةِ "الإفاضةِ".
 7 - أداءُ طوافِ الزِّيارةِ فيِ يومِ النحرِ قبلَ الغروبِ.
 ج- الآدابُ، وهيَ: 
1 - التوجُّهُ من (منًى) صباحَ التَّاسعِ إلَى "نمرةَ" بطريقِ "ضبٍّ" لفعلهِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ.
 2 - الاغتسالُ بعدَ الزَّوالِ للوقوفِ "بعرفةَ" وهوَ مشروعٌ حتَّى للحائضِ والنُّفساءِ.
 3 - الوقوفُ بموقفِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عندَ الصخرةِ العظيمةِ المفروشةِ فيِ أسفلِ جبلِ الرحمةِ الَّذِي يتوسطُ "عرفةَ".
 4 - الذِّكر والدُّعاءُ والإكثار منهمَا وهوَ مستقبلُ القبلةِ بالموقفِ حتى تغربَ الشَّمسُ.
 5 - كونُ الإفاضةِ منْ "عرفةَ" علَى طريقِ المأزميِن، لا علَى طريقِ "ضب" الذَّي أتَى منهُ، لأن الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ منْ هديهِ أنْ يأتيَ منْ طريقٍ ويرجعَ منْ طريقٍ آخرَ.
 6 - السَّكينةُ فيِ السَّيرِ وعدمِ الإسراعِ فيهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يَا أيهَا النَاسُ عليكم بالسكينةِ، فإن البر ليسَ بالإيضاعِ" .
 والإيضاعُ هوَ الإسراعُ.
 7 - الإكثارُ منَ التَّلبيةِ فيِ طريقهِ إلَى "منًى" وَ "عرفاتٍ" وَ "مزدلفةَ" وَ "منًى" إلَى أنْ يشرعَ في رميِ جمرةِ العقبةِ.
 8 - التقاطُ سبعِ حصيات منْ "مزدلفةَ" لرميِ جمرةِ العقبةِ.
 9 - الدفعُ منْ "مزدلفةَ" بعدَ الإسفارِ، وقبلَ طلوعِ الشمس.
 10 - الإسراعُ فيِ السَّيرِ ببطنِ محسِّر، وتحريكُ الدَّابةِ أوْ دفعُ السيارةِ قدرَ رميةِ حجرٍ إنْ لمْ يخشَ ضررًا.
 11 - رمي جمرةِ العقبةِ بينَ طلوعِ الشمس والزوالِ.
 12 - قولُ: "اللّهُ أكبرُ" معَ كلِّ حصاةٍ يرميهَا.
 13 - مباشرةُ ذبحِ الهديِ أوْ شهودهُ حالَ نحرهِ أوْ ذبحهِ، وقولُ: اللهم هذَا منكَ وإليكَ، اللهم تقبلْ منِّي، كمَا تقبلتَ منْ إبراهيمَ خليلِكَ، بعدَ أنْ يقولَ: "بسمِ اللّهِ و الله أكبرُ " الواجبُ قولهمَا.
 14 - الأكلُ منَ الهديِ؛ إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يأكل من كبدِ أضحيتهِ أوْ هديهِ.
 15 - المشيُ إلَى رمي الجمراتِ الثَّلاثِ أيامَ التشريقِ.
 16 - قولُ: "اللّهُ أَكبرُ" معَ كلِّ حصاةٍ، وقولُ: اللَّهم اجعلهُ حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا.
 17 - الوقوفُ للدُّعاءِ مستقبلَ القبلةِ بعدَ رميِ الجمرة الأولَى والثانيةِ دونَ الثَّالثةِ: لأنَّهُ لَا دعاءَ يستحب عندهَا، إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يرميهَا وينصرفُ.
 18 - رميُ جمرةِ العقبةِ منْ بطن الوادِي مستقبلاً لهَا جاعلًا البيتَ عنْ يسارهِ، وَ "منًى" عنْ يمينهِ.
 19 - قولُ المنصرفِ منْ مكةَ: آيبونَ تائبونَ، عابدونَ لربنَا حامدونَ، صدقَ اللّهُ وعدهُ، ونصرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدهُ؛ إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ ذلكَ عندَ انصرافهِ منهَا.
 المادةُ الثامنةُ: فِي الإحصار: 
منْ أُحصرَ، أيْ مُنعَ منْ دخولِ مكَّةَ، أوِ الوقوفِ "بعرفةَ" بعدو أوْ مرضي ونحوهِ منَ الموانعِ القاهرةِ وجبَ عليهِ ذبحُ شاة أوْ بدنةٍ أوْ بقرة في محل إحصارهِ، أوْ يبعثُ بهَا إلَى الحرمِ إنْ أمكنهُ ذلكَ ويتحللُ منْ إحرامهِ لقولهِ تعالَى: {أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196].
 المادةُ التاسعةُ: فِي طوافِ الوداعِ: 
طوافُ الوداعِ هوَ أحدُ أطوفةِ الحج الثلاثةِ وهوَ سنةٌ واجبةٌ مَنْ تركهُ لغيرِ عذرٍ وجبَ عليهِ دمٌ، ومنْ تَركهُ لعذرٍ فلَا دمَ عليهِ.
 ويأتي بهِ الحاج أوِ المعتمرُ عندمَا يريدُ الرجوعَ إلَى أهلهِ بعدَ فراغهِ من حجه أو عمرتهِ وانتهاءِ إقامتهِ بمكةَ المكرمةِ، فيأتي بهِ في آخرِ ساعةٍ يريدُ الخروجَ فيهَا منْ مكةَ المكرمةِ بحيث إذَا طافَ لَا يشتغلُ بشيءٍ بلْ يخرجُ منْ مَكَّةَ مباشرةً، وإنْ هوَ أقامَ زمنًا لبيعٍ أوْ شراءٍ ونحوهمَا بلَا ضرورة تدعُو إلَى ذلكَ أعادَ الطَّوافَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا ينفرنَّ أحدكم حتى يكونَ آخرُ عهدهِ بالبيتِ" .
 المادةُ العاشرةُ: في كيفيَّةِ الحج والعمرةِ: 
كيفيةُ الحجِّ والعمرةِ، هيَ: 
أنْ يقلِّمَ منْ أرادَ الإحرامَ بأحدِ النُّسكيِن أظفارهُ، ويقصَّ شاربهُ، ويحلقَ عانتهُ، وينتف إبطيهِ ثمَّ يغتسلَ ويلبسَ إزارًا ورداءً أبيضيِن نظيفينِ ويلبسَ نعلينِ.
 وإذَا وصلَ إلَى الميقاتِ صلَّى فريضةً أوْ نافلةً ثم نوَى نسكهُ قائلًا: "لبيكَ اللَّهم لبيكَ حجًّا"، هذَا إنْ أرادَ الإفرادَ، وإنْ أرادَ التَّمتُّعَ قالَ: "عمرةً"، وإنْ أرادَ القرانَ، قالَ: "حجَّا وعمرةً".
 ولهُ أنْ يشترطَ علَى ربِّهِ فيقولَ: "إن محلِّي منَ الأرضِ حيثُ تحبسني" .
 فإنهُ إنْ حصلَ لهُ مانعٌ حالَ بينهُ وبينَ مواصلةِ الحجِّ أوِ العمرةِ كمرضٍ ونحوهِ تحلَّلَ منْ إحرامهِ ولَا شيءَ عليهِ، ثم يواصلُ التلبيةَ رافعًا بها صوتهُ فيِ غيرِ إجهادٍ، إلاَّ أنْ تكونَ امرأةً فإنَّهَا لَا تجهر بهَا، ولَا بأسَ أنْ ترفعَ صوتهَا بقدرِ مَا تسمعُ رفيقتهَا معهَا.
 ويستحبُّ لهُ أنْ يدعوَ ويصليَ علَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كلمَا فرغَ منَ التَّلبيةِ، كمَا يستحب لهُ أنْ يجدِّدَ التلبيةَ كلمَا تجددتْ حالٌ من ركوبٍ أوْ نزولٍ أوْ صلاةٍ، أوْ ملاقاةِ رفاقي.
 وينبغِي أنْ يكف لسانهُ عنْ غيرِ ذكرِ اللّهِ تعالَى وبصرهُ عما حرمَ اللّهُ عليهِ.
 كمَا ينبغِي أنْ يكثرَ في طريقهِ منَ البر والإحسانِ رجاءَ أنْ يكونَ حجهُ مبرورًا، فليحسنْ إلَى المحتاجينَ، وليبتسم هاشًّا باشًّا فيِ وجوهِ الرفاقِ، ملينًا لهمُ الكلامَ باذلًا لهمُ السلامَ والطعامَ، وإذَا وصلَ مكةَ استحب لهُ أنْ يغتسلَ لدخولهَا، وإذَا وصلهَا دخلهَا منْ أعلاهَا، وإذَا وصلَ إلَى المسجدِ الحرامِ دخلهُ منْ بابِ بني شيبةَ: بابِ السلامِ، وقالَ: بسمِ اللّهِ وباللّهِ وإلَى اللّهِ اللّهم افتحْ لي أبوابَ فضلِك، وإذَا رأَى البيتَ رفعَ يديهِ وقالَ: اللَّهم أنتَ السلام، ومنكَ السلام فحينَا ربنَا بالسلامِ.
 اللَّهمَّ زدْ هذَا البيتَ تشريفًا وتعظيمًا وتكرِيمًا ومهابةً وبرًّا، وزدْ منْ شرفهُ وكرمهُ ممَّنْ حجهُ أوِ اعتمرهُ تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً وبرًّا.
 الحمدُ للّهِ رب العالمينَ كثيرًا، كمَا هوَ أهلهُ، وكمَا ينبغِي لكرمِ وجههِ وعزِّ جلالهِ، والحمدُ للّهِ الَّذِي بلَّغني بيتهُ ورآني لذلكَ أهلًا، والحمدُ للّهِ علَى كلِّ حالٍ.
 اللهمَّ إنكَ دعوتَ إلَى حجِّ بيتكَ الحرامِ وقدْ جئتكَ لذلكَ.
 اللَّهم تقبلْ منِّي واعفُ عنِّي، وأصلحْ لي شأني كلَّهُ.
 لَا إلهَ إلاَّ أنت.
 ثمَّ يتقدمُ إلَى المطافِ متطهرًا مضطبعًا فيأتي الحجرَ الأسودَ فيقبلهُ أوْ يستلمهُ، أوْ يشيرُ إليهِ إنْ لم يمكنْ تقبيلهُ ولَا استلامهُ، ثم يستقبلُ الحجرَ ويقفُ معتدلًا ناويًا طوافهُ قائلًا: بسمِ اللّهِ، واللّهُ أكبرُ.
 اللهم إيمانًا بكَ وتصديقًا بكتابكَ، ووفاءً بعهدكَ، واتِّباعًا لسنةِ نبيكَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ يأخذُ في الطوافِ جاعلًا البيتَ عنْ يسارهِ راملاً (أيْ مهرولاً) إنْ كانَ فيِ طوافِ القدومِ وهوَ يدعُو أوْ يذكر أوْ يصلِّي علَى النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، إلَى أنْ يحاذيَ الركنَ اليماني فيستلمهُ بيدهِ، ويختمُ الشوطَ بدعاءِ: ربنا آتنَا فيِ الدنيَا حسنةً، وفيِ الآخرةِ حسنة، وقنَا عذابَ النَّارِ.
 ثم يطوفُ الشوطَ الثاني والثالثَ هكذَا، ولما يشرعُ في الشوطِ الرابعِ يتركِ الرملَ ويمشِي فيِ سكينةٍ حتى يتم الأربعةَ الأشواطِ الباقيةَ، فإذَا فرغَ أتَى الملَتزمَ ودعَا باكيًا خاشعًا، ثم يأتي مقامَ إبراهيمَ فيصلِّي خلفهُ ركعتينِ يقرأُ فيهمَا بالفاتحةِ والكافرونَ والفاتحةِ والصَّمدِ، ثمَّ بعدَ الفراغِ يأتي "زمزم" فيشربُ منهُ مستقبلَ البيتَ حتى يروَى، ويدعُو عندَ الشَّربُ بمَا شاَء وإنْ قالَ: اللهم إنِّي أسألكَ علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاءً منْ كلِّ داءٍ فحسن، ثم يأتي الحجرَ الأسودَ فيقبلهُ أوْ يستلمهُ ثم يخرجُ إلَى المسعَى منْ بابِ الصفا تاليًا قولَ اللهِ تعالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ 
 } إلى قوله {شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] .
 حتى إذَا وصلَ إلَى الصفا رقيهُ، ثم استقبلَ البيتَ وقالَ: الله أكبرُ ثلاثًا، لَا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لَا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ علَى كلِّ شيءٍ قدير، لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ، صدقَ وعدهُ ونصرَ عبدهُ وهزمَ الأحزابَ وحدهُ، ثم يدعُو بمَا شاءَ منَ خيريِ الدنيَا والآخرةِ.
 ثم ينزلُ قاصدًا "المروةَ" فيمشيَ في المسعَى ذاكرًا داعيًا إلَى أنْ يصلَ إلَى بطنِ الوادِي المشارِ إليهِ الآنَ بالعمودِ الأخضرِ فيخب مسرعًا إلَى أنْ يصلَ إلَى العمودِ الأخضرِ الثاني، ثم يعودُ إلَى المشي فيِ سكينةٍ ذاكرًا داعيًا مصلِّيًا علَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، إلَى أنْ يصلَ إلَى "المروةِ" فيرقاهُ ثم يكبر ويهلِّل ويدعُو كمَا صنعَ علَى "الصَفَا" ثم ينزلُ فيسعَى ماشيًا إلَى بطنِ الوادِي فيخب ويهرولُ، ولماَّ يخرجْ يمشِي حتى يصلَ إلَى "الصفا" فيرقاهُ ثم يكبر ويهلِّلُ ويدعُو ثم ينزلُ قاصدًا "المروةَ" فيصنعُ كمَا صنعَ أولاً حتى يتم سبعةَ أشواطٍ بثمانِ وقفاتٍ: أربع علَى "الصفَا" وأربعٍ علَى "المروةِ"، ثم إنْ كانَ معتمرًا قصرَ شعرهُ وحل منْ إحرامهِ وقدْ تمتْ عمرتهُ، وكذَا إنْ كانَ متمتعًا بالعمرةِ إلَى الحجِّ فقدْ تمتْ عمرتهُ بمجردِ فراغهِ منَ السعيِ وتقصيرهِ من شعرهِ، وإنْ كانَ مفردًا أوْ قارنًا وقدْ ساقَ الهديَ وجبَ عليهِ أنْ يبقَى علَى إحرامهِ حتَّى يقفَ "بعرفات" ويرميَ جمرةَ العقبةِ يومَ النحرِ، وعندئذ يتحللُ، وإلا فلهُ أنْ يفسخَ حجهُ إلَى عمرةٍ ويتحللَ.
 وإذَا كانَ يومُ الترويةِ ثامنَ ذِي الحجةِ أحرمَ بنيَّةِ الحجِّ علَى النَّحوِ الذِي أحرمَ فيهِ بعمرتهِ، إنْ كانَ متمتِّعًا، وأما المفردُ أوِ القارنُ فإنهمَا علَى إحرامهمَا الأولِ.
 وخرجَ ملبيًا إلَى "منًى" ضحًى ليقيمَ بهَا يومهُ وليلتهُ فيصلِّي بهَا خمسَ أوقات، حتى إذَا طلعتِ الشمسُ منْ يومِ "عرفةَ" خرجَ منْ "منًى" ملبيًا قاصدًا "نمرةَ" بطريقِ "ضبَّ" فيقيمُ بهَا إلَى الزوالِ، ثم يغتسلُ ويأتي المسجدَ مصلى الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فيصلِّي معَ الإمامِ الظهرَ والعصرَ قصرًا وجمعَ تقديمٍ فإذَا قضيتِ الطلاة ذهبَ إلَى "عرفاتٍ" للوقوفِ بهَا، ولهُ أنْ يقفَ فيِ أيِّ جزءٍ منهَا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وقفتُ ها هنا إلىَ "عرفات" كلُّهَا موقفٌ" .
 وإنْ وقفَ عندَ الصخرات فيِ أسفلِ جبلِ الرحمةِ، وهوَ موقفُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فحسن ولهُ أنْ يقفَ راكبًا أوْ راجلًا أوْ قاعدًا يذكرُ اللهَ تعالَى ويدعوهُ حتى إذَا غربتَ الشَّمسُ ودخلَ جزءٌ منَ الليلِ يسير، أفاضَ فيِ سكينةٍ ملبيًا إلَى "مزدلفةَ" بطريقِ المأزمينِ فينزلُ بهَا وقبلَ أنْ يضعَ رحلهُ يصلِّي المغربَ ثم يضع رحلهُ ويصلِّي بهَا العشاءَ ويبيتُ بهَا حتى إذَا طلعَ الفجر صلى الصُّبحَ وقصدَ المشعرَ الحرامَ ليقفَ عنده مهلِّلًا مكبرًا داعيًا ولهُ أنْ يقفَ فيِ أيِّ مكان من "مزدلفةَ"؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وقفتُ هَا هنَاء وجمعٌ كلُّهَا موقفٌ" .
 حتَّى إذَا أسفرَ الصبحُ وقبلَ طلوعِ الشمسِ التقطَ سبعَ حصياتٍ ليرميَ بهَا جمرةَ "العقبةِ" ويندفعُ إلَى "منَّى" ملبيًا، وإذَا وصلَ محسِّرًا حركَ دابتهُ وأسرعَ فيِ سيرهِ نحوَ رميةِ حجرٍ، ولما يصلُ إلَى "منَّى" يذهبُ رأسًا إلَى جمرةِ "العقبةِ" فيرميهَا بسبعِ حصيات يرفعُ يدة اليمنَى حالَ الرمى قائلا: اللّهُ أكبرُ، وإنْ زادَ اللَّهم اجعلهُ حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا فحسن، ثم إنْ كانَ معهُ هديٌ عمدَ إليهِ فذبحهُ أو أنابَ من يذبحُ عنهُ إنْ كانَ عاجزًا، ولهُ أنْ يذبحَ في أيِّ مكان شاءَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "نحرتُ هَا هنَا، وَ "منَّى" كلهَا منحرٌ" .
 ثم يحلقُ أوْ يقصِّرُ، والحلقُ افضل، وإلى هنَا فقدْ تحلل التحلل الأصغرَ فلم يبقَ محرمًا عليهِ إلاَّ النِّساءُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا رمَى أحدكم جمرةَ العقبةِ وحلقَ فقدْ حل لهُ كل شيء إلاَّ النِّساء" فلهُ أنْ يغطِّيَ رأسهُ ويلبسَ ثيابهُ.
 ثم يسير إلَى "مكَّةَ" إنْ أمكنَ ليطوفَ طوافَ الإفاضةِ الذّي هوَ أحدُ أركانِ الحجِّ الأربعةِ فيدخلُ المسجدَ متطهِّرًا فيطوفُ علَى نحوِ طوافِ القدومِ غيرَ أَنهُ لَا يضطبعُ -لَا يكشفُ عنْ كتفهِ- ولَا يرملُ، أيْ لَا يسرعُ فيِ الأشواطِ الثَّلاثةِ الأولَى، فإذَا أتم سبعةَ أشواطٍ صلَّى ركعتينِ خلفَ المقامِ، ثمَّ إنْ كانَ مفردًا أوْ قارنًا، وقدْ سعَى معَ طوافِ القدومِ فإن سعيهُ الأولَ يكفيهِ وإنْ كانَ متمتِّعًا خرجَ إلَى المسعَى فسعَى بينَ "الصفَا" وَ "المروةَ" سبعةَ أشواط علَى النَّحوِ الذّيِ تقدَّمَ، فإذَا فرغَ منْ سعيهِ فقدَ تحللَ كاملَ التحلُّلِ، ولم يبقَ محرمًا عليهِ شيءٌ؛ إذ أصبحَ حلالاً يفعلُ كل مَا كانَ محظورًا عليهِ بسببِ الإحرامٍ، ثم يعود منْ يومهِ إلَى "منَّى" فيبيتُ بهَا، وإذَا زاغتِ الشمسُ منْ أولِ يومٍ منْ أيامِ التشريقِ ذهبَ إلَى الجمراتِ فرمَى الجمرةَ الأولَى وهيَ التي تلي مسجدَ "الخيفِ" رماهَا بسبع حصيات، واحدةً بعدَ أخرَى يكبر معَ كل حصاة، ولما يفرغُ منْ رميهَا يتنحّى قليلاً، فيستقبل القبلةَ يدعُو بمَا يفتحِ اللّهُ عليهِ، ثم يسير إلَى الجمرةِ الوسطَى فيرميهَا كمَا رمَى الأولَى، ويتنحَّى قليلًا فيستقبلُ القبلةَ ويدعُو، ثم يسير إلَى جمرةِ "العقبةِ" وهيَ الأخيرةُ فيرميهَا بسبعِ حصياتٍ يكبر معَ كل حصاة ولَا يدعُو بعدهَا؛ إذْ لم يدعُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عندهَا، وينصرفُ، فإذَا زالتِ الشمس منَ اليومِ الثاني خرجَ فرمَى الجمراتِ الثلاثَ علَى النحوِ الذِي سبقَ.
 ثمَّ إنْ تعجل نزلَ "مكةَ" منْ يومهِ قبلَ غروبِ الشمس، وإنْ لم يتعجلْ باتَ ليلتهُ "بمنى"، وإذَا زالتِ الشمسُ منَ اليومِ الثالث رمَى الجمراتِ كمَا تقدَّمَ، ثم رحلَ إلَى "مكةَ"، وإذَا عزمَ علَى السفرِ إلَى أهلهِ طافَ طوافَ الوداعِ سبعةَ أشواط، وصلى بعدهُ ركعتينِ خلفَ المقامِ، وانصرفَ راجعًا إلَى أهلهِ، وهوَ يقولُ: لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ لَا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وهوَ علَى كل شيء قدير، آيبونَ تائبونَ، عابدونَ، لربنَا حامدونَ.
 لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهْ، صدقَ وعدهُ، ونصرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدهُ.
  

المادة الثانية في شروط وجوبهما

المادة الثانية في شروط وجوبهما  
 
يشترطُ لوجوبِ الحجِّ والعمرةِ علَى المسلمِ الشُّروطُ الآتيةُ: 
1 - الإسلامُ: فلَا يطالبُ غيرُ المسلمِ بحج ولَا بعمرةٍ، ولَا بغيرهمَا منْ أنواعِ العباداتِ؛ إذِ الإيمانُ شرطٌ في صحّةِ الأعمالِ وقبولهَا.
 2 - العقلُ: إذْ لَا تكليفَ علَى المجانينِ.
 3 - البلوغُ: إذْ لَا تكليفَ علَى الصّبي حتّى يبلغَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "رفعَ القلمُ عنْ ثلاثةٍ: عنْ المجنونِ حتّى يفيقَ، وعنِ النَّائمِ حتَّى يستقيظَ، وعنِ الصَّبي حتّى يحتلمَ" .
 4 - الاستطاعةُ، وهيَ الزَّادُ والراحلةُ؛ لقولهِ تعالَى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} .
 فالفقيرُ الذِي لَا مالَ لديهِ ينفقهُ علَى نفسهِ أثناءَ حجِّهِ، وعلَى عيالهِ إنْ كانَ لهُ عيالٌ، حين يتركهم وراءهُ لَا يجبُ عليهِ حج ولَا عمرةٌ.
 وكذَا منْ وجدَ مالاً لنفقتهِ ونفقةِ عيالهِ، ولكنْ لم يجدْ مَا يركبهُ، وهوَ لَا يقوَى علَى المشي، أوْ وجدَ ولكن الطريقَ غيرُ مأمونٍ بحيثُ يخافُ فيهِ علَى نفسهِ أوْ مالهِ فإنَّهُ لَا يجبُ عليهِ الحج ولَا العمرةُ لعدمِ استطاعتهِ.
 المادةُ الثالثةُ: فِي التَّرغيبِ فِي الحج والعمرةِ، والترهيبِ من تركهمَا: 
لقدْ رغَّبَ الشَّارعُ فيِ هاتينِ العبادتينِ العظيمتينِ، وحثَّ علَى فعلهمَا، ودعَا إلَى ذلكَ بأساليبَ متنوعةٍ، وأضرب منَ البيانِ مختلفةٍ، من ذلكَ قولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "أفضلُ الأعمالِ: إيمانٌ باللَّهِ ورسولهِ، ثم جهاد فيِ سبيلهِ، ثمَّ حج مبرور" .
 وقولهُ: "منْ حجَّ هذَا البيتَ فلمْ يرفثْ ولَم يفسقْ، خرجَ منْ ذنوبه كيومِ ولدتهُ أمُّهُ" ، وقولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "الحج المبرورُ ليسَ لهُ جزاءٌ إلاَّ الجنةَ" .
 وقولهُ: "جهادُ الكبيرِ والضَّعيفِ والمرأةِ الحج المبرورُ" .
 وقولهُ: "العمرةُ إلَى العمرةِ كفارةٌ لماَ بينهمَا، والحج المبرورُ ليسَ لهُ جزاءٌ إلاَّ الجنَّةَ" .
 كمَا رهَّبَ منْ تركهمَا وحذَّرَ منَ التقاعسِ عنْ فعلهمَا بمَا لَا مزيدَ عليهِ، فقالَ: "منْ لمْ تحبسهُ حاجةٌ ظاهرةٌ أوْ مرضٌ حابسٌ أوْ منعٌ منْ سلطانٍ جائرٍ ولم يحجَ فليمتْ إنْ شاءَ يهوديًّا أوْ نصرانيًّا" وقالَ علي - رضي الله عنه -: "منْ ملكَ زادًا وراحلةً تبلِّغهُ إلَى بيتِ اللّهِ الحرامِ ولم يحج، فلَا عليهِ أنْ يموتَ يهوديًّا أوْ نصرانيا" .
 وذلكَ لقولهِ تعالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} وقالَ عمرُ - رضي الله عنه -: "لقدْ هممتُ أنْ أبعثَ رجالاً إلَى هذهِ الأمصارِ، فينظرُوا كلَّ منْ كانتْ لهُ جدةٌ ولم يحجّ فيضربُوا عليهمُ الجزيةَ مَا هم بمسلمينَ، مَا هم بمسلمينَ" .
 المادُّةُ الرَّابعةُ: فِي الركنِ الأولِ من أركانِ الحجِّ والعمرةِ: 
أركانُ الحجِّ والعمرةِ: 
للحج أربعةُ أركان وهيَ: الإحرامُ، والطَّوافُ، والسعيُ، والوقوفُ بعرفةَ، فلوْ سقطَ منهَا ركنٌ لبطلَ الحج.
 وللعمرةِ ثلاثةُ أركانٍ: هيَ الإحرامُ، والطّوافُ، والسعي فلَا تتمُّ إلاَّ بهَا وتفصيلُ هذهِ الأركانِ كالتَّالي: 
الركنُ الأولُ منْ أركانِ الحجِّ والعمرةِ الإحرامُ وهوَ نيَّةُ الدُّخولِ فيِ أحدِ النُّسكيِن: الحجِّ والعمرةِ المقارنةِ للتجردِ والتلبيةِ، ولهُ واجباتٌ وسننٌ ومحظوراتٌ وهيَ: 
 أ- الواجباتُ: 
المرادُ منَ الواجباتِ الأعمالُ التي لو تركَ أحدهَا لوجبَ علَى تاركهِ دمٌ، أوْ صيامُ عشرةِ أيَّامٍ إنْ عجزَ عنِ الدمِ، وواجباتُ الإحرامِ ثلاثةٌ، وهيَ: 
1 - الإحرامُ منَ الميقاتِ: وهوَ المكانُ الذي حددهُ الشَارعُ للإحرامِ عندهُ بحيثُ لَا يجوزُ تعدِّيهِ بدونِ إحرامٍ لمنْ كانَ يريدُ الحج أو العمرةَ.
 قالَ ابنُ عباسٍ - رضي الله عنه -: "وقتَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لأهلِ المدينةِ ذَا الحليفةِ، ولأهلِ الشّامِ "الجحفةَ"، ولأهلِ نجدٍ "قرنَ المنازلِ"، ولأهلِ اليمنِ "يلملمْ"، قالَ: فهنَّ لهنَّ ولمنْ أتَى عليهنَّ منْ غيرِ أهلهنّ لمنْ كانَ يريدُ الحجَّ أوِ العمرةَ، فمنْ كانَ دونهنَّ فمهلُّهُ منْ أهلهِ، وكذلكَ حتَّى أهلُ مكةَ يهلُّونَ منهَا" .
 2 - التَّجرُّدُ منَ المخيطِ: فلَا يلبسُ المحرمُ ثوبًا ولَا قميصًا ولَا برنسًا، ولَا يعتمّ بعمامة ولَا يغطِّي رأسهُ بشيءٍ أبدًا، كمَا لَا يلبسُ خفًّا ولَا حذاءً؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يلبسُ المحرمُ الثوبَ ولَا العمائمَ ولَا السراويلَ ولَا البرانسَ ولَا الخفافَ، إلاَّ منْ لم يجدْ نعليِن فليلبس خفينِ وليقطعهمَا منْ أسفلِ الكعبيِن" .
 كمَا لَا يلبسُ منَ الثِّيابِ شيئًا مسَّهُ زعفرانُ أوْ ورسٌ، ولَا تنتقبُ المرأةُ ولَا تلبسُ القفّازينِ؛ لماَ روَى البخاري منَ النهيِ عنْ ذلكَ.
 3 - التَّلبيةُ: وهيَ قولُ: "لبَّيكَ اللَّهم لبَّيكَ، لبَّيكَ لَا شريكَ لكَ لبّيكَ، إن الحمدَ والنِّعمةَ لكَ والملكَ، لَا شريكَ لكَ".
 يقولهَا المحرمُ عندَ الشُّروعِ فيِ الإحرامِ وهوَ بالميقاتِ لم يتجاوزهُ ويستحبُّ تكرارهَا ورفعُ الصَّوتِ بهَا وتجديدهَا عندَ كل مناسبةٍ منْ نزول أوْ ركوبٍ أوْ إقامةِ صلاةٍ أوْ فراغٍ منهَا، أوْ ملاقاةِ رفاقٍ.
 ب- السُّننُ: 
السننُ، هيَ الأعمالُ التي لو تركهَا المحرمُ لَا يجبُ عليهِ فيهَا دمٌ، ولكنْ يفوتهُ بتركهَا أجرٌ كبيرٌ وهيَ: 
1 - الاغتسالُ للإحرامِ، ولو لنفساءَ أو حائضٍ؛ إذْ إنّ امرأةً لأبي بكر - رضي الله عنه -، وضعتْ وهيَ تنوِي الحج، فأمرهَا الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - بالاغتسال .
 2 - الإحرامُ فيِ رداءٍ وإزارٍ أبيضيِن نظيفينِ؛ لفعلهِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ.
 3 - وقوعُ الإحرامِ عقبَ صلاةِ نافلة أوْ فريضة.
 4 - تقليم الأظافرِ، وقصُّ الشَّاربِ، ونتفُ الإبطِ، وحلقُ العانةِ؛ لفعلهِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ.
 5 - تكرارُ التّلبيةِ وتجديدهَا كلمَا تجدّدتْ حال منْ ركوب أوْ نزول أوْ صلاةٍ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ لبَّى حتَّى تغربَ الشمسُ أمسَى مغفورًا لهُ" .
 6 - الدعاءُ والصلاةُ علَى النبي - صلى الله عليه وسلم - عقبَ التَّلبيةِ؛ إذْ كانَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذَا فرغَ منَ التلبيةِ سألَ ربهُ الجنّةَ واستعاذَ بهِ منَ النَّارِ .
 ج- المحظوراتُ: 
المحظوراتُ، هيَ الأعمالُ الممنوعةُ، والتي لو فعلهَا المؤمنُ لوجبَ عليهِ فيهَا فديةُ دمٍ أوْ صيام أوْ إطعامٍ، وتلكَ الأعمالُ هيَ: 
1 - تغطيةُ الرأسِ بأيِّ غطاء كانَ.
 2 - حلقُ الشّعرِ أوْ قصُّهُ وإنْ قلَّ، وسواءٌ كانَ شعر رأسهِ أوْ غيرهِ.
 3 - قلمُ الأظافرِ، وسواءٌ كانتِ اليدينِ أوِ الرجليِن.
 4 - مس الطِّيبِ.
 5 - لبسُ المخيطِ مطلقًا.
 6 - قتلُ صيد البر؛ لقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95].
 7 - مقدماتُ الجماعِ، من قبلةٍ ونحوهَا؛ لقولهِ تعالَى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].
 والمرادُ منَ الرفثِ: مقدِّماتُ الجماعِ وكل مَا يدعُو إليهِ.
 8 - عقدُ النكاحِ أوْ خطبتهُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا ينكحُ المحرمُ ولَا ينكحُ ولَا يخطبُ.
" .
 9 - الجماعُ؛ لقولهِ تعالَى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} والرَفثُ شاملٌ للجماعِ ومقدِّماتهِ.
 حكمُ هذهِ المحظوراتِ: 
حكمُ هذهِ المحظوراتِ: الخمس الأولَى منْ فعلَ واحدًا منهَا وجبِتْ عليهِ فديةٌ وهيَ: صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، أوْ إطعامُ ستةِ مساكينَ لكلِّ مسكينٍ مدٌّ منْ برٍّ، أوْ ذبحُ شاةٍ؛ لقولهِ تعالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].
 وأمَّا قتلُ الصيد ففيهِ جزاؤهُ بمثلهِ منَ النعمِ لقولهِ تعالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95].
 وأما مقدماتُ الجماعِ فإن علَى فاعلهَا دما، وهوَ ذبحُ شاةٍ، وأمَّا الجماعُ فإنَّهُ يفسدُ الحج بالمرةِ، غيرَ أنَّهُ يجبُ الاستمرارُ فيهِ حتى يتم وعلَى صاحبهِ بدنةٌ -أيْ بعيرٌ- فإنْ لم يجدْ صامَ عشرةَ أيام، وعليهِ معَ ذلكَ القضاءُ من عامٍ آخرَ؛ لماَ روَى مالك فيِ الموطَّإِ أن عمرَ ابنَ الخطابِ وعليَّ بنَ أبِي طالبٍ وأبَا هريرةَ سئلُوا عنْ رجلٍ أصابَ أهلهُ وهوَ محرمٌ بالحجِّ؟ فقالُوا: يَنفُذانِ يمضيانِ لوجههمَا حتى يقضيَا حجَّهمَا، ثمَّ عليهمَا حجُّ قابلٍ والهديُ.
 وأمَّا عقدُ النِّكاحِ وخطبتهُ وسائر الذّنوبِ كالغيبةِ والنَّميمةِ وكل مَا يدخلُ تحتَ لفظِ الفسوقِ ففيهِ التَّوبةُ والاستغفارُ؛ إذْ لم يردْ عنْ الشارعِ وضعُ كفَّارةٍ لهُ سوَى التَّوبةِ والاستغفارِ.
 المادةُ الخامسةُ: الركنُ الثاني وهوَ الطوافُ: 
الطَّوافُ: هوَ الدَّورانُ حولَ البيتِ سبعةَ أشواطٍ، ولهُ شروطٌ وسننٌ وآدابٌ تتوقَّف حقيقتهُ عليهَا، وهي: 
 أ- شروطهُ، وهيَ: 
1 - النية عندَ الشروعِ فيهِ؛ إذِ الأعمالُ بالنِّياتِ، فكانَ لابدَّ للطَّائفِ منْ نيةِ طوافٍ وهي عزمُ القلبِ علَى الطوافِ تعبُّدًا للّهِ تعالَى، وطاعةً لهُ عز وجل.
 2 - الطَّهارةُ منَ الخبثِ والحدثِ؛ لخبر: "الطَّوافُ حولَ البيتِ مثلُ الصَّلاةِ".
 3 - سترُ العورةِ؛ إذِ الطوافُ كالصلاةِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الطَّوافُ حولَ البيتِ مثلُ الصَّلاةِ إلاَّ أنكم تتكلمونَ فيهِ، فمنْ تكلمَ فلَا يتكلم إلا بخيرٍ" .
 وعليهِ فمنْ طافَ بغيرِ نيَّةٍ أوْ طافَ وهوَ محدثٌ أو عليهِ نجاسةٌ أو طاف وهوَ مكشوفُ العورةِ، فطوافهُ فاسدٌ وعليهِ إعادتهُ.
 4 - أنْ يكونَ الطوافُ بالبيتِ داخلَ المسجدِ ولو بعدَ منَ البيتِ.
 5 - أنْ يكونَ البيتُ علَى يسارِ الطائفِ.
 6 - أن يكونَ الطوافُ سبعةَ أشواطٍ، وأنْ يبدأَ بالحجرِ الأسودِ ويختمهُ بهِ لفعلِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ كمَا وردَ فيِ الصحيحِ.
 7 - أن يواليَ بينَ الأشواطِ، فلَا يفصلُ بينهَا لغيرِ ضرورة، ولو فصلَ بينهَا وتركَ الموالاةَ لغيرِ ضرورةٍ بطلَ طوافهُ ووجبتْ إعادتهُ.
 ب- سننهُ، وهيَ: 
1 - الرَّملُ، وهوَ سنةٌ للرجالِ القادرينَ دونَ النِّساءِ وحقيقتهُ: أنْ يسارعَ الطائفُ في مشيهِ معَ تقاربِ خطاهُ، ولَا يسن إلاَّ فيِ طوافِ القدومِ، وفيِ الأشواطِ الثّلاثةِ الأولَى منهُ فقَطْ.
 2 - الاضطباعُ، وهوَ كشفُ الضبعِ أيِ الكتفِ الأيمنِ، ولَا يسن إلاَّ فيِ طواف القدومِ خاصةً، وللرجالِ دونَ النِّساءِ، ويكونُ فيِ الأشواطِ السبعةِ عامة.
 3 - تقبيلُ الحجرِ الأسودِ عندَ بدءِ الطَّوافِ إنْ أمكنَ، وإلا اكتفَى بلمسهِ باليدِ أوْ الإشارةِ عندَ تعذرِ ذلكَ؛ لفعلهِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ ذلكَ.
 4 - قولُ: بسمِ اللّهِ واللّة أكبرُ، اللهم إيمانًا بكَ وتصديقًا بكتابكَ ووفاءً بعهدكَ واتِّباعًا لسنةِ نبيكَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
 عندَ بدءِ الشَّوطِ الأولِ.
 3 - الدُّعاءُ أثناءَ الطوافِ وهوَ غير محددٍ ولَا معينٍ بلْ يدعو كل طائفٍ بمَا يفتح اللّهُ عليهِ غيرَ أنهُ يسنُّ ختمُ كلِّ شوطٍ بقولِ: ربنا آتنَا فيِ الدنيَا حسنة وفيِ الآخرةِ حسنة وقنَا عذابَ النَّارِ.
 6 - استلامُ الركنِ اليماني باليدِ، وتقبيل الحجرِ الأسودِ كلمَا مر بهمَا أثناءَ طوافهِ لفعلهِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ كمَا وردَ في الصحيحِ.
 7 - الدعاء بالملتزمَ عندَ الفراغِ منَ الطوافِ.
 والملتزمُ هوَ المكانُ مَا بينَ بابِ البيتِ والحجرِ الأسودِ؛ لفعلِ ابنِ عباسٍ - رضي الله عنه - ذلكَ.
 8 - صلاةُ ركعتيِن بعدَ الفراغِ منَ الطَّوافِ خلفَ مقامِ إبراهيمَ يقرأُ فيهمَا بالكافرونَ والإخلاصِ بعدَ الفاتحةِ؛ لقولهِ تعالَى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125].
 9 - الشُّربُ منْ ماءِ زمزمَ والتَّضلُّعُ منهُ بعدَ الفراغِ منْ صلاةِ الرَّكعتيِن.
 10 - الرّجوع لاستلامِ الحجرِ الأسودِ قبلَ الخروجِ إلَى المسعَى.
 [تنبيهٌ]: أدلَّةُ جميعِ مَا تقدَّمَ عملُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - المبين فيِ حجةِ الوداعِ.
 ج- آدابهُ، وهيَ: 
1 - أنْ يكونَ الطَّوافُ فيِ خشوعٍ واستحضار قلبٍ، وشعورٍ بعظمةِ اللّهِ عز وجل وفيِ خوفٍ منهُ تعالَى، ورغبةٍ فيمَا لديهِ.
 2 - أنْ لَا يتكلَّمَ الطَّائف لغيرِ ضرورةٍ وإنْ تكلَّمَ تكلَّمَ بخيرٍ فقطْ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "فمنْ تكلمَ فلَا يتكلم إلاَّ بخيرٍ" .
 3 - أنْ لَا يؤذيَ أحدًا بقولٍ أوْ فعلٍ، إذْ أذيةُ المسلمِ محرمة ولَا سيمَا فيِ بيتِ اللهِ تعالَى.
 4 - أنْ يكثرَ منْ الذِّكرِ والدعاءِ والصَّلاةِ علَى النَّبي - صلى الله عليه وسلم -.
  

المادة الاولى في حكم الحج والعمرة، والحكمة فيهما

المادة الاولى في حكم الحج والعمرة، والحكمة فيهما  
 
أ- حكمهمَا: 
الحجُّ فريضةُ اللّهِ علَى كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ استطاعَ إليهِ سبيلًا، لقولهِ تعالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97].
 وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "بنيَ الإسلامُ علَى خمسٍ: شهادةِ أنْ لَا إلهَ إلا اللَّهُ وأنَ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاة وحجِّ البيتِ، وصومِ رمضانَ" .
 وهوَ فرضٌ مرةً في العمرِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الحج مرةً، فمن زادَ فهوَ تطوعٌ" .
 غيرَ أنَّهُ يستحبُّ تكرارهُ كًل خمسةِ أعوامٍ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - فيمَا يرويهِ عنْ ربِّهِ عز وجل: "إنَّ عبدًا صححتُ لهُ جسمهُ، ووسعتُ عليهِ فيِ المعيشةِ يمضِي عليهِ خمسةُ أعوامٍ لَا يفدُ إلي لمحرومٌ" .
 أمَّا العمرةُ فهيَ سنةٌ واجبةٌ؛ لقولهِ تعالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196].
 وقول رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "حُجَّ عنْ أبيكَ واعتمر" .
 لمنْ سألهُ: إنَّ أبِي شيخٌ كبيرٌ لَا يستطيعُ الحجَّ ولَا العمرةَ ولَا الظَّعنَ .
 ب- حكمتهمَا: 
منَ الحكمةِ فيِ الحجِّ والعمرةِ، تطهير النَّفسِ منْ آثارِ الذنوبِ لتصبحَ أهلًا لكرامةِ اللّهِ تعالَى في الدَّارِ الآخرةَ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "منْ حجَ هذَا البيتَ فلم يرفثْ ولم يفسقْ، خرجَ من ذنوبهِ كيومِ ولدتهُ أمهُ" .
  

المادة الثانية في العقيقة

المادة الثانية في العقيقة     1 - تعريفهَا: العقيقةُ هيَ الشاةُ تذبحُ للمولودِ يومَ سابعِ ولادَتهِ.  2 - حكمهَا: العقيقة سنَّة متأكَّدةٌ للق...