Minggu, 13 Oktober 2024

المادة الثانية في العقيقة

المادة الثانية في العقيقة  
 
1 - تعريفهَا: العقيقةُ هيَ الشاةُ تذبحُ للمولودِ يومَ سابعِ ولادَتهِ.
 2 - حكمهَا: العقيقة سنَّة متأكَّدةٌ للقادرِ عليهَا منْ أولياءِ المولودِ؛ وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ غلامٍ رهينةٌ بعقيقتهِ تذبحُ عنهُ يومَ سابعهِ، ويسمَّى ويحلقُ رأسهُ" .
 3 - حكمتهَا: منَ الحكمةِ فيِ العقيقةِ شكر اللّهِ تعالَى علَى نعمةِ الولدِ، والوسيلة للّهِ عز وجل فيِ حفظِ المولودِ ورعايتهِ.
 أحكامهَا: منْ أحكامِ العقيقةِ: 
1 - سلامتهَا وسنُّهَا: مَا يجزئُ في الأضحيةِ منَ السنِّ والسَّلامةِ منَ النَّقصِ يجزئُ فيِ العقيقةِ، ومَا لَا يجزئُ فيِ الأضحيةِ لا يجزئُ فيِ العقيقةِ.
 2 - طعمهَا وإطعامهَا: يستحب أنْ تقسمُ كمَا تقسمَ الأضحيةُ فيأكلُ منهَا أهل البيتِ ويتصدَّقونَ ويهدونَ.
 3 - مَا يستحبُّ يومَ العقيقةِ: يستحب أنْ يعقَّ عنِ الذَّكرِ بشاتيِن؛ إذْ "ذبحَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - عنِ الحسنِ كبشينِ" .
 كمَا يستحب أنْ يسمى المولودُ يومَ سابعهِ، وأنْ يختارَ لهُ منَ الأسماءِ أحسنهَا.
 وأنْ يحلقَ رأسهُ، ويتصدَّقُ بوزنِ شعرهِ ذهبًا أوْ فضةً أوْ مَا يقومُ مقامهمَا منَ العملةِ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل غلامٍ رهينة بعقيقتهِ تذبحُ عنهُ يومَ سابعهِ، ويسمى ويحلقُ رأسهُ" .
 4 - الأذانُ والإقامةُ فيِ أذنيِ المولودِ: استحب أهلُ العلمِ إذَا وضعَ المولودُ أنْ يؤذنَ فيِ أذنهِ اليمنَى ويقامَ فيِ أذنهِ اليسرَى، رجاءَ أنْ يحفظهُ اللّهُ منْ أمِّ الصِّبيانِ وهيَ تابعةُ الجانِّ؛ لماَ رويَ: "منْ ولدَ لهُ مولود فأذنَ فيِ أذنهِ اليمنَى وأقامَ فيِ أذنهِ اليسرَى لم تضرَّهُ أم الصِّبيانِ" .
 5 - إذَا فاتَ السابعُ ولم يذبحْ فيهِ: صح أنْ يذبحَ يومَ الرابعَ عشرَ، أوْ يومَ الواحدِ والعشرينَ، وإنْ ماتَ المولودُ قبلَ السابعِ لم يعقَّ عنهُ.
 ***  

الفصل الرابع عشر في الاضحية، والعقيقة

الفصل الرابع عشر في الاضحية، والعقيقة  
 وفيهِ مادتانِ: 
 المادة الأولَى: فِي الأضحيةِ: 
1 - تعريفهَا: الأضحيةُ هيَ الشَّاةُ تذبحُ ضحَى يوم العيدِ تقربًا إلَى اللّهِ تعالَى.
 2 - حكمهَا: الأضحيةُ سنّةٌ واجبةٌ علَى أهلِ كلِّ بيت مسلم قدرَ أهلهُ عليهَا؛ وذلكَ لقولهِ تعالَى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2].
 وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ كانَ ذبحَ قبلَ الطلاةِ فليعدْ" .
 وقولِ أبي أيوب الأنصاريِّ: "كانَ الرجلُ في عهدِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يضحِّي بالشَّاةِ عنهُ وعن أهلِ بيتهِ" .
 3 - فضلهَا: يشهدُ لماَ لسنَّةِ الأضحيةِ منَ الفضلِ العظيم قولُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "ما عملَ ابنُ آدمَ يومَ النَّحرِ عملًا أحب إلَى اللّهِ منْ إراقةِ دم، وإنَّهَا لتأتي يومَ القيامةِ بقرونهَا وأظلافهَا وأشعارهَا، وإن الدمَ ليقعُ منَ اللَّهِ عز وجل بمكان قبلَ أنْ يقعَ علَى الأرضِ فطيبوا بهَا نفسًا" .
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم - وقدْ قالُوا لهُ مَا هذهِ الأضاحِي؟ قالَ: "سنةُ أبيكم إبراهيمَ" قالُوا: مَا لنَا منهَا؟ قالَ: "بكلِّ شعرة حسنةٌ"، قالُوا: فالصُّوفُ؟ قالَ: "بكل شعرةٍ منَ الصوفِ حسنةٌ" .
 4 - حكمتهَا: منَ الحكمةِ فيِ الأضحيةِ: 
1 - التَّقرُّبُ إلَى اللّهِ تعالَى بهَا؛ إذْ قالَ سبحانهُ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}.
 وقالَ عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 162 - 163] والنّسكُ هنَا هوَ الذَّبحُ تقربًا إليهِ سبحانهُ وتعالَى.
 2 - إحياءُ سنَّةِ إمامِ الموحِّدينَ إبراهيمَ الخليلِ - عليه السلام - إذْ أوحَى اللّهُ إليهِ أنْ يذبحَ ولدهُ إسماعيلَ، ثم فداهُ بكبشٍ فذبحهُ بدلاً عنهُ؛ قالَ تعالَى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107].
 3 - التَّوسعةُ علَى العيالِ يومَ العيدِ، وإشاعةُ الرحمةِ بينَ الفقراِء والمساكينِ.
 4 - شكر اللهِ تعالَى علَى مَا سخَّرَ لنَا من بهيمةِ الأنعامِ، قالَ تعالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 36 - 37].
 5 - أحكامهَا: 
1 - سنُّهَا: لَا يجزئُ في الأضحيةِ منَ الضأنِ أقلُّ منَ الجذعِ، وهوَ مَا أوفَى سنة أوْ قاربهَا، وفيِ غيرِ الضأنِ منَ المعزِ والَإبلِ والبقرِ لَا يجزئ أقل منَ الثّنيّ وهوَ فيِ الماعزِ مَا أوفَى سنةً ودخلَ فيِ الثَّانيةِ، وفيِ الإبلِ مَا أوفَى أربعَ سنواتٍ ودخلَ فيِ الخامسةِ.
 وفيِ البقرِ مَا أوفَى سنتيِن ودخلَ فيِ الثَّالثةِ؛ لقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "لَا تذبحُوا إلاَّ مسنّة، إلاَّ أنْ يعسرَ عليكم فتذبحُوا جذعةً منَ الضَّأنِ" والمسنَّةُ منَ الأنعامِ هيَ الثَّنيةُ.
 2 - سلامتهَا: لَا يجزئُ فيِ الأضحيةِ سوَى السليمةِ منْ كلِّ نقص فيِ خلقتهَا، فلَا تجزئُ العوراءُ ولَا العرجاءُ ولَا العضباءُ (أيْ مكسورةُ القرنِ منْ أصلهِ، أوْ مقطوعةُ الأذنِ منْ أصلهَا) ولَا المريضةُ ولَا العجفاءُ (وهيَ الهازلُ التي لَا مخَّ فيهَا) وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أربعٌ لَا تجوزُ في الأضاحِي: العوراءُ البيِّنُ عورهَا، والمريضةُ البيِّنُ مرضهَا، والعرجاءُ البينُ ضَلَعهَا، والكسيرَةُ التَي لَا تُنقِي" يعني لَا نقيَ فيَها أيْ لَا مخَّ فيِ عظامهَا وهيَ الهازلُ العجفاءُ.
 3 - أفضلهَا: أفضلُ الأضحيةِ مَا كانتْ كبشًا أقرنَ فحلًا أبيضَ يخالطهُ سواد حولَ عينيهِ وفيِ قوائمهِ؛ إذْ هذَا هوَ الوصفُ الَّذِي استحبهُ رسولُ اللّهُ - صلى الله عليه وسلم - وضحى بهِ.
 قالتْ عائشةُ رضيَ اللّهُ عنهَا: "إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ضحَّى بكبشٍ أقرنَ، يطأُ فيِ سواد، ويمشِي فيِ سوادٍ، وينظرُ فيِ سوادٍ" .
 4 - وقتُ ذبحهَا: وقتُ ذبحِ الأضحيةِ صباحُ يومِ العيدِ بعدَ الصلاةِ، أيْ صلاةِ العيدِ فلَا تجزئُ قبلهُ أبداً؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ ذبحَ قبلَ الصَّلاةِ فإنمَا يذبحُ لنفسهِ؛ ومنْ ذبحَ بعدَ الصَّلاةِ فقدْ تمَّ نسكهُ وأصابَ سنّةَ المسلمينَ" .
 أما بعدَ يومِ العيدِ فإنّهُ يجوزُ تأخيرهَا لليومِ الثاني والثَّالثِ بعدَ العيدِ؛ لمَا رويَ "كلُّ أيَّامِ التَّشريقِ ذبح" .
 5 - مَا يستحب عندَ ذبحهَا: يستحبُّ عندَ ذبحهَا أنْ يوجههَا إلَى القبلةِ ويقولُ: "إني وجَّهتُ وجهِي للذيِ فطرَ السمواتِ والأرضَ حنيفًا، ومَا أنَا منَ المشركينَ، إن صلاتي ونسكِي ومحيايَ ومماتي لله ربِّ العالمينَ، لَا شريكَ لهُ وبذلكَ أمرتُ وأنَا أولُ المسلمينَ".
 وإذَا باشرَ الذبحَ أنْ يقولَ: "بسمِ اللّهِ و الله أكبرُ.
 اللهم هذَا منكَ ولكَ".
 6 - صحةُ الوكالةِ فيهَا: يستحبُّ أنْ يباشرَ المسلمُ أضحيتهَ بنفسهِ، وإنْ أنابَ غيرهُ فيِ ذبحهَا جازَ ذلكَ بلَا حرجٍ، ولَا خلافٍ بينَ أهلِ العلمِ فيِ هذَا.
 7 - قسمتهَا المستحبَّةُ: يستحب أنْ تقسمَ الأضحيةُ ثلاثًا، يأكلُ أهلُ البيتِ ثلثًا ويتصدَّقونَ بثلث، ويهدونَ لأصدقائهمُ الثلثَ الآخرَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "كلُوا وادخرُوا وتصدقُوا" ويجوزُ أنْ يتصدقُوا بهَا كلهَا، كمَا يجوزُ أنْ لَا يهدُوا منهَا شيئًا.
 8 - أجرةُ جازرهَا منْ غيرهَا: لَا يعطَى الجازرُ أجرةَ عملهِ منَ الأضحيةِ؛ لقولِ عليَّ رضيَ الله عنهُ: أمرني رسولُ اللّه - صلى الله عليه وسلم - أنْ أقومَ علَى بدنه، وأنْ أتصدقَ بلحومهَا وجِلودهَا وجلالهَا، وأنْ لَا أعطيَ الجازرَ منهَا شيئًا.
 وقالَ: "نحنُ نعطهِ منْ عندنَا" .
 9 - هلْ تجزىءُ الشَّاةُ عنْ أهلِ البيتِ؟: تجزىءُ الشَّاةُ الواحدةُ عنْ أهلِ البيتِ كافَّةً وإنْ كانُوا أنفارًا عديدينَ لقولِ أبي أيُّوب - رضي الله عنه -: "كانَ الرجلُ في عهدِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يضحِّي بالشاةِ عنهُ وعنْ أهلِ بيتهِ" .
 10 - مَا يتجنَّبهُ منْ عزمَ علَى الأضحيةِ: يكرهُ كراهة شديدة لمنْ أرادَ أنْ يضحيَ أنْ يأخذَ منْ شعرهِ أوْ أظفارهِ شيئًا وذلكَ إذَا أهل هلالُ شهرِ ذِي الحجةِ حتى يضحيَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا رأيتمْ هلالَ ذِي الحجةِ وأرادَ أحدكم أنْ يضحِّيَ فليمسكْ عنْ شعرهِ وأظفارهِ حتَّى يضحيَ" .
 11 - تضحيةُ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم - عنْ جميعِ الأمةِ: منْ عجزَ عنِ الأضحيةِ منَ المسلمينَ نالهُ أجرُ المضحِّينَ؛ وذلكَ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عندَ ذبحهِ لأحدِ كبشينِ قالَ: "اللهم هذَا عني وعمَّنْ لم يضح منْ أمَّتي" .
  

المادة الثالثة في زيارة الاماكن الفاضلة بالمدينة المنورة

المادة الثالثة في زيارة الاماكن الفاضلة بالمدينة المنورة  
 
يحسنُ بالمسلم إذَا شرفهُ اللّهُ بزيارةِ المسجدِ النبويِّ، والوقوفِ علَى قبرِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وكرمهُ بدخولهِ طيبةَ -طيب اللّهُ ثراهَا- يحسنُ بهِ أنْ يأتيَ مسجدَ قباءَ للصَّلاةِ فيهِ، إذْ كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يزورهُ ويصلِّي فيهِ، وكذلكَ كانَ أصحابهُ منْ بعدهِ، وقالَ: "منْ تطهرَ في بيتهِ وأحسنَ الطُّهورَ ثم أتَى مسجدَ قباء لَا يريدُ إلاَّ الصلاةَ فيهِ كانَ لهُ كأجرِ عمرةٍ" .
 وكان - صلى الله عليه وسلم - يأتي مسجدَ قباءٍ راكبًا وماشيًا فيصلي فيهِ ركعتينِ .
 كمَا يزورُ قبورَ الشُّهداءِ "بأحدٍ"، إذْ كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرجُ لزيارتهم في قبورهم ويسلِّمُ عليهم.
 وبهذهِ الزِّيارة لشهداءِ "أحدٍ" يمكنهُ مشاهدةُ جبلِ (أحدٍ) الجبلِ الذِي قالَ فيهِ الوسولُ - صلى الله عليه وسلم -: "أحد جبلٌ يحبنَا ونحبهُ" .
 وقِالَ فيهِ: "أحدٌ جبلٌ منْ جبالِ الجنةِ" .
 واضطربَ مرة تحتَ رجليهِ - صلى الله عليه وسلم -، وكانَ معهُ أبُو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ، فقالَ لهُ: "اسكنْ أحدُ -وضربهُ برجلهِ- فمَا عليكَ إلاَّ نبي وصدِّيق وشهيدانِ" .
 كمَا يزورُ مقبرةَ "البقيعِ" إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يزورُ أهلهُ ويسلمُ عليهم، كمَا وردَ في الصحيحِ ولأنهَا ضمتْ آلافَ الصحابةِ والتابعينَ وغيرهم منْ عبادِ اللّهِ الصالحينَ فيأتيهَا فيسلِّمُ علَى أهلهَا قائلًا: "السلام عليكم أهلَ الدِّيارِ منَ المؤمنينَ والمسلمينَ أنتم سابقونَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللَّهُ بكم لاحقونَ، يرحمُ اللَّهُ المستقدمينَ منَّا ومنكم والمستأخرينَ.
 نسألُ اللَّهَ لنَا ولكمُ العافيةَ فيِ الدنيَا والآخرةِ اللهمَّ اغفر لنَا ولهم، وارحمنَا وإيَّاهم، اللَّهم لَا تحرمنَا أجرهم، ولَا تفتنَّا بعدهم" .
  

فِي زيارةِ المسجدِ النَّبوي

الفصل الثالث عشر  
 فِي زيارةِ المسجدِ النَّبوي، والسَّلامِ علَى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فِي قبرهِ الشريفِ وفيهِ ثلاثُ مواد: 
 المادةُ الأولَى: فِي فضلِ المدينةِ وأهلهَا، وفضلِ المسجدِ النبويِّ الشريف: 
أ- فضلُ المدينةِ: 
المدينةُ حرمُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -، ودارُ هجرتهِ، ومهبطُ وحيهِ، حرمهَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، كمَا حرمَ سيدنَا إبراهيمُ مكَّةَ المكرمةَ فقالَ: "اللهم إن إبراهيمَ حرمَ مكةَ، وأنَا أحرمُ مَا بينَ لابتيهَا -حرتيهَا-".
 وقالَ: "المدينةُ حرام مَا بينَ عائر إلَى ثورٍ فمنْ أحدثَ فيهَا حدثًا أوْ آوَى محدثا فعليهِ لعنةُ اللَّهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لَا يقبلُ منهُ صرفٌ ولَا عدلٌ.
 لَا يختلَى خلاهَا ولَا ينفرُ صيدهَا ولَا تلتقطُ لقطهَا إلاَّ لمنْ أشادَ بهَا، ولَا يصلحُ لرجل أنْ يحملَ فيهَا السلاحَ لقتالٍ، ولَا يصلحُ أنْ يُقطعَ منهَا شجرةٌ إلاَّ أنْ يعلفَ رجلٌ بعيرهُ" .
 وقالَ عدي بنُ زيدٍ - رضي الله عنه -: "حمَى رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - كلَّ ناحيةٍ منَ المدينةِ بريدًا من بريد: لَا يخبطُ شجرهُ ولَا يُعضدُ إلاَّ مَا يساقُ بهِ الجملُ" .
 وقالَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الإيمانَ ليأرزُ إلَى المدينةِ كمَا تأرزُ الحيَّةُ إلَى جحرهَا، لَا يصبرُ علَى لأوائهَا وشدتهَا أحدٌ إلاَّ كنتُ لهُ شفيعًا أوْ شهيدًا يومَ القيامةِ" .
 وقالَ: "منِ استطاعَ منكم أنْ يموتَ بالمدينةِ فليفعلْ فإنِّي أشهدُ لمنْ ماتَ بهَا" .
 وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّمَا المدينةُ كالكِير تنفِي خبثهَا، وينصعُ طيبهَا" .
 وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "المدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمونَ، لَا يدعهَا أحدٌ رغبةً عنهَا إلاَّ أبدلَ اللَّهُ فيهَا من هوَ خير منهُ ولَا يثبتُ أحد علَى لأوائهَا وجهدهَا إلاَّ كنتُ لهُ شفيعًا أوْ شهيدًا يومَ القيامةِ" .
 ب- فضلُ أهلِ المدينةِ: 
أهلُ المدينةِ وهم جيرةُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وعمارُ مسجدهِ، وسكَّانُ بلدهِ، والمرابطونَ فيِ حرمهَ، والحامونَ لحماهُ، متَى استقامُوا وصلحُوا كانُوا أعلَى الناسِ قدرًا، وأشرفهم مكانًا، ووجبَ احترامهم وتقديرهم، ولزمتْ محبتهم وموالاتهم، حذرَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - منْ أذّيَّتهم فقالَ: "لَا يكيدُ أهلَ المدينةِ أحدٌ إلاَّ انماعَ كمَا ينماعُ الملحُ فيِ الماءِ" .
 وقالَ: "لَا يريدُ أحدٌ أهلَ المدينةِ بسوء إلاَّ أذابهُ الله فيِ النَّارِ ذوبَ الرصاصِ أوْ ذوبَ الملحِ في الماءِ" .
 ودعَا لهم - صلى الله عليه وسلم - بالبركةِ فيِ أرزاقهم حبًّا فيهم وتكريمًا لهم، قالَ: "اللهم باركْ لهم فيِ مكيالهم، وباركْ لهم فيِ صاعهم ومدِّهم" وأوصَى أمتهُ عامة عليهم بخيرٍ، فقالَ: "المدينةُ مهاجرِي، فيهَا مضجعِي، ومنهَا مبعثي، حقيقٌ علَى أمتي حفظُ جيراني مَا لم يرتكبُوا الكبائرَ، ومنْ حفظهم كنتُ لهُ شفيعًا وشهيدًا يومَ القيامةِ" (10).
 ج- فضلُ المسجدِ النبويِّ الشريفِ: 
المسجدُ النبوي أحدُ المساجدِ الثلاثةِ - صلى الله عليه وسلم - التي نوَّهَ القرآنُ الكريمُ بذكرهَا، إذْ قالَ تعالَى: 
 {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] .
 فإن فيِ لفظِ الأقصَى إشارةً واضحةً إلَى المسجدِ النبويِّ؛ إذِ الأقصَى اسمُ تفضيلٍ علَى القاصِي، ومنْ كانَ بمكّةَ المكرمةِ كانَ المسجدُ القاصِى منهُ هوَ المسجدَ النبويِّ، والمسجدُ الأقصَى هوَ بيتُ المقدسِ، فذكرَ المسجدَ النبويّ بالإشارةِ ضمنَ المسجدينِ؛ إذْ لم يكنْ أيام نزولِ الآيةِ الكريمةِ قدْ وجدَ بعدُ، وقالَ - صلى الله عليه وسلم - فيِ بيانِ فضلهِ: "صلاةٌ فيِ مسجدِي هذَا أفضلُ منْ ألفِ صلاةٍ فيمَا سواهُ إلاَّ المسجدُ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ منْ مائةِ ألفِ صلاةٍ فيمَا سواهُ" .
 وجعلهُ ثانيَ المساجدِ الثلاثةِ الَّتي لَا تشد الرحالُ إلاَّ إليهَا، فقالَ: "لَا تشد الرحالُ إلاَّ إلَى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ ومسجدِي هذَا والمسجدِ الأقصَى".
 وخص هذَا المسجدَ بمزيةٍ لم تكنْ لغيرهِ منَ المساجدِ، وهيَ الروضةُ الشَّريفةُ الَّتي قالَ فيهَا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا بينَ بيتي ومنبرِي روضة منْ رياضِ الجنةِ" .
 ورويَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ صلى في مسجدِي هذَا أربعينَ صلاةً لَا تفوتهُ صلاةٌ كتبَ لهُ براءة منَ النارِ، وبراءة منَ العذابِ، وبَراءة منَ النِّفاقِ" .
 ولهذَا كانتْ زيارةُ هذَا المسجدِ للصّلاةِ فيهِ منَ القربِ التي يتوسلُ بهَما المسلمُ إلَى ربِّهِ فيِ قضاءِ حاجاتهِ والفوزِ بمرضاتهِ تعالَى.
  

المادة السادسة في الركن الثالث، السعي

المادة السادسة في الركن الثالث، السعي  
 
السَّعي: هوَ المشي بينَ الصفَا والمروةِ ذهابًا وجيئةً بنيَّةِ التّعبدِ، وهوَ ركنُ الحجِّ والعمرةِ، لقولهِ تعالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158].
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اسعوْا فإنَّ اللّهَ كتبَ عليكمُ السَّعيَ" .
 ولهُ شروطٌ وسننٌ وآدابٌ، وهيَ: 
 أ- شروطُ السَّعيِ، وهيَ: 
1 - النِّية، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّمَا الأعمالُ بالنِّياتِ" فكَانَ لابدَّ من نيَّة التَّعبدِ بالسعيِ طاعةً للّهِ وامتثالًا لأمرهِ.
 2 - التَّرتيب بينهُ وبينَ الطَّوافِ، بأنْ يقدمَ الطَّوافُ علَى السَّعيِ.
 3 - الموالاة بينَ أشواطهِ، غيرَ أنَّ الفصْل اليسيرَ لَا يضرُّ ولَا سيمَا إذَا كانَ لضرورة.
 4 - إكمالُ العددِ سبعةَ أشواطٍ، فلو نقصَ شوطٌ أوْ بعضُ الشَّوطِ لم يجزئْ؛ إذْ حقيقتهُ متوقفةٌ علَى تمامِ أشواطهِ.
 5 - وقوعهُ بعدَ طوافٍ صحيح، سواءً كانَ الطوافُ واجبًا أوْ سنةً، غيرَ أنَّ الأولَى أنْ يكونَ بعدَ طواف واجب كطوافِ القدومِ، أوْ ركنٍ كطوافِ الإفاضةِ.
 ب- سننُ السعيِ، وهيَ: 
1 - الخبب، وهيَ سرعةُ المشيِ بينَ الميليِن الأخضرينِ الموضوعينِ علَى حافَّتيِ الوادِي القديمِ الذِي خبَّتْ فيهِ "هاجرُ" أمُّ إسماعيلَ عليهمَا السلام، وهوَ سنة للرجالِ القادرينَ دونَ الضعفةِ والنِّساءِ .
 2 - الوقوفُ علَى الصَّفَا والمروةِ للدعاءِ فوقهمَا.
 3 - الدُّعاءُ علَى كل منَ الصفَا والمروةِ فيِ كلِّ شوطٍ منَ الأشواطِ السَّبعةِ.
 4 - قولُ: اللّهُ أكبرُ ثلاثًا عندَ الرُّقي علَى كل منَ الصَّفَا والمروةِ فيِ كلِّ شوط وكذَا قولُ: لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ لَا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ علَى كلِّ شيءٍ قديرٌ.
 لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ، صدقَ وعدهُ، ونصرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدهُ.
 5 - الموالاةُ بينهُ وبينَ الطَّوافِ، بحيثُ لَا يفصلُ بينهمَا بدونِ عذرٍ شرعيٍّ.
 ج- آداب السعيِ، وهيَ: 
1 - الخروجُ إليهِ منْ بابِ الصَّفَا تاليًا قولَ اللّهِ تعالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158].
 2 - أنْ يكونَ السَّاعِي متطهِّرًا.
 3 - أنْ يسعَى ماشيًا إنْ قدرَ علَى ذلك بدونِ مشقَّةٍ.
 4 - أنْ يكثرَ منَ الذِّكرِ والدعاءِ، وأنْ يشتغلَ بهمَا دونَ غيرهمَا.
 5 - أنْ يغضَّ بصرهُ عنِ المحارمِ، وأنْ يكفَّ لسانهُ عنْ المآثمِ.
 6 - أنْ لَا يؤذيَ أحدًا منَ الساعينَ أوْ غيرهم منَ المارة بأيِّ أذىً، قولٍ أو فعلٍ.
 7 - استحضارهُ في نفسهِ ذلَّهُ وفقرَهُ وحاجتَهُ إلَى اللّهِ تعالى في هدايةِ قلبهِ، وتزكيةِ نفسهِ، وإصلاحِ حالهِ.
 المادةُ السابعةُ: فِي الركنِ الرابعِ، وهوَ الوقوفُ بعرفةَ: 
الوقوفُ بعرفةَ، هوَ الرُّكنُ الرابعُ منْ أركانِ الحجِّ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الحج عرفةَ" .
 وحقيقتهُ: الحضورُ بالمكانِ المسمى عرفاتٍ، لحظةً فأكثرَ بنيَّةِ الوقوفِ منْ بعدِ ظهرِ يومِ تاسعِ ذِي الحجَّةِ إلَى فجرِ اليوم العاشرِ منهُ.
 ولهُ واجباتٌ وسننٌ وآداب يتم بهَا وهيَ: 
 أ- الواجباتُ، وهيَ: 
1 - الحضورُ بعرفةَ يومَ تاسعِ ذِي الحجَّةِ بعدَ الزوالِ إلَى غروبِ الشَّمسِ.
 2 - المبيتُ بمزدلفةَ بعدَ الإفاضةِ منْ عرفاتٍ ليلةَ عاشرِ ذِي الحجةِ.
 3 - رميُ جمرةِ العقبةِ يومَ النَّحرِ.
 4 - الحلقُ أوِ التَّقصيرُ بعدَ رميِ جمرةِ العقبةِ يومَ النَّحرِ.
 5 - المبيتُ بمنىً ثلاثَ ليالِ، وهيَ ليالي: الحادِي عشرَ، والثاني عشرَ، والثالثَ عشرَ، أوْ ليلتينِ لمنْ تعجَّلَ وهمَا: ليلةُ الحادِي عشرَ والثانِي عشرَ.
 6 - رميُ الجمراتِ الثلاثِ بعدَ زوالِ كل يومٍ منْ أيَّامِ التشريقِ الثلاثةِ أوِ الاثنينِ.
 [تنبيهٌ]: أدلةُ هذهِ الواجباتِ عملهُ - صلى الله عليه وسلم -، وقدْ قالَ: "لتأخذُوا عنِّيِ مناسككم" .
 وقال- صلى الله عليه وسلم -: "حجوا كما رأيتموني أحجُّ" .
 وقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "قفُوا علَى مشاعركم فإنكم علَى إرث منْ إرثِ أبيكم إبراهيمَ" .
 ب- السننُ، وهيَ: 
1 - الخروجُ إلَى "منىً" يومَ التَّرويةِ -وهوَ ثامنُ الحجَّةَ- والمبيتُ بهَا ليلةَ التَّاسعِ وعدمُ الخروجِ منهَا إلاَّ بعدَ طلوعِ الشَّمسِ، لصلاةِ خمسِ صلواتٍ بهِا.
 2 - وجودهُ بعدَ الزَّوالِ "بنمرةَ"، وصلاتهُ الظهرَ والعصرَ قصرًا، وجمعًا معَ الإمامِ.
 3 - إتيانهُ لموقفِ "عرفاتِ" بعدَ أدائهِ صلاةَ الظهرِ والعصرِ معَ الإمامِ والاستمرارُ بالموقفِ ذاكرًا داعيًا حتَّى غروبِ الشَّمسِ.
 4 - تأخيرُ صلاةِ المغربِ إلَى أنْ ينزلَ بجمعِ "المزدلفةَ" فيصلِّيَ المغربَ والعشاءَ بهَا جمعَ تأخيرٍ.
 3 - الوقوفُ مستقبلَ القبلةِ ذاكرًا داعيًا عندَ المشعرِ الحرامِ، "جبلِ قزحٍ" حتى الإسفارِ البيِّنِ.
 6 - التَّرتيبُ بينَ رميِ جمرةِ "العقبة" والنَّحرِ والحلقِ وطوافِ الزِّيارةِ "الإفاضةِ".
 7 - أداءُ طوافِ الزِّيارةِ فيِ يومِ النحرِ قبلَ الغروبِ.
 ج- الآدابُ، وهيَ: 
1 - التوجُّهُ من (منًى) صباحَ التَّاسعِ إلَى "نمرةَ" بطريقِ "ضبٍّ" لفعلهِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ.
 2 - الاغتسالُ بعدَ الزَّوالِ للوقوفِ "بعرفةَ" وهوَ مشروعٌ حتَّى للحائضِ والنُّفساءِ.
 3 - الوقوفُ بموقفِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عندَ الصخرةِ العظيمةِ المفروشةِ فيِ أسفلِ جبلِ الرحمةِ الَّذِي يتوسطُ "عرفةَ".
 4 - الذِّكر والدُّعاءُ والإكثار منهمَا وهوَ مستقبلُ القبلةِ بالموقفِ حتى تغربَ الشَّمسُ.
 5 - كونُ الإفاضةِ منْ "عرفةَ" علَى طريقِ المأزميِن، لا علَى طريقِ "ضب" الذَّي أتَى منهُ، لأن الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ منْ هديهِ أنْ يأتيَ منْ طريقٍ ويرجعَ منْ طريقٍ آخرَ.
 6 - السَّكينةُ فيِ السَّيرِ وعدمِ الإسراعِ فيهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يَا أيهَا النَاسُ عليكم بالسكينةِ، فإن البر ليسَ بالإيضاعِ" .
 والإيضاعُ هوَ الإسراعُ.
 7 - الإكثارُ منَ التَّلبيةِ فيِ طريقهِ إلَى "منًى" وَ "عرفاتٍ" وَ "مزدلفةَ" وَ "منًى" إلَى أنْ يشرعَ في رميِ جمرةِ العقبةِ.
 8 - التقاطُ سبعِ حصيات منْ "مزدلفةَ" لرميِ جمرةِ العقبةِ.
 9 - الدفعُ منْ "مزدلفةَ" بعدَ الإسفارِ، وقبلَ طلوعِ الشمس.
 10 - الإسراعُ فيِ السَّيرِ ببطنِ محسِّر، وتحريكُ الدَّابةِ أوْ دفعُ السيارةِ قدرَ رميةِ حجرٍ إنْ لمْ يخشَ ضررًا.
 11 - رمي جمرةِ العقبةِ بينَ طلوعِ الشمس والزوالِ.
 12 - قولُ: "اللّهُ أكبرُ" معَ كلِّ حصاةٍ يرميهَا.
 13 - مباشرةُ ذبحِ الهديِ أوْ شهودهُ حالَ نحرهِ أوْ ذبحهِ، وقولُ: اللهم هذَا منكَ وإليكَ، اللهم تقبلْ منِّي، كمَا تقبلتَ منْ إبراهيمَ خليلِكَ، بعدَ أنْ يقولَ: "بسمِ اللّهِ و الله أكبرُ " الواجبُ قولهمَا.
 14 - الأكلُ منَ الهديِ؛ إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يأكل من كبدِ أضحيتهِ أوْ هديهِ.
 15 - المشيُ إلَى رمي الجمراتِ الثَّلاثِ أيامَ التشريقِ.
 16 - قولُ: "اللّهُ أَكبرُ" معَ كلِّ حصاةٍ، وقولُ: اللَّهم اجعلهُ حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا.
 17 - الوقوفُ للدُّعاءِ مستقبلَ القبلةِ بعدَ رميِ الجمرة الأولَى والثانيةِ دونَ الثَّالثةِ: لأنَّهُ لَا دعاءَ يستحب عندهَا، إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يرميهَا وينصرفُ.
 18 - رميُ جمرةِ العقبةِ منْ بطن الوادِي مستقبلاً لهَا جاعلًا البيتَ عنْ يسارهِ، وَ "منًى" عنْ يمينهِ.
 19 - قولُ المنصرفِ منْ مكةَ: آيبونَ تائبونَ، عابدونَ لربنَا حامدونَ، صدقَ اللّهُ وعدهُ، ونصرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدهُ؛ إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ ذلكَ عندَ انصرافهِ منهَا.
 المادةُ الثامنةُ: فِي الإحصار: 
منْ أُحصرَ، أيْ مُنعَ منْ دخولِ مكَّةَ، أوِ الوقوفِ "بعرفةَ" بعدو أوْ مرضي ونحوهِ منَ الموانعِ القاهرةِ وجبَ عليهِ ذبحُ شاة أوْ بدنةٍ أوْ بقرة في محل إحصارهِ، أوْ يبعثُ بهَا إلَى الحرمِ إنْ أمكنهُ ذلكَ ويتحللُ منْ إحرامهِ لقولهِ تعالَى: {أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196].
 المادةُ التاسعةُ: فِي طوافِ الوداعِ: 
طوافُ الوداعِ هوَ أحدُ أطوفةِ الحج الثلاثةِ وهوَ سنةٌ واجبةٌ مَنْ تركهُ لغيرِ عذرٍ وجبَ عليهِ دمٌ، ومنْ تَركهُ لعذرٍ فلَا دمَ عليهِ.
 ويأتي بهِ الحاج أوِ المعتمرُ عندمَا يريدُ الرجوعَ إلَى أهلهِ بعدَ فراغهِ من حجه أو عمرتهِ وانتهاءِ إقامتهِ بمكةَ المكرمةِ، فيأتي بهِ في آخرِ ساعةٍ يريدُ الخروجَ فيهَا منْ مكةَ المكرمةِ بحيث إذَا طافَ لَا يشتغلُ بشيءٍ بلْ يخرجُ منْ مَكَّةَ مباشرةً، وإنْ هوَ أقامَ زمنًا لبيعٍ أوْ شراءٍ ونحوهمَا بلَا ضرورة تدعُو إلَى ذلكَ أعادَ الطَّوافَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا ينفرنَّ أحدكم حتى يكونَ آخرُ عهدهِ بالبيتِ" .
 المادةُ العاشرةُ: في كيفيَّةِ الحج والعمرةِ: 
كيفيةُ الحجِّ والعمرةِ، هيَ: 
أنْ يقلِّمَ منْ أرادَ الإحرامَ بأحدِ النُّسكيِن أظفارهُ، ويقصَّ شاربهُ، ويحلقَ عانتهُ، وينتف إبطيهِ ثمَّ يغتسلَ ويلبسَ إزارًا ورداءً أبيضيِن نظيفينِ ويلبسَ نعلينِ.
 وإذَا وصلَ إلَى الميقاتِ صلَّى فريضةً أوْ نافلةً ثم نوَى نسكهُ قائلًا: "لبيكَ اللَّهم لبيكَ حجًّا"، هذَا إنْ أرادَ الإفرادَ، وإنْ أرادَ التَّمتُّعَ قالَ: "عمرةً"، وإنْ أرادَ القرانَ، قالَ: "حجَّا وعمرةً".
 ولهُ أنْ يشترطَ علَى ربِّهِ فيقولَ: "إن محلِّي منَ الأرضِ حيثُ تحبسني" .
 فإنهُ إنْ حصلَ لهُ مانعٌ حالَ بينهُ وبينَ مواصلةِ الحجِّ أوِ العمرةِ كمرضٍ ونحوهِ تحلَّلَ منْ إحرامهِ ولَا شيءَ عليهِ، ثم يواصلُ التلبيةَ رافعًا بها صوتهُ فيِ غيرِ إجهادٍ، إلاَّ أنْ تكونَ امرأةً فإنَّهَا لَا تجهر بهَا، ولَا بأسَ أنْ ترفعَ صوتهَا بقدرِ مَا تسمعُ رفيقتهَا معهَا.
 ويستحبُّ لهُ أنْ يدعوَ ويصليَ علَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كلمَا فرغَ منَ التَّلبيةِ، كمَا يستحب لهُ أنْ يجدِّدَ التلبيةَ كلمَا تجددتْ حالٌ من ركوبٍ أوْ نزولٍ أوْ صلاةٍ، أوْ ملاقاةِ رفاقي.
 وينبغِي أنْ يكف لسانهُ عنْ غيرِ ذكرِ اللّهِ تعالَى وبصرهُ عما حرمَ اللّهُ عليهِ.
 كمَا ينبغِي أنْ يكثرَ في طريقهِ منَ البر والإحسانِ رجاءَ أنْ يكونَ حجهُ مبرورًا، فليحسنْ إلَى المحتاجينَ، وليبتسم هاشًّا باشًّا فيِ وجوهِ الرفاقِ، ملينًا لهمُ الكلامَ باذلًا لهمُ السلامَ والطعامَ، وإذَا وصلَ مكةَ استحب لهُ أنْ يغتسلَ لدخولهَا، وإذَا وصلهَا دخلهَا منْ أعلاهَا، وإذَا وصلَ إلَى المسجدِ الحرامِ دخلهُ منْ بابِ بني شيبةَ: بابِ السلامِ، وقالَ: بسمِ اللّهِ وباللّهِ وإلَى اللّهِ اللّهم افتحْ لي أبوابَ فضلِك، وإذَا رأَى البيتَ رفعَ يديهِ وقالَ: اللَّهم أنتَ السلام، ومنكَ السلام فحينَا ربنَا بالسلامِ.
 اللَّهمَّ زدْ هذَا البيتَ تشريفًا وتعظيمًا وتكرِيمًا ومهابةً وبرًّا، وزدْ منْ شرفهُ وكرمهُ ممَّنْ حجهُ أوِ اعتمرهُ تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً وبرًّا.
 الحمدُ للّهِ رب العالمينَ كثيرًا، كمَا هوَ أهلهُ، وكمَا ينبغِي لكرمِ وجههِ وعزِّ جلالهِ، والحمدُ للّهِ الَّذِي بلَّغني بيتهُ ورآني لذلكَ أهلًا، والحمدُ للّهِ علَى كلِّ حالٍ.
 اللهمَّ إنكَ دعوتَ إلَى حجِّ بيتكَ الحرامِ وقدْ جئتكَ لذلكَ.
 اللَّهم تقبلْ منِّي واعفُ عنِّي، وأصلحْ لي شأني كلَّهُ.
 لَا إلهَ إلاَّ أنت.
 ثمَّ يتقدمُ إلَى المطافِ متطهرًا مضطبعًا فيأتي الحجرَ الأسودَ فيقبلهُ أوْ يستلمهُ، أوْ يشيرُ إليهِ إنْ لم يمكنْ تقبيلهُ ولَا استلامهُ، ثم يستقبلُ الحجرَ ويقفُ معتدلًا ناويًا طوافهُ قائلًا: بسمِ اللّهِ، واللّهُ أكبرُ.
 اللهم إيمانًا بكَ وتصديقًا بكتابكَ، ووفاءً بعهدكَ، واتِّباعًا لسنةِ نبيكَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ يأخذُ في الطوافِ جاعلًا البيتَ عنْ يسارهِ راملاً (أيْ مهرولاً) إنْ كانَ فيِ طوافِ القدومِ وهوَ يدعُو أوْ يذكر أوْ يصلِّي علَى النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، إلَى أنْ يحاذيَ الركنَ اليماني فيستلمهُ بيدهِ، ويختمُ الشوطَ بدعاءِ: ربنا آتنَا فيِ الدنيَا حسنةً، وفيِ الآخرةِ حسنة، وقنَا عذابَ النَّارِ.
 ثم يطوفُ الشوطَ الثاني والثالثَ هكذَا، ولما يشرعُ في الشوطِ الرابعِ يتركِ الرملَ ويمشِي فيِ سكينةٍ حتى يتم الأربعةَ الأشواطِ الباقيةَ، فإذَا فرغَ أتَى الملَتزمَ ودعَا باكيًا خاشعًا، ثم يأتي مقامَ إبراهيمَ فيصلِّي خلفهُ ركعتينِ يقرأُ فيهمَا بالفاتحةِ والكافرونَ والفاتحةِ والصَّمدِ، ثمَّ بعدَ الفراغِ يأتي "زمزم" فيشربُ منهُ مستقبلَ البيتَ حتى يروَى، ويدعُو عندَ الشَّربُ بمَا شاَء وإنْ قالَ: اللهم إنِّي أسألكَ علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاءً منْ كلِّ داءٍ فحسن، ثم يأتي الحجرَ الأسودَ فيقبلهُ أوْ يستلمهُ ثم يخرجُ إلَى المسعَى منْ بابِ الصفا تاليًا قولَ اللهِ تعالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ 
 } إلى قوله {شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] .
 حتى إذَا وصلَ إلَى الصفا رقيهُ، ثم استقبلَ البيتَ وقالَ: الله أكبرُ ثلاثًا، لَا إلهَ إلاَّ الله وحدهُ لَا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ علَى كلِّ شيءٍ قدير، لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ، صدقَ وعدهُ ونصرَ عبدهُ وهزمَ الأحزابَ وحدهُ، ثم يدعُو بمَا شاءَ منَ خيريِ الدنيَا والآخرةِ.
 ثم ينزلُ قاصدًا "المروةَ" فيمشيَ في المسعَى ذاكرًا داعيًا إلَى أنْ يصلَ إلَى بطنِ الوادِي المشارِ إليهِ الآنَ بالعمودِ الأخضرِ فيخب مسرعًا إلَى أنْ يصلَ إلَى العمودِ الأخضرِ الثاني، ثم يعودُ إلَى المشي فيِ سكينةٍ ذاكرًا داعيًا مصلِّيًا علَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، إلَى أنْ يصلَ إلَى "المروةِ" فيرقاهُ ثم يكبر ويهلِّل ويدعُو كمَا صنعَ علَى "الصَفَا" ثم ينزلُ فيسعَى ماشيًا إلَى بطنِ الوادِي فيخب ويهرولُ، ولماَّ يخرجْ يمشِي حتى يصلَ إلَى "الصفا" فيرقاهُ ثم يكبر ويهلِّلُ ويدعُو ثم ينزلُ قاصدًا "المروةَ" فيصنعُ كمَا صنعَ أولاً حتى يتم سبعةَ أشواطٍ بثمانِ وقفاتٍ: أربع علَى "الصفَا" وأربعٍ علَى "المروةِ"، ثم إنْ كانَ معتمرًا قصرَ شعرهُ وحل منْ إحرامهِ وقدْ تمتْ عمرتهُ، وكذَا إنْ كانَ متمتعًا بالعمرةِ إلَى الحجِّ فقدْ تمتْ عمرتهُ بمجردِ فراغهِ منَ السعيِ وتقصيرهِ من شعرهِ، وإنْ كانَ مفردًا أوْ قارنًا وقدْ ساقَ الهديَ وجبَ عليهِ أنْ يبقَى علَى إحرامهِ حتَّى يقفَ "بعرفات" ويرميَ جمرةَ العقبةِ يومَ النحرِ، وعندئذ يتحللُ، وإلا فلهُ أنْ يفسخَ حجهُ إلَى عمرةٍ ويتحللَ.
 وإذَا كانَ يومُ الترويةِ ثامنَ ذِي الحجةِ أحرمَ بنيَّةِ الحجِّ علَى النَّحوِ الذِي أحرمَ فيهِ بعمرتهِ، إنْ كانَ متمتِّعًا، وأما المفردُ أوِ القارنُ فإنهمَا علَى إحرامهمَا الأولِ.
 وخرجَ ملبيًا إلَى "منًى" ضحًى ليقيمَ بهَا يومهُ وليلتهُ فيصلِّي بهَا خمسَ أوقات، حتى إذَا طلعتِ الشمسُ منْ يومِ "عرفةَ" خرجَ منْ "منًى" ملبيًا قاصدًا "نمرةَ" بطريقِ "ضبَّ" فيقيمُ بهَا إلَى الزوالِ، ثم يغتسلُ ويأتي المسجدَ مصلى الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فيصلِّي معَ الإمامِ الظهرَ والعصرَ قصرًا وجمعَ تقديمٍ فإذَا قضيتِ الطلاة ذهبَ إلَى "عرفاتٍ" للوقوفِ بهَا، ولهُ أنْ يقفَ فيِ أيِّ جزءٍ منهَا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وقفتُ ها هنا إلىَ "عرفات" كلُّهَا موقفٌ" .
 وإنْ وقفَ عندَ الصخرات فيِ أسفلِ جبلِ الرحمةِ، وهوَ موقفُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فحسن ولهُ أنْ يقفَ راكبًا أوْ راجلًا أوْ قاعدًا يذكرُ اللهَ تعالَى ويدعوهُ حتى إذَا غربتَ الشَّمسُ ودخلَ جزءٌ منَ الليلِ يسير، أفاضَ فيِ سكينةٍ ملبيًا إلَى "مزدلفةَ" بطريقِ المأزمينِ فينزلُ بهَا وقبلَ أنْ يضعَ رحلهُ يصلِّي المغربَ ثم يضع رحلهُ ويصلِّي بهَا العشاءَ ويبيتُ بهَا حتى إذَا طلعَ الفجر صلى الصُّبحَ وقصدَ المشعرَ الحرامَ ليقفَ عنده مهلِّلًا مكبرًا داعيًا ولهُ أنْ يقفَ فيِ أيِّ مكان من "مزدلفةَ"؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وقفتُ هَا هنَاء وجمعٌ كلُّهَا موقفٌ" .
 حتَّى إذَا أسفرَ الصبحُ وقبلَ طلوعِ الشمسِ التقطَ سبعَ حصياتٍ ليرميَ بهَا جمرةَ "العقبةِ" ويندفعُ إلَى "منَّى" ملبيًا، وإذَا وصلَ محسِّرًا حركَ دابتهُ وأسرعَ فيِ سيرهِ نحوَ رميةِ حجرٍ، ولما يصلُ إلَى "منَّى" يذهبُ رأسًا إلَى جمرةِ "العقبةِ" فيرميهَا بسبعِ حصيات يرفعُ يدة اليمنَى حالَ الرمى قائلا: اللّهُ أكبرُ، وإنْ زادَ اللَّهم اجعلهُ حجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا فحسن، ثم إنْ كانَ معهُ هديٌ عمدَ إليهِ فذبحهُ أو أنابَ من يذبحُ عنهُ إنْ كانَ عاجزًا، ولهُ أنْ يذبحَ في أيِّ مكان شاءَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "نحرتُ هَا هنَا، وَ "منَّى" كلهَا منحرٌ" .
 ثم يحلقُ أوْ يقصِّرُ، والحلقُ افضل، وإلى هنَا فقدْ تحلل التحلل الأصغرَ فلم يبقَ محرمًا عليهِ إلاَّ النِّساءُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا رمَى أحدكم جمرةَ العقبةِ وحلقَ فقدْ حل لهُ كل شيء إلاَّ النِّساء" فلهُ أنْ يغطِّيَ رأسهُ ويلبسَ ثيابهُ.
 ثم يسير إلَى "مكَّةَ" إنْ أمكنَ ليطوفَ طوافَ الإفاضةِ الذّي هوَ أحدُ أركانِ الحجِّ الأربعةِ فيدخلُ المسجدَ متطهِّرًا فيطوفُ علَى نحوِ طوافِ القدومِ غيرَ أَنهُ لَا يضطبعُ -لَا يكشفُ عنْ كتفهِ- ولَا يرملُ، أيْ لَا يسرعُ فيِ الأشواطِ الثَّلاثةِ الأولَى، فإذَا أتم سبعةَ أشواطٍ صلَّى ركعتينِ خلفَ المقامِ، ثمَّ إنْ كانَ مفردًا أوْ قارنًا، وقدْ سعَى معَ طوافِ القدومِ فإن سعيهُ الأولَ يكفيهِ وإنْ كانَ متمتِّعًا خرجَ إلَى المسعَى فسعَى بينَ "الصفَا" وَ "المروةَ" سبعةَ أشواط علَى النَّحوِ الذّيِ تقدَّمَ، فإذَا فرغَ منْ سعيهِ فقدَ تحللَ كاملَ التحلُّلِ، ولم يبقَ محرمًا عليهِ شيءٌ؛ إذ أصبحَ حلالاً يفعلُ كل مَا كانَ محظورًا عليهِ بسببِ الإحرامٍ، ثم يعود منْ يومهِ إلَى "منَّى" فيبيتُ بهَا، وإذَا زاغتِ الشمسُ منْ أولِ يومٍ منْ أيامِ التشريقِ ذهبَ إلَى الجمراتِ فرمَى الجمرةَ الأولَى وهيَ التي تلي مسجدَ "الخيفِ" رماهَا بسبع حصيات، واحدةً بعدَ أخرَى يكبر معَ كل حصاة، ولما يفرغُ منْ رميهَا يتنحّى قليلاً، فيستقبل القبلةَ يدعُو بمَا يفتحِ اللّهُ عليهِ، ثم يسير إلَى الجمرةِ الوسطَى فيرميهَا كمَا رمَى الأولَى، ويتنحَّى قليلًا فيستقبلُ القبلةَ ويدعُو، ثم يسير إلَى جمرةِ "العقبةِ" وهيَ الأخيرةُ فيرميهَا بسبعِ حصياتٍ يكبر معَ كل حصاة ولَا يدعُو بعدهَا؛ إذْ لم يدعُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عندهَا، وينصرفُ، فإذَا زالتِ الشمس منَ اليومِ الثاني خرجَ فرمَى الجمراتِ الثلاثَ علَى النحوِ الذِي سبقَ.
 ثمَّ إنْ تعجل نزلَ "مكةَ" منْ يومهِ قبلَ غروبِ الشمس، وإنْ لم يتعجلْ باتَ ليلتهُ "بمنى"، وإذَا زالتِ الشمسُ منَ اليومِ الثالث رمَى الجمراتِ كمَا تقدَّمَ، ثم رحلَ إلَى "مكةَ"، وإذَا عزمَ علَى السفرِ إلَى أهلهِ طافَ طوافَ الوداعِ سبعةَ أشواط، وصلى بعدهُ ركعتينِ خلفَ المقامِ، وانصرفَ راجعًا إلَى أهلهِ، وهوَ يقولُ: لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهُ لَا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وهوَ علَى كل شيء قدير، آيبونَ تائبونَ، عابدونَ، لربنَا حامدونَ.
 لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ وحدهْ، صدقَ وعدهُ، ونصرَ عبدهُ، وهزمَ الأحزابَ وحدهُ.
  

المادة الثانية في شروط وجوبهما

المادة الثانية في شروط وجوبهما  
 
يشترطُ لوجوبِ الحجِّ والعمرةِ علَى المسلمِ الشُّروطُ الآتيةُ: 
1 - الإسلامُ: فلَا يطالبُ غيرُ المسلمِ بحج ولَا بعمرةٍ، ولَا بغيرهمَا منْ أنواعِ العباداتِ؛ إذِ الإيمانُ شرطٌ في صحّةِ الأعمالِ وقبولهَا.
 2 - العقلُ: إذْ لَا تكليفَ علَى المجانينِ.
 3 - البلوغُ: إذْ لَا تكليفَ علَى الصّبي حتّى يبلغَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "رفعَ القلمُ عنْ ثلاثةٍ: عنْ المجنونِ حتّى يفيقَ، وعنِ النَّائمِ حتَّى يستقيظَ، وعنِ الصَّبي حتّى يحتلمَ" .
 4 - الاستطاعةُ، وهيَ الزَّادُ والراحلةُ؛ لقولهِ تعالَى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} .
 فالفقيرُ الذِي لَا مالَ لديهِ ينفقهُ علَى نفسهِ أثناءَ حجِّهِ، وعلَى عيالهِ إنْ كانَ لهُ عيالٌ، حين يتركهم وراءهُ لَا يجبُ عليهِ حج ولَا عمرةٌ.
 وكذَا منْ وجدَ مالاً لنفقتهِ ونفقةِ عيالهِ، ولكنْ لم يجدْ مَا يركبهُ، وهوَ لَا يقوَى علَى المشي، أوْ وجدَ ولكن الطريقَ غيرُ مأمونٍ بحيثُ يخافُ فيهِ علَى نفسهِ أوْ مالهِ فإنَّهُ لَا يجبُ عليهِ الحج ولَا العمرةُ لعدمِ استطاعتهِ.
 المادةُ الثالثةُ: فِي التَّرغيبِ فِي الحج والعمرةِ، والترهيبِ من تركهمَا: 
لقدْ رغَّبَ الشَّارعُ فيِ هاتينِ العبادتينِ العظيمتينِ، وحثَّ علَى فعلهمَا، ودعَا إلَى ذلكَ بأساليبَ متنوعةٍ، وأضرب منَ البيانِ مختلفةٍ، من ذلكَ قولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "أفضلُ الأعمالِ: إيمانٌ باللَّهِ ورسولهِ، ثم جهاد فيِ سبيلهِ، ثمَّ حج مبرور" .
 وقولهُ: "منْ حجَّ هذَا البيتَ فلمْ يرفثْ ولَم يفسقْ، خرجَ منْ ذنوبه كيومِ ولدتهُ أمُّهُ" ، وقولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "الحج المبرورُ ليسَ لهُ جزاءٌ إلاَّ الجنةَ" .
 وقولهُ: "جهادُ الكبيرِ والضَّعيفِ والمرأةِ الحج المبرورُ" .
 وقولهُ: "العمرةُ إلَى العمرةِ كفارةٌ لماَ بينهمَا، والحج المبرورُ ليسَ لهُ جزاءٌ إلاَّ الجنَّةَ" .
 كمَا رهَّبَ منْ تركهمَا وحذَّرَ منَ التقاعسِ عنْ فعلهمَا بمَا لَا مزيدَ عليهِ، فقالَ: "منْ لمْ تحبسهُ حاجةٌ ظاهرةٌ أوْ مرضٌ حابسٌ أوْ منعٌ منْ سلطانٍ جائرٍ ولم يحجَ فليمتْ إنْ شاءَ يهوديًّا أوْ نصرانيًّا" وقالَ علي - رضي الله عنه -: "منْ ملكَ زادًا وراحلةً تبلِّغهُ إلَى بيتِ اللّهِ الحرامِ ولم يحج، فلَا عليهِ أنْ يموتَ يهوديًّا أوْ نصرانيا" .
 وذلكَ لقولهِ تعالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} وقالَ عمرُ - رضي الله عنه -: "لقدْ هممتُ أنْ أبعثَ رجالاً إلَى هذهِ الأمصارِ، فينظرُوا كلَّ منْ كانتْ لهُ جدةٌ ولم يحجّ فيضربُوا عليهمُ الجزيةَ مَا هم بمسلمينَ، مَا هم بمسلمينَ" .
 المادُّةُ الرَّابعةُ: فِي الركنِ الأولِ من أركانِ الحجِّ والعمرةِ: 
أركانُ الحجِّ والعمرةِ: 
للحج أربعةُ أركان وهيَ: الإحرامُ، والطَّوافُ، والسعيُ، والوقوفُ بعرفةَ، فلوْ سقطَ منهَا ركنٌ لبطلَ الحج.
 وللعمرةِ ثلاثةُ أركانٍ: هيَ الإحرامُ، والطّوافُ، والسعي فلَا تتمُّ إلاَّ بهَا وتفصيلُ هذهِ الأركانِ كالتَّالي: 
الركنُ الأولُ منْ أركانِ الحجِّ والعمرةِ الإحرامُ وهوَ نيَّةُ الدُّخولِ فيِ أحدِ النُّسكيِن: الحجِّ والعمرةِ المقارنةِ للتجردِ والتلبيةِ، ولهُ واجباتٌ وسننٌ ومحظوراتٌ وهيَ: 
 أ- الواجباتُ: 
المرادُ منَ الواجباتِ الأعمالُ التي لو تركَ أحدهَا لوجبَ علَى تاركهِ دمٌ، أوْ صيامُ عشرةِ أيَّامٍ إنْ عجزَ عنِ الدمِ، وواجباتُ الإحرامِ ثلاثةٌ، وهيَ: 
1 - الإحرامُ منَ الميقاتِ: وهوَ المكانُ الذي حددهُ الشَارعُ للإحرامِ عندهُ بحيثُ لَا يجوزُ تعدِّيهِ بدونِ إحرامٍ لمنْ كانَ يريدُ الحج أو العمرةَ.
 قالَ ابنُ عباسٍ - رضي الله عنه -: "وقتَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لأهلِ المدينةِ ذَا الحليفةِ، ولأهلِ الشّامِ "الجحفةَ"، ولأهلِ نجدٍ "قرنَ المنازلِ"، ولأهلِ اليمنِ "يلملمْ"، قالَ: فهنَّ لهنَّ ولمنْ أتَى عليهنَّ منْ غيرِ أهلهنّ لمنْ كانَ يريدُ الحجَّ أوِ العمرةَ، فمنْ كانَ دونهنَّ فمهلُّهُ منْ أهلهِ، وكذلكَ حتَّى أهلُ مكةَ يهلُّونَ منهَا" .
 2 - التَّجرُّدُ منَ المخيطِ: فلَا يلبسُ المحرمُ ثوبًا ولَا قميصًا ولَا برنسًا، ولَا يعتمّ بعمامة ولَا يغطِّي رأسهُ بشيءٍ أبدًا، كمَا لَا يلبسُ خفًّا ولَا حذاءً؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يلبسُ المحرمُ الثوبَ ولَا العمائمَ ولَا السراويلَ ولَا البرانسَ ولَا الخفافَ، إلاَّ منْ لم يجدْ نعليِن فليلبس خفينِ وليقطعهمَا منْ أسفلِ الكعبيِن" .
 كمَا لَا يلبسُ منَ الثِّيابِ شيئًا مسَّهُ زعفرانُ أوْ ورسٌ، ولَا تنتقبُ المرأةُ ولَا تلبسُ القفّازينِ؛ لماَ روَى البخاري منَ النهيِ عنْ ذلكَ.
 3 - التَّلبيةُ: وهيَ قولُ: "لبَّيكَ اللَّهم لبَّيكَ، لبَّيكَ لَا شريكَ لكَ لبّيكَ، إن الحمدَ والنِّعمةَ لكَ والملكَ، لَا شريكَ لكَ".
 يقولهَا المحرمُ عندَ الشُّروعِ فيِ الإحرامِ وهوَ بالميقاتِ لم يتجاوزهُ ويستحبُّ تكرارهَا ورفعُ الصَّوتِ بهَا وتجديدهَا عندَ كل مناسبةٍ منْ نزول أوْ ركوبٍ أوْ إقامةِ صلاةٍ أوْ فراغٍ منهَا، أوْ ملاقاةِ رفاقٍ.
 ب- السُّننُ: 
السننُ، هيَ الأعمالُ التي لو تركهَا المحرمُ لَا يجبُ عليهِ فيهَا دمٌ، ولكنْ يفوتهُ بتركهَا أجرٌ كبيرٌ وهيَ: 
1 - الاغتسالُ للإحرامِ، ولو لنفساءَ أو حائضٍ؛ إذْ إنّ امرأةً لأبي بكر - رضي الله عنه -، وضعتْ وهيَ تنوِي الحج، فأمرهَا الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - بالاغتسال .
 2 - الإحرامُ فيِ رداءٍ وإزارٍ أبيضيِن نظيفينِ؛ لفعلهِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ.
 3 - وقوعُ الإحرامِ عقبَ صلاةِ نافلة أوْ فريضة.
 4 - تقليم الأظافرِ، وقصُّ الشَّاربِ، ونتفُ الإبطِ، وحلقُ العانةِ؛ لفعلهِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ.
 5 - تكرارُ التّلبيةِ وتجديدهَا كلمَا تجدّدتْ حال منْ ركوب أوْ نزول أوْ صلاةٍ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ لبَّى حتَّى تغربَ الشمسُ أمسَى مغفورًا لهُ" .
 6 - الدعاءُ والصلاةُ علَى النبي - صلى الله عليه وسلم - عقبَ التَّلبيةِ؛ إذْ كانَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذَا فرغَ منَ التلبيةِ سألَ ربهُ الجنّةَ واستعاذَ بهِ منَ النَّارِ .
 ج- المحظوراتُ: 
المحظوراتُ، هيَ الأعمالُ الممنوعةُ، والتي لو فعلهَا المؤمنُ لوجبَ عليهِ فيهَا فديةُ دمٍ أوْ صيام أوْ إطعامٍ، وتلكَ الأعمالُ هيَ: 
1 - تغطيةُ الرأسِ بأيِّ غطاء كانَ.
 2 - حلقُ الشّعرِ أوْ قصُّهُ وإنْ قلَّ، وسواءٌ كانَ شعر رأسهِ أوْ غيرهِ.
 3 - قلمُ الأظافرِ، وسواءٌ كانتِ اليدينِ أوِ الرجليِن.
 4 - مس الطِّيبِ.
 5 - لبسُ المخيطِ مطلقًا.
 6 - قتلُ صيد البر؛ لقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95].
 7 - مقدماتُ الجماعِ، من قبلةٍ ونحوهَا؛ لقولهِ تعالَى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].
 والمرادُ منَ الرفثِ: مقدِّماتُ الجماعِ وكل مَا يدعُو إليهِ.
 8 - عقدُ النكاحِ أوْ خطبتهُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا ينكحُ المحرمُ ولَا ينكحُ ولَا يخطبُ.
" .
 9 - الجماعُ؛ لقولهِ تعالَى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} والرَفثُ شاملٌ للجماعِ ومقدِّماتهِ.
 حكمُ هذهِ المحظوراتِ: 
حكمُ هذهِ المحظوراتِ: الخمس الأولَى منْ فعلَ واحدًا منهَا وجبِتْ عليهِ فديةٌ وهيَ: صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، أوْ إطعامُ ستةِ مساكينَ لكلِّ مسكينٍ مدٌّ منْ برٍّ، أوْ ذبحُ شاةٍ؛ لقولهِ تعالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196].
 وأمَّا قتلُ الصيد ففيهِ جزاؤهُ بمثلهِ منَ النعمِ لقولهِ تعالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95].
 وأما مقدماتُ الجماعِ فإن علَى فاعلهَا دما، وهوَ ذبحُ شاةٍ، وأمَّا الجماعُ فإنَّهُ يفسدُ الحج بالمرةِ، غيرَ أنَّهُ يجبُ الاستمرارُ فيهِ حتى يتم وعلَى صاحبهِ بدنةٌ -أيْ بعيرٌ- فإنْ لم يجدْ صامَ عشرةَ أيام، وعليهِ معَ ذلكَ القضاءُ من عامٍ آخرَ؛ لماَ روَى مالك فيِ الموطَّإِ أن عمرَ ابنَ الخطابِ وعليَّ بنَ أبِي طالبٍ وأبَا هريرةَ سئلُوا عنْ رجلٍ أصابَ أهلهُ وهوَ محرمٌ بالحجِّ؟ فقالُوا: يَنفُذانِ يمضيانِ لوجههمَا حتى يقضيَا حجَّهمَا، ثمَّ عليهمَا حجُّ قابلٍ والهديُ.
 وأمَّا عقدُ النِّكاحِ وخطبتهُ وسائر الذّنوبِ كالغيبةِ والنَّميمةِ وكل مَا يدخلُ تحتَ لفظِ الفسوقِ ففيهِ التَّوبةُ والاستغفارُ؛ إذْ لم يردْ عنْ الشارعِ وضعُ كفَّارةٍ لهُ سوَى التَّوبةِ والاستغفارِ.
 المادةُ الخامسةُ: الركنُ الثاني وهوَ الطوافُ: 
الطَّوافُ: هوَ الدَّورانُ حولَ البيتِ سبعةَ أشواطٍ، ولهُ شروطٌ وسننٌ وآدابٌ تتوقَّف حقيقتهُ عليهَا، وهي: 
 أ- شروطهُ، وهيَ: 
1 - النية عندَ الشروعِ فيهِ؛ إذِ الأعمالُ بالنِّياتِ، فكانَ لابدَّ للطَّائفِ منْ نيةِ طوافٍ وهي عزمُ القلبِ علَى الطوافِ تعبُّدًا للّهِ تعالَى، وطاعةً لهُ عز وجل.
 2 - الطَّهارةُ منَ الخبثِ والحدثِ؛ لخبر: "الطَّوافُ حولَ البيتِ مثلُ الصَّلاةِ".
 3 - سترُ العورةِ؛ إذِ الطوافُ كالصلاةِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الطَّوافُ حولَ البيتِ مثلُ الصَّلاةِ إلاَّ أنكم تتكلمونَ فيهِ، فمنْ تكلمَ فلَا يتكلم إلا بخيرٍ" .
 وعليهِ فمنْ طافَ بغيرِ نيَّةٍ أوْ طافَ وهوَ محدثٌ أو عليهِ نجاسةٌ أو طاف وهوَ مكشوفُ العورةِ، فطوافهُ فاسدٌ وعليهِ إعادتهُ.
 4 - أنْ يكونَ الطوافُ بالبيتِ داخلَ المسجدِ ولو بعدَ منَ البيتِ.
 5 - أنْ يكونَ البيتُ علَى يسارِ الطائفِ.
 6 - أن يكونَ الطوافُ سبعةَ أشواطٍ، وأنْ يبدأَ بالحجرِ الأسودِ ويختمهُ بهِ لفعلِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ كمَا وردَ فيِ الصحيحِ.
 7 - أن يواليَ بينَ الأشواطِ، فلَا يفصلُ بينهَا لغيرِ ضرورة، ولو فصلَ بينهَا وتركَ الموالاةَ لغيرِ ضرورةٍ بطلَ طوافهُ ووجبتْ إعادتهُ.
 ب- سننهُ، وهيَ: 
1 - الرَّملُ، وهوَ سنةٌ للرجالِ القادرينَ دونَ النِّساءِ وحقيقتهُ: أنْ يسارعَ الطائفُ في مشيهِ معَ تقاربِ خطاهُ، ولَا يسن إلاَّ فيِ طوافِ القدومِ، وفيِ الأشواطِ الثّلاثةِ الأولَى منهُ فقَطْ.
 2 - الاضطباعُ، وهوَ كشفُ الضبعِ أيِ الكتفِ الأيمنِ، ولَا يسن إلاَّ فيِ طواف القدومِ خاصةً، وللرجالِ دونَ النِّساءِ، ويكونُ فيِ الأشواطِ السبعةِ عامة.
 3 - تقبيلُ الحجرِ الأسودِ عندَ بدءِ الطَّوافِ إنْ أمكنَ، وإلا اكتفَى بلمسهِ باليدِ أوْ الإشارةِ عندَ تعذرِ ذلكَ؛ لفعلهِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ ذلكَ.
 4 - قولُ: بسمِ اللّهِ واللّة أكبرُ، اللهم إيمانًا بكَ وتصديقًا بكتابكَ ووفاءً بعهدكَ واتِّباعًا لسنةِ نبيكَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
 عندَ بدءِ الشَّوطِ الأولِ.
 3 - الدُّعاءُ أثناءَ الطوافِ وهوَ غير محددٍ ولَا معينٍ بلْ يدعو كل طائفٍ بمَا يفتح اللّهُ عليهِ غيرَ أنهُ يسنُّ ختمُ كلِّ شوطٍ بقولِ: ربنا آتنَا فيِ الدنيَا حسنة وفيِ الآخرةِ حسنة وقنَا عذابَ النَّارِ.
 6 - استلامُ الركنِ اليماني باليدِ، وتقبيل الحجرِ الأسودِ كلمَا مر بهمَا أثناءَ طوافهِ لفعلهِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ كمَا وردَ في الصحيحِ.
 7 - الدعاء بالملتزمَ عندَ الفراغِ منَ الطوافِ.
 والملتزمُ هوَ المكانُ مَا بينَ بابِ البيتِ والحجرِ الأسودِ؛ لفعلِ ابنِ عباسٍ - رضي الله عنه - ذلكَ.
 8 - صلاةُ ركعتيِن بعدَ الفراغِ منَ الطَّوافِ خلفَ مقامِ إبراهيمَ يقرأُ فيهمَا بالكافرونَ والإخلاصِ بعدَ الفاتحةِ؛ لقولهِ تعالَى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125].
 9 - الشُّربُ منْ ماءِ زمزمَ والتَّضلُّعُ منهُ بعدَ الفراغِ منْ صلاةِ الرَّكعتيِن.
 10 - الرّجوع لاستلامِ الحجرِ الأسودِ قبلَ الخروجِ إلَى المسعَى.
 [تنبيهٌ]: أدلَّةُ جميعِ مَا تقدَّمَ عملُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - المبين فيِ حجةِ الوداعِ.
 ج- آدابهُ، وهيَ: 
1 - أنْ يكونَ الطَّوافُ فيِ خشوعٍ واستحضار قلبٍ، وشعورٍ بعظمةِ اللّهِ عز وجل وفيِ خوفٍ منهُ تعالَى، ورغبةٍ فيمَا لديهِ.
 2 - أنْ لَا يتكلَّمَ الطَّائف لغيرِ ضرورةٍ وإنْ تكلَّمَ تكلَّمَ بخيرٍ فقطْ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "فمنْ تكلمَ فلَا يتكلم إلاَّ بخيرٍ" .
 3 - أنْ لَا يؤذيَ أحدًا بقولٍ أوْ فعلٍ، إذْ أذيةُ المسلمِ محرمة ولَا سيمَا فيِ بيتِ اللهِ تعالَى.
 4 - أنْ يكثرَ منْ الذِّكرِ والدعاءِ والصَّلاةِ علَى النَّبي - صلى الله عليه وسلم -.
  

المادة الاولى في حكم الحج والعمرة، والحكمة فيهما

المادة الاولى في حكم الحج والعمرة، والحكمة فيهما  
 
أ- حكمهمَا: 
الحجُّ فريضةُ اللّهِ علَى كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ استطاعَ إليهِ سبيلًا، لقولهِ تعالَى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97].
 وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "بنيَ الإسلامُ علَى خمسٍ: شهادةِ أنْ لَا إلهَ إلا اللَّهُ وأنَ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاة وحجِّ البيتِ، وصومِ رمضانَ" .
 وهوَ فرضٌ مرةً في العمرِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الحج مرةً، فمن زادَ فهوَ تطوعٌ" .
 غيرَ أنَّهُ يستحبُّ تكرارهُ كًل خمسةِ أعوامٍ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - فيمَا يرويهِ عنْ ربِّهِ عز وجل: "إنَّ عبدًا صححتُ لهُ جسمهُ، ووسعتُ عليهِ فيِ المعيشةِ يمضِي عليهِ خمسةُ أعوامٍ لَا يفدُ إلي لمحرومٌ" .
 أمَّا العمرةُ فهيَ سنةٌ واجبةٌ؛ لقولهِ تعالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196].
 وقول رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "حُجَّ عنْ أبيكَ واعتمر" .
 لمنْ سألهُ: إنَّ أبِي شيخٌ كبيرٌ لَا يستطيعُ الحجَّ ولَا العمرةَ ولَا الظَّعنَ .
 ب- حكمتهمَا: 
منَ الحكمةِ فيِ الحجِّ والعمرةِ، تطهير النَّفسِ منْ آثارِ الذنوبِ لتصبحَ أهلًا لكرامةِ اللّهِ تعالَى في الدَّارِ الآخرةَ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "منْ حجَ هذَا البيتَ فلم يرفثْ ولم يفسقْ، خرجَ من ذنوبهِ كيومِ ولدتهُ أمهُ" .
  

المادة العاشرة في بيان الكفارة، والحكمة منها

المادة العاشرة في بيان الكفارة، والحكمة منها  
 
أ- الكفارةُ: 
الكفَّارةُ مَا يكفَّرُ بهِ الذَّنبُ المترتِّبُ علَى المخالفةِ للشارع، فمنْ خالفَ الشارعَ فجامعَ فيِ نهارِ رمضانَ، أوْ أكلَ أوْ شربَ عامدًا وجبَ عليهِ أنْ يُكَفِّرَ عنْ هذهِ المخالفةِ بفعلِ واحدةٍ منْ ثلاثٍ: عتقِ رقبةٍ مؤمنةٍ، أوْ صيامِ شهرينِ متتابعيِن، أوْ إطعامِ ستِّينَ مسكينًا، لكلِّ مسكين مدًّا من برٍّ، أو شعيرٍ أو تمرٍ بحسبِ الاستطاعةِ، لماَ مر في حديثِ الرجلِ الذِي وقعَ علَى امرأتهِ، فاستفتَى رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
 وتُعدَّدُ الكفَّارةُ بتعدُّدِ المخالفَةِ، فمنْ جامعَ فيِ يوم وأكلَ وشربَ فيِ يومٍ آخرَ، فإنَّ عليهِ كفَّارتيِن.
 ب- الحكمةُ فِي الكفارةِ: 
والحكمةُ فيِ الكفارة هيَ صونُ الشريعةِ عنِ التلاعبِ بهَا، وانتهاكِ حرمتهَا.
 كمَا أنهَا تطهِّرُ نفسَ المسلمِ منْ آثارِ ذنبِ المخالفةِ الَّتي ارتكبهَا بلا عذرٍ.
 ومنْ هنَا كانَ ينبغِي أنْ تؤدى الكفَّارةُ علَى النَّحوِ الَّذِي شرعتْ عليهِ كمِّيَّةً وكيفيةً، حتّى تنجحَ فيِ أداءِ مهمَّتهَا بازالةِ الذَّنب ومحوِ آثارهِ منْ علَى النفسِ.
 والأصلُ فيِ الكفَّارةِ قولُ اللّهِ تعالَى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114].
 وقولُ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "اتقِ اللَّهَ حيثمَا كنتَ، وأتبعْ السيئةَ الحسنةَ تمحهَا، وخالقْ النَّاسَ بخلق حسنٍ" .
  

المادة التاسعة فيما يبطل الصوم، وما يباح للصائم فعله، وما يعفى عنه فيه

المادة التاسعة فيما يبطل الصوم، وما يباح للصائم فعله، وما يعفى عنه فيه  
 
أ- مَا يبطلُ الصومَ أمور هيَ: 
1 - وصولُ مائعٍ إلَى الجوفِ بواسطةِ الأنفِ كالسعوطِ، أوِ العيِن والأذنِ كالتَّقطيرِ، أوِ الدُّبرِ وقُبُلِ المرأةِ كالحقنةِ.
 2 - مَا وصل إلَى الجوفِ بالمبالغةِ فيِ المضمضةِ والاستنشاق فيِ الوضوءِ وغيرهِ.
 3 - خروجُ المنيِّ بمداومةِ النَّظرِ أوْ إدامةِ الفكرِ أوْ قبلةٍ أوْ مباشرةٍ.
 4 - الاستقاءُ العمدُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منِ استقاءَ عمدًا فليقضِ" .
 أمَّا منْ غلبهُ القيءُ فقاءَ بدونِ اختيارهِ فلَا يفسد صومهُ.
 5 - الأكلُ أوِ الشُّربُ أوِ الوطءُ في حالِ الإكراهِ علَى ذلكَ.
 6 - منْ أكلَ وشربَ ظانًّا بقاءَ اللَّيَلِ ثمَّ تبيَّنَ لهُ طلوعُ الفجرِ.
 7 - منْ أكلَ وشربَ ظانا دخولَ اللَّيلِ ثمَّ تبيَّنَ لهُ بقاءُ النَّهارِ.
 8 - منْ أكلَ أوْ شربَ ناسيًا، ثم لم يمسكُ ظانًّا أنَّ الإمساكَ غير واجبٍ عليهِ مَا دامَ قدْ أكلَ وشربَ فواصلَ الفطرَ إلَى اللَّيلِ.
 9 - وصولُ مَا ليسَ بطعامٍ أوْ شرابٍ إلَى الجوفِ بواسطةِ الفم كابتلاعِ جوهرةٍ أوْ خيطٍ لماَ رويَ أن ابنَ عباس - رضي الله عنه - قالَ: "الصَّومُ لمَا دخلَ وليسَ لماَ خرجَ".
 .
 يريدُ - صلى الله عليه وسلم - بهذَا أن الصَّومَ يفسدُ بمَا يدخلُ فيِ الجوفِ لَا بمَا يخرجُ كالدَّمِ والقيءِ.
 10 - رفضُ نيَّةِ الصَّومِ ولو لم يأكلْ أوْ يشربْ إنْ كانَ غيرَ متأوِّلٍ للإفطارِ وإلَّا فلَا.
 11 - الردَّةُ عنِ الإسلامِ إنْ عادَ إليهِ؛ لقولهِ تعالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] .
 وهذهِ المبطلاتُ كلهَا تُفسدُ الصَّومَ وتوجبُ قضاءَ اليومِ الَّذِي فسدَ بهَا غيرَ أنّهَا لَا كفَّارةَ فيهَا؛ إذْ الكفارةُ لَا تجبُ إلاَّ معَ مبطليِن وهمَا: 
1 - الجماعُ العمدُ منْ غيرِ إكراه: لقولِ أبي هريرةَ - رضي الله عنه -: "جاءَ رجل إلَى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: هلكتُ يَا رسولَ اللّهِ، قالَ: مَا أهلككَ؟ قالَ: وقعتُ علَى امرأتي فيِ رمضانَ، فقالَ: هلْ تجدُ مَا تعتقُ رقبةً، قالَ: لَا، قالَ: فهلْ تستطيعُ أنْ تصومَ شهرينِ متتابعينِ؟ قالَ: لَا، قالَ: فهلْ تجدُ مَا تطعمُ ستِّينَ مسكينا؟ قالَ: لَا، ثم جلسَ، فأتي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بِعَرَق فيهِ تمرٌ، فقالَ: خذْ تصدَّقَ بهذَا، قالَ: فهلْ علَى أفقرَ منَّا، فواللَّهِ مَا بينَ لابتيهَا أهل بيت أحوجَ إليهِ منَّا؟ فضحكَ النبي - صلى الله عليه وسلم - حتَّى بدتْ نواجدهُ وقالَ: "اذهبْ فأطعمهُ أهلَكَ" .
 2 - الأكلُ أوِ الشُربُ بلَا عذر مبيح: عند أبِي حنيفةَ ومالك رحمهمَا اللّهُ ودليلهمَا: أنَّ رجلًا أفطرَ في رمضانَ، فأمرهُ النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنْ يكفِّرَ" .
 وحديثُ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قالَ: "جاءَ رجل إلُى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: أفطرتُ يومًا في رمضانَ متعمِّدا، فقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "أعتِقْ رقبة، أوْ صم شهرينِ متتابعينِ، أوْ أطعم ستِّينَ مسكينًا" .
 ب- مَا يباحُ للصائمِ فعلهُ: يباحُ للصَّائمِ أمورٌ وهيَ: 
1 - السِّواكُ طولَ النَّهارِ، اللّهم إلاَّ مَا كانَ منَ الإمامِ أحمدَ، فإنهُ كرههُ للصائمِ بعدَ الزَّوالِ.
 2 - التَّبرُّدُ بالماءِ منْ شدَّةِ الحر، وسواءٌ يصبُّهُ علَى جسدهِ، أوْ يغمسَ فيهِ.
 3 - الأكلُ والشُّربُ والوطءُ ليلاً، حتَّى يتحقّقَ طلوعُ الفجرِ.
 4 - السَّفرُ لحاجةٍ مباحةٍ، وإنْ كانَ يعلمُ أنْ سفرهُ سيلجئهُ إلَى الإفطارِ.
 5 - التَّداوِي بأيِّ دواءٍ حلالٍ، لَا يصلُ إلَى جوفهِ منهُ شيءٌ، ومنْ ذلكَ استعمالُ الإبرةِ إنْ لم تكنْ للتَّغذيةِ.
 6 - مضغُ الطَّعامِ لطفلٍ صغيرٍ لَا يجدُ من يمضغُ لهُ طعامهُ الَّذِي لَا غنَى لهُ عنهُ بشرطِ أنْ لَا يصلَ إلَى جوفِ الماضغِ منهُ شيءٌ.
 7 - التطيُّبُ والتَّبخُّرُ؛ وذلكَ لعدمِ ورودِ النَّهيِ فيِ كل هذهِ عنِ الشّارعِ.
 ج- ما يعفَى عنه: يعفَى للصَّائمِ عنْ أمورٍ، هيَ: 
1 - بلعُ الريقِ ولوْ كثرَ، والمرادُ بهِ ريقُ نفسهِ لَا ريقُ غيرهِ.
 2 - غلبةُ القيءِ والقلسِ إنْ لم يرجع منهَا شيءٌ إلَى جوفهِ، بعدَ أنْ يكونَ قدْ وصلَ إلَى طرفِ لسانهِ.
 3 - ابتلاعُ الذّبابِ غلبةً وبدونِ اختيارٍ.
 4 - غبارُ الطَّريقِ والمصانعِ، ودخانُ الحطبِ، وسائر الأبخرةِ الَّتي لَا يمكنُ التَّحرُّزُ منهَا.
 5 - الإصباحُ جنبًا، ولو يمضِي عليهِ النَّهارُ كلهُ وهوَ جنبٌ.
 6 - الاحتلامُ، فلَا شيءَ علَى منِ احتلمَ وهوَ صائمٌ؛ لحديثِ: "رفعَ القلمُ عنْ ثلاثة: المجنونُ حتَّى يفيقُ، والنَّائمُ حتّى يستيقظَ، وعنِ الصَّبي حتى يحتلمَ" .
 7 - الأكلُ أوِ الشُّربُ خطأً أوْ نسيانًا، إلاَّ أنَّ مالكًا يرَى أنَّهُ عليهِ القضاءُ فيِ الفرضِ كاحتياطٍ منهُ.
 وأما النَّفلُ فلَا قضاءَ عليهِ البتةَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ نسيَ وهوَ صائمٌ فأكلَ أوْ شربَ فليتم صومهُ، فإنما أطعمهُ اللَّهُ وسقاهُ" وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ أفطرَ فيِ رمضانَ ناسيًا فلَا قضاءَ عليهِ ولَا كفَّارةَ" .
  

المادة الثامنة في اركان الصوم، وسننه، ومكروهاته

المادة الثامنة في اركان الصوم، وسننه، ومكروهاته  
 
أ- أركانُ الصُّومِ، وهيَ: 
1 - النيةُ، وهيَ عزمُ القلبِ علَى الصَّومِ امتثالًا لأمرِ اللّهِ عز وجل، أوْ تقربًا إليهِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّمَا الأعمالُ بالنِّياتِ".
 فإذَا كانَ الصّومُ فرضًا فالنيةُ تجبُ بليلٍ قبلَ الفجرِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يبيت الصِّيامَ قبلَ الفجرِ فلَا صيامَ لهُ" .
 وإنْ كانَ نفلًا صحتْ ولو بعدَ طلوعِ الفجرِ، وارتفاعِ النِّهارِ إنْ لم يكن قدْ طعمَ شيئًا؛ لقولِ عائشةَ - رضي الله عنها -: "دخلَ علي رسولُ اللّهُ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يوم، فقالَ: "هلْ عندكم شيءٌ؟.
 قلنَا: لَا.
 قالَ: "فإنِّي صائمٌ" .
 2 - الإمساكُ: وهوَ الكفُّ عنِ المفطراتِ منْ أكلٍ وشربٍ وجماع.
 3 - الزَّمان: والمرادُ بهِ النَّهارُ، وهوَ منْ طلوعِ الفجرِ إلَى غروبِ الشَّمسِ فلوْ صامَ امرؤٌ ليلاً وأفطرَ نهارًا لماَ صحَّ صومهُ أبدًا؛ لقولهِ تعالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187].
 ب- سننُ الصومِ، وهيَ: 
1 - تعجيلُ الفطرِ، وهوَ الإفطارُ عقبَ تحقُّقِ غروبِ الشمسِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يزالُ النَّاس بخير مَا عجَّلُوا الفطرَ" .
 وقولِ أنسٍ - رضي الله عنه -: "إنْ النَبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكنْ ليصليَ المغربَ حتى يفطرَ ولو علَى شربةِ ماءٍ" .
 2 - كون الفطرِ علَى رطبٍ أوْ تمرٍ أوْ ماءٍ، وأفضلُ هذهِ الثلاثةِ أوَّلهَا، وآخرهَا أدناهَا وهوَ الماءُ، ويستحب أنْ يفطرَ علَى وترٍ: ثلاثٍ أوْ خمسٍ أوْ سبعٍ لقولِ أنسِ بنِ مالكٍ: "كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يفطر عَلَى رطباتٍ قبلَ أنْ يصلِّيَ فإنْ لم تكنْ فعلَى تمراتٍ، فإنْ لم تكنْ حسَا حسواتٍ منْ ماءٍ" .
 3 - الدُّعاء عندَ الإفطارِ؛ إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يقول عندَ فطرهِ: "اللَهمّ لكَ صمنَا وعلَى رزقكَ أفطرنَا، فتقبلْ منا إنَّكَ أنتَ السميعُ العليمُ" .
 وكانَ ابنُ عمرَ يقولُ: "اللَّهمّ إني أسألكَ برحمتكَ التي وسعتْ كل شيءٍ أنْ تغفر لي ذنوبي" .
 4 - السحورُ، وهوَ الأكل والشرب في السحرِ آخرَ الليلِ بنيَّةِ الصومِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إن فصلَ مَا بينَ صيامنَا وصيامِ أهلِ الكتابِ أكلةُ السَّحَرِ" .
 وقولهِ: "تسحَّرُوا فإنَ في السحورِ بركةً" .
 5 - تأخيرُ السّحورِ إلَى الجزءِ الأخيرِ منَ اللّيلِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تزال أمتي بخيرٍ مَا عجلُوا الفطرَ وأخَّرُوا السحورَ" .
 ويبتدئُ وقتُ السحورِ منْ نصفِ الليلِ الآخرِ وينتهِي قبلَ الفجرِ بدقائقَ لقولِ زيدِ بنِ ثابتٍ - رضي الله عنه -: "تسحرنَا معَ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثم قامَ إلَى الصلاةِ فقلتُ: كم كانَ بينَ الأذانِ والسحورِ، قالَ: قدرُ خمسينَ آية" .
 [تنبيهٌ] : منْ شكَّ فيِ طلوعِ الفجرِ لهُ أنْ يأكلَ أوْ يشربَ حتَى يتيقَّنَ طلوعَ الفجرِ ثمَّ يمسكَ؛ لقولهِ تعالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] .
 وقدْ قيلَ لابنِ عبَّاسٍ - رضي الله عنه -: "إنِّي أتسحَّرُ فإذَا شككتُ أمسكتُ، فقالَ لهُ: كلْ مَا شككتَ حتَّى لَا تشكّ" (10) .
 ج- مكروهاتِ الصومِ: 
يكرهُ للصَّائمِ أمورٌ منْ شأنهَا الإفضاءُ إلَى فسادِ الصومِ، وإنْ كانتْ فيِ حد ذاتهَا لَا تفسدُ الصومَ، وهيَ: 
1 - المبالغةُ فيِ المضمضةِ والاستنشاقِ عندَ الوضوءِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وَبَالِغْ فيِ الاستنشاقِ إلاَّ أنْ تكونَ صائمًا" ، فقدْ كرهَ لهُ - صلى الله عليه وسلم - المبالغةَ فيِ الاستنشاقِ خشيةَ أنْ يصلَ إلَى جوفهِ شيءٌ منَ الماءِ فيفسدُ صومهُ.
 2 - القُبلةُ، إذْ قدْ تثيرُ شهوةً تجرُّ إلَى إفسادِ الصومِ بخروجِ المذيِ، أوِ الجماعِ حيثُ تجبُ الكفارةُ.
 3 - إدامةُ النَّظرِ بشهوةٍ إلَى الزَّوجةِ.
 4 - الفكرُ فيِ شأنِ الجماعِ.
 5 - اللَّمسُ باليدِ للمرأةِ أوْ مباشرتهَا بالجسدِ.
 6 - مضغُ العِلْكِ خشيةَ أنْ يتسربَ بعضُ أجزاءٍ منهُ إلَى الحلقِ.
 7 - ذوق القدرِ أوِ الطَّعامِ.
 8 - المضمضةُ لغيرِ وضوءٍ أوْ حاجةٍ تدعُو إليهَا.
 9 - الاكتحالُ فيِ أوَّلِ النَّهارِ، ولَا بأسَ فيِ آخرهِ.
 10 - الحجامةُ أوِ الفصدُ خشيةَ الضَّعفِ المؤدي إلَى الإفطارِ لماَ فيِ ذلكَ منَ التَّغريرِ بالصَّومِ.
  

المادة السابعة في شروط الصوم، وحكم صوم المسافر، والمريض، والشيخ الكبير، والحامل، والمرضع

المادة السابعة في شروط الصوم، وحكم صوم المسافر، والمريض، والشيخ الكبير، والحامل، والمرضع  
 
أ- شروطُ الصومِ: 
يشترطُ في وجوبِ الصَّومِ علَى المسلمِ أنْ يكونَ عاقلًا بالغًا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "رفعَ القلمُ عنْ ثلاثة: عنِ المجنونِ حتى يفيقَ، وعنِ النائمِ حتَّى يستيقظَ، وعنْ الصَّبي حتَّى يحتلمَ" .
 وإنْ كانتْ مسلمةً يشترطُ لهَا فيِ صحةِ صومهَا أنْ تكونَ طاهرةً منْ دمِ الحيضِ والنِّفاسِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - فيِ بيانِ نقصانِ دينِ المرأةِ: "أليستْ إذَا حاضتْ لم تصلِّ ولم تصم؟ " .
 ب- المسافرُ: 
إذَا سافرَ المسلمُ مسافةَ قصرٍ، وهيَ ثمانيةٌ وأربعونَ ميلًا، رخَّصَ لهُ الشارعُ فيِ الفطرِ علَى أنْ يقضيَ مَا أفطرَ عندَ حضورهِ؛ لقولهِ تعالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184].
 ثمَّ هوَ إنْ كانَ الصَّومُ فيِ السفَر لَا يشقُّ عليهِ فصامَ لكانَ أحسنَ، وإنْ كانَ يشقُّ عليهِ فأفطرَ كانَ أحسنَ.
 لقولِ أبِي سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه -: "كنا نغزُو معَ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - في رمضانَ فمنَّا الصائمُ ومنا المفطرُ، فلَا يجدُ الصائمُ علَى المفطرِ، ولَا المفطرُ علَى الصُّائم، ثم يرونَ أن منْ وجدَ قوَّة فصامَ فإنَّ ذلكَ حسنٌ، ويرونَ أن منْ وجدَ ضعفًا فأفطرَ، فإن ذلكَ حسنٌ" .
 ج- المريضُ: 
إذَا مرضَ المسلمُ فيِ رمضانَ نظرَ، فإنْ كانَ يقدرُ علَى الصَّومِ بلَا مشقَّةٍ شديدةٍ صامَ، وإنْ لم يقدرْ أفطرَ، ثم إنْ كانَ يرجُو البرءَ منْ مرضهِ فإنّهُ ينتظرُ حتّى البرء ثمَّ يقضِي مَا أفطرَ فيهِ، وإنْ كانَ لَا يرجَى برؤهُ أفطرَ وتصدقَ عنْ كل يومٍ يفطرهُ بمدٍّ منْ طعامٍ، أيْ حفنةِ قمحٍ؛ لقولهِ تعالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184].
 د- الشيخ الكبيرُ: 
إذَا بلغَ المسلمُ أوِ المسلمةُ سنًّا منَ الشيخوخةِ لَا يقوَى معهُ علَى الصومِ أفطرَ وتصدقَ علَى كلِّ يومٍ يفطرهُ بمدٍّ منْ طعامٍ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ - رضي الله عنه -: "رُخِّصَ للشيخِ الكبيرِ أنْ يطعمَ عنْ كلِّ يوم مسكينًا ولَا قضاءَ عليهِ" .
 هـ- الحاملُ والمرضعةُ: 
إذَا كانتِ المسلمةُ حاملًا فخافتْ علَى نفسهَا، أوْ علَى مَا فيِ بطنهَا أفطرتْ، وعندَ زوالِ العذرِ قضتْ مَا أفطرتهُ، وإنْ كانتْ موسرةً تصدقتْ معَ كلِّ يومٍ تصومهُ بمدٍّ منْ قمحٍ فيكونُ أكملَ لهَا وأعظمَ أجرًا.
 وهكذَا الحكمُ بالنسبةِ إلَى المرضعةِ إذَا خافتْ علَى نفسهَا، أوْ علَى ولدهَا ولم تجدْ منْ ترضعهُ لهَا، أوْ لم يقبلْ غيرهَا.
 وهذَا الحكمُ مستنبطٌ منْ قولهِ تعالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، فإن معنَى يطيقونهُ: يطيقونهُ بمشقَّةٍ شديدةٍ، فإنْ هم أفطرُوا قضوْا أوْ أطعمُوا مسكينًا.
 [تنبيهانِ]: 
1 - منْ فرَّطَ فيِ قضاءِ رمضانَ بدونِ عذرٍ حتَّى دخلَ عليهِ رمضانُ آخرُ فإنْ عليهِ أنْ يطعمَ مكانَ كلِّ يومٍ يقضيهِ مسكينًا.
 2 - منْ ماتَ منَ المسلمينَ وعليِه صيامٌ قضاهُ عنهُ وليهُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ ماتَ وعليهِ صيامٌ صامَ عنهُ وليهُ" .
 وقولهِ لمنْ سألهً قائلًا: إنَّ أمي ماتتْ وعليهَا صومُ شهرٍ أفأقضيهِ عنهَا؟.
 قالَ: "نعم، فَدَيْنُ اللَّهِ أحق أنْ يُقضَى" .
  

المادة الرابعة في وجوب صوم رمضان، وبيان فضله

المادة الرابعة في وجوب صوم رمضان، وبيان فضله  
 
أ- وجوبُ صومِ رمضانَ: 
صيامُ شهرِ رمضانَ واجبٌ بالكتابِ والسنَّةِ وإجماعِ الأمَّةِ، فقدَ قالَ تعالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].
 وقولُ رسولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "بنيَ الإسلامُ علَى خمس: شهادةِ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وأن محمدًا رسولُ اللهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وحجِّ البيتِ، وصومِ رمضانَ" .
 وقولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "عرَى الإسلامِ وقواعدُ الدين ثلاثةٌ عليهنَّ أسِّس الإسلامُ منْ تركَ واحدةً منهن فهوَ بهَ كافرٌ حلالُ الدَّمِ: شهادةُ أنْ لا إله إلاَّ اللَّهُ، والصَّلاةُ المكتوبةُ، وصومُ رمضانَ" .
 ب- فضلُ رمضانَ: 
لرمضانَ فضائلُ عظيمةٌ، ومزايَا عديدةٌ لم تكنْ لغيرهِ منَ الشُّهورِ.
 والأحاديثُ التاليةُ تثبتُ ذلكَ وتؤكدهُ: قولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "الصَّلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلَى الجمعةِ، ورمضانُ إلَى رمضانَ مكفِّراتٌ لماَ بينهنَ، إذَا اجتنبتِ الكبائر" .
 وقولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابا غفرَ لهُ مَا تقدَّمَ من ذنبه" .
 وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "ورأيتُ رجلًا من أمَّتي يلهثُ عطشًا كلَّمَا وردَ حوضًا منعَ منهُ، فجاءهُ صيامُ رمضانَ فسقاهُ وروَّاهُ" .
 وقولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا كانَ أوَّل ليلةٍ منْ رمضانَ صُفِّدتِ الشياطينُ ومردةُ الجانِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يفتحْ منهَا بابٌ، وفُتحتْ أبوابُ الجنةِ فلْم يغلقْ منهَا بابٌ؛ ونادَى منادٍ: يَا باغيَ الخيرِ! أقبلْ، ويَا باغيَ الشر! أقصر، ولله عتقاءُ منَ النَّارِ، وذلكَ كل ليلة" .
 المادةُ الخامسةُ: فِي فضلِ البرّ والإحسانِ فِي رمضانَ: 
لفضلِ رمضانَ، قدْ فُضِّلَ كلُّ مَا يقعُ فيهِ منْ أفعالِ الخيرِ وأضربِ البر والإحسانِ، ومنْ ذلكَ: 
1 - الصدقةُ: إذْ قالَ - صلى الله عليه وسلم -: "أفضلُ الصدقةِ صدقة فيِ رمضانَ" وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ فطَّرَ صائما كانَ لهُ مثلَ أجرِ الصائمِ منْ غيرِ أنْ ينقصَ منْ أجرِ الصَّائمِ شيئًا" .
 وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ فطَّرَ صائمًا علَى طعام أو شراب من حلالٍ صلَّتْ عليهِ الملائكةُ فيِ ساعاتِ شهرِ رمضانَ وصلَّى عليهِ جبريلُ ليلةَ القدرِ" .
 وكانَ - صلى الله عليه وسلم - أجودَ الناسِ بالخيرِ، وكانَ أجودَ مَا يكونُ فيِ رمضانَ حينَ يلقاهُ جبريلُ .
 2 - قيامُ اللَّيلِ: إذْ قالَ- صلى الله عليه وسلم -: "منْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ لهُ مَا تقدمَ منْ ذنبهِ" .
 وكانَ - صلى الله عليه وسلم - يحييِ لياليَ رمضانَ، وإذَا كانَ العشر الأواخرُ أيقظَ أهلهُ، وكان صغيرٍ وكبيرٍ يطيقُ الصلاة .
 3 - تلاوةُ القرآنِ الكريمِ: إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يكثرُ من تلاوةِ القرآنِ الكريم في رمضانَ، وكانَ جبريلُ عليه السلام يدارسهُ القرآنَ فيِ رمضانَ .
 وكانَ - صلى الله عليه وسلم - يطيلُ القراءةَ فيِ قيامِ رمضانَ أكثرَ مما يطيلُ في غيرهِ، فقدَ صلى معهُ حذيفةُ ليلةً فقرأَ بالبقرةِ ثم آلِ عمرانَ ثم النساءِ، لَا يمرُّ بآيةِ تخويفٍ إلاَّ وقفَ عندهَا يسألُ، فمَا صلَّى ركعتينِ حتى جاءَ "بلال" فآذنهُ بالصلاةِ كمَا وردَ فيِ الصحيحِ.
 وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "الصِّيامُ والقيامُ يشفعانِ للعبدِ يومَ القيامةِ، يقولُ الصَّومُ: رب منعتُهُ الطَّعامَ والشرابَ بالنَّهارِ، ويقوُل القرآنُ: منعتُهُ النومَ بالليل فشفعنَا بهِ" .
 4 - الاعتكاف: وهوَ ملازمةُ المسجدِ للعبادةِ تقربًا إلَى اللّهِ عز وجل، فقدِ اعتكف - صلى الله عليه وسلم - ولم يزلْ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ منْ رمضانَ حتَّى توفَّاهُ اللّهُ تعالَى كمَا وردَ فيِ الصحيحِ، وقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسّلامُ: "المسجدُ بيتُ كلِّ تقي، وتكفلَ اللَّهُ لمنْ كانَ المسجدُ بيتهُ بالروحِ والرحمةِ والجوازِ علَى الصِّراطِ إلَى رضوانِ اللَّهِ إلَى الجنَّةِ" .
 5 - الاعتمارُ: وهوَ زيارةُ بيتِ اللّهِ الحرامِ للطَّوافِ والسَّعي في رمضانَ، إذْ قالَ - صلى الله عليه وسلم -: "عمرة فيِ رمضانَ تعدلُ حجَّةً معِي" .
 وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "العمرةُ إلَىَ العمرةِ كفَّارةٌ لماَ بينهمَا" .
 المادةُ السادسةُ: فِي ثبوتِ شهرِ رمضانَ: 
يثبتُ دخولُ رمضانَ بأحدِ أمرينِ: أوَّلهمَا كمالُ الشَّهرِ السابقِ عنهُ وهوَ شعبانُ فإذَا تمَّ لشعبانَ ثلاثونَ يومًا، فيومُ الواحدِ والثلاثينَ هوَ أوَّلُ يوم منْ رمضانَ قطعًا، وثانيهمَا رؤيةُ هلالهِ، فإذَا رؤيَ هلالُ رمضانَ ليلةَ الثَّلاثينَ منْ شعبانَ فقدْ دخلَ شهرُ رمضانَ ووجبَ صومهُ لقولهِ تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].
 وقولَ الرَّسولَ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا رأيتمُ الهلالَ فصومُوا وإذَا رأيتموهُ فأفطرُوا فإنْ غمّ عليكم فأكملُوا العدَّةَ ثلاثينَ يومًا" .
 ويكفِي فيِ ثبوتِ رؤيتهِ شهادةُ عدل أوْ عدليِن، إذْ أجازَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - شهادةَ رجل واحد علَى رؤيةِ هلالِ رمضانَ .
 أما رؤيةُ شوَّال للإفطارِ فلَا تثبتُ إلاَّ بشهادةِ عدلينِ؛ إذْ لمْ يُجزِ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - شهادةَ العدلِ الواحدِ فيِ الإفطارِ .
 [تنبيهٌ] من رأَى هلالَ رمضانَ وجبَ عليهِ أنْ يصومَ وإنْ لم تقبلْ شهادتهُ، ومنْ رأَى هلالَ الفطرِ ولم تقبلْ شهادتهُ لَا يفطرُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الصّومُ يومَ تصومونَ، والفطرُ يومَ تفطرونَ، والأضحَى يومَ تضحونَ" .
  

المادة الثالثة فيما يستحب من الصوم، وما يكره، وما يحرم

المادة الثالثة فيما يستحب من الصوم، وما يكره، وما يحرم  
 أ- مَا يستحبُّ منَ الصيامِ: يستحبُّ صيامُ الأيَّامِ التَّاليةِ: 
1 - يومُ عرفةَ لغيرِ الحاجِّ، وهوَ تاسعُ ذِي الحجةِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "صومُ يومِ عرفةَ يكفِّرُ ذنوبَ سنتيِن: ماضيةٍ ومستقبلةٍ، وصومُ عاشوراءَ يكفِّر سنةً ماضيةً" .
 2 - يومُ عاشوراءَ ويومُ تاسوعاءَ وهمَا العاشر والتاسعُ من شهرِ المحرمِ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " وصومُ يومِ عاشوراءَ يكفِّر سنةً ماضية" كمَا صامَ - صلى الله عليه وسلم - يومَ عاشوراءَ وأمرَ بصيامهِ وقالَ: "إذَا كانَ العامُ المقبلُ إنْ شاءَ الله صمنَا اليومَ التَّاسعَ" .
 3 - ستَةُ أيَّامٍ منْ شوَّالٍ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ صامَ رمضانَ وأتبعهُ ستًّا منْ شوَّالٍ كانَ كصيامِ الدهرِ" .
 4 - النِّصفُ الأوَّلُ منْ شهرِ شعبانَ؛ لقولِ عائشةَ - صلى الله عليه وسلم - "مَا رأيتُ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - استكملَ صيَام شهر قط إلاَّ رمضانَ، ومَا رأيتهُ فيِ شهرٍ قط أكثرَ صيامًا منهُ فيِ شعبانَ" .
 5 - العشرُ الأوَّلُ منْ شهرِ ذِى الحجَّة؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا منْ أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهَا أحبُ إلَى اللهِ عز وجل منْ هذهِ الأيامِ -يعني العشرَ الأولَ منْ ذِى الحجّةِ- قالُوا: يَا رسولَ اللَّهِ ولَا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قالَ: ولَا الجهادُ في سبيلِ اللّهِ إلاَّ رجلٌ خرجَ بنفسهِ ومالهِ، ثمَّ لمْ يرجعْ منْ ذلكً بشيءٍ" .
 6 - شهر المحرم؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - عندمَا سئلَ: أيُّ الصيام أفضلُ بعدَ رمضانَ؟ قالَ: "شهرُ اللَّهِ الذِي تدعونهُ المحرمَ" .
 7 - الأيَّامُ البيضُ منْ كلِّ شهرٍ، وهيَ: الثَّالثَ عشرَ والرابعَ عشرَ والخامسَ عشرَ، لقولِ أبِي ذر - رضي الله عنه -: "أمرنَا رسولُ اللّهِ أنْ نصومَ منَ الشَّهرِ ثلاثةَ أيّامٍ البيضٍ: ثلاثَ عشرةَ وأربعَ عشرةَ وخمسَ عشرةَ، وقالَ هيَ كصومِ الدهرِ" .
 8 - 9 - يومُ الاثنيِن ويومُ الخميسِ؛ لماَ رويَ أنهُ - صلى الله عليه وسلم - كانَ أكثرَ مَا يصومُ الاثنينِ والخميسِ، فسُئلَ عنْ ذلكَ فقالَ: "إن الأعمالَ تعرضُ كلَّ اثنيِن وخمِيس فيغفرُ اللَّهُ لكلِّ مسلم أوْ لكلِّ مؤمنٍ إلاَّ المتهاجريْنِ فيقولُ: أخِّرهمَا" .
 10 - صيامُ يومٍ وإفطارُ يومٍ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أحبُّ الصِّيامِ إلَى اللَّهِ صيامُ داودَ، وأحب الصلاةِ إلَى اللهِ صلاةُ داودَ، كانَ ينامُ نصفَ الليلِ ويقومُ ثلثهُ وينامُ سدسهُ، وكانَ يصومُ يومًا ويفطرُ يومًا" .
 11- الصِّيامُ للأعزبِ الَّذِي لم يقدر علَى الزَّواجِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ استطاعَ الباءةَ فليتزوَّجْ، فإنّهُ أغضُّ للبصرِ وأحصنُ للفرجِ، ومنْ لم يستطعْ فعليهِ بالصَّومِ فإنَّهُ لهُ وِجاءٌ" .
 ب- مَا يكرة منَ الصومِ: 
1 - في يومِ عرفةَ لمنْ وقفَ بهَا؛ لنهيهِ - صلى الله عليه وسلم - عنْ صومِ يومِ عرفةَ لمنْ بعرفةَ .
 2 - صيامُ يومِ الجمعةِ منفردًا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إن يومَ الجمعةِ عيدكم فلا تصوموهُ إلاَّ أنْ تصومُوا قبلهُ أوْ بعدهُ" .
 3 - صيامُ يومِ السَّبتِ منفردًا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تصوموا يومَ السبتِ إلاَّ فيمَا افتُرضَ عليكم، وإنْ لم يجدْ أحدكم إلاَّ لحاءَ عنبٍ أوْ عودَ شجرةٍ فليمضغهُ" .
 4 - صومُ آخرِ شعبانَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا انتصفَ شعبانُ فلَا تصوموا" .
 [تنبية]: الكراهةُ فيِ صيامِ هذهِ الأيامِ كراهةُ تنزيهٍ، ومَا يلي كراهتهُ كراهةُ تحريمٍ، وهوَ: 
1 - الوصالُ، وهوَ مواصلةُ الصَّومَ يومينِ فأكثرَ بلَا إفطارِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تواصلُوا" .
 وقولهِ: "إياكم والوصالَ" .
 2 - صومُ يومُ الشك، وهوَ يومُ الثَّلاثينَ منْ شعبانَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ صامَ يومَ الشَّكِّ فقدْ عصَى أبَا القاسمِ" .
 3 - صومُ الدهرِ، وهوَ صومُ السَّنةِ كلهَا بلَا فطرٍ فيهَا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا صامَ منَ صامَ الأبدَ" .
 وقولهِ: "منْ صامَ الأبدَ، فلَا صامَ ولَا أفطرَ" .
 4 - صومُ المرأةِ بلَا إذنِ زوجهَا وهوَ حاضرٌ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تصمِ المرأةُ يومًا واحدًا، وزوجهَا شاهدٌ إلاَّ بإذنهِ، إلاَّ رمضانَ" (10).
 ج- الصومُ المحرم: وهوَ صومُ الأيَّامِ التَّاليةِ: 
1 - صَومُ يومِ العيدِ فطرًا كانَ أوْ أضحَى، لقولِ عمرَ - رضي الله عنه - "هذانِ يومانِ نهَى رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عنْ صومهمَا: يومُ فطركمْ منْ صومكم، واليومُ الَّذِي تأكلونَ فيهِ منْ نسككم" (11).
 2 - أيَّامُ التَّشريقِ الثلاثةِ؛ إذْ "أرسلَ رسولُ اللّهِ صائحًا يصيحُ فيِ "منىً" أنْ لَا تصومُوا هذهِ إلاَّيامَ، فإنَّهَا أيامُ أكلٍ وشرب وبعالٍ" وفيِ لفظٍ وذكرِ اللّهِ.
 3 - أيام الحيضِ والنِّفاسِ؛ إذْ الإجماعُ علَى فسادِ صومِ الحائضِ والنُّفساءِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أليستْ إذَا حاضتْ لم تصل ولم تصم؟ فذلكَ منْ نقصانِ دينهَا" .
 4 - صومُ المرَيضِ الَّذِي يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ؛ لِقَوْلهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].
  

المادة الثانية في فضل الصوم، وفوائده

المادة الثانية في فضل الصوم، وفوائده  
 
أ- فضلهُ: 
يشهدُ لفضلِ الصَّومِ ويقررهُ الأحاديثُ التَّاليةُ: 
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الصيامُ جُنّةٌ منَ النَّارِ، كجُنةِ أحدكم منَ القتالِ" .
 وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "منْ صامَ يومًا فيِ سبيلِ اللهِ عز وجل زحزحَ اللَّهُ وجههُ عنِ النَّارِ بذلكَ اليومِ سبعينَ خريفًا" وقولهُ - صلى الله عليه وسلم -: 
 "إن للصَّائمِ عندَ فطرهِ دعُّوةً لَا ترد" .
 وقولهُ: "إن في الجنةِ بابًا يقالُ لهُ الريانُ، يدخلُ منهُ الصائمونَ يومَ القيامةِ، لَا يدخلُ منهُ أحدٌ غيرهم، يقالُ.
 أينَ الصَّائمونَ؟ فيقومونَ، لَا يدخلُ منهُ أحدٌ غيرهم، فإذَا دخلُوا أغلقَ، فلم يدخلْ منهُ أحدٌ" .
 ب- فوائده: 
للصِّيامِ فوائدُ روحيةٌ واجتماعيةٌ وصحِّيةٌ وهيَ: 
منَ الفوائدِ الروحيَّةِ للصَّومِ أنَّهُ يعوِّدُ الصبرَ ويقوِّي عليهِ، ويعلِّمُ ضبطَ النَّفسِ ويساعدُ عليهِ، ويوجدُ في النفسِ ملكةَ التقوَى ويربِّيهَا، وبخاصَّةٍ التقوَى التي هِي العلةُ البارزةُ منَ الصَّومِ، في قولهِ تعالَىَ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
 ومنَ الفوائدِ الاجتماعيةِ للصَّومِ أنَّهُ يعودُ الأمةَ النِّظامَ والاتِّحادَ، وحب العدلِ والمساواةِ، ويكوِّنُ فيِ المؤمنينَ عاطفةَ الرحمةِ وخُلقَ الإحسانِ، كمَا يصونُ المجتمعَ منَ الشُّرورِ والمفاسدِ.
 ومنَ الفوائدِ الصِّحِّيةِ للصِّيامِ، أنَّهُ يطهِّر الأمعاءَ ويصلحُ المعدةَ، وينظِّفُ البدنَ منَ الفضلاتِ والرواسبِ، ويخفِّفُ منْ وطأةِ السمنِ وثقلِ البطنِ بالشحم.
 وفي الحديثِ عنهُ - صلى الله عليه وسلم -: "صومُوا تصحُّوا" .
  

المادة الاولى في تعريف الصوم، وتاريخ فرضه

المادة الاولى في تعريف الصوم، وتاريخ فرضه  
 
1 - تعريفُ الصومِ: 
الصومُ لغة: الإمساكُ، وشرعًا: الإمساكُ بنيَّةِ التعبدِ عنِ الأكلِ والشربِ وغِشيانِ النِّساءِ، وسائرِ المفطراتِ منْ طلوعِ الفجرِ إلَى غروبِ الشمسِ.
 2 - تاريخ فرضيةِ الصومِ: 
فرضَ اللّهُ عز وجل علَى أمةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - الصيامَ كمَا فرضهُ علَى الأمِ الَّتي سبقتهَا، بقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
 وكانَ ذلكَ فيِ يومِ الاثنيِن منْ شهرِ شعبانَ سنةَ اثنتينِ منَ الهجرةِ المباركةِ.
  

المادة الاولى في حكم الزكاة، وحكمتها، وحكم مانعها

المادة الاولى في حكم الزكاة، وحكمتها، وحكم مانعها  
 
أ- حكمهَا: 
الزكاةُ فريضةُ اللّهِ علَى كل مسلمٍ، ملكَ نصابًا منْ مالٍ بشروطهِ.
 فرضهَا اللّهُ فيِ كتابهِ بقولهِ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103].
 وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267].
 وقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [المزمل: 20].
 وبقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "بُنيَ الإسلامُ علَى خمس: شهادةِ أنْ لَا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وأن محمّدًا رسولُ الله، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، حج البيتِ، وصومِ رمضانَ" .
 وقولهِ: "أمرتُ أنْ أقاتلَ النّاسَ حتى يشهدُوا أنْ لَا إلهَ إلاَّ اللَّهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ، ويقيمُوا الصَّلاةَ ويؤتُوا الزكاةَ، فإذَا فعلُوا ذلكَ عصمُوا مني دماءهم وأموالهم، إلاَّ بحق الإسلامِ وحسابهم علَى اللَّهِ" .
 وقولهِ في وصيةِ معاذِ حينَ بعثهُ إلَى اليمنِ: "إنَّكَ تأتي قوماً أهلَ كتاب، فادعهم إلَى شهادةِ أنْ لَا إلهَ إَلأ الله وأني رسولُ اللهِ، فإنْ هم أطاعوكَ لذلكَ فأعلمهم أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قدِ افترضَ عليهم خمسَ صلواتٍ فيِ كل يوم وليلةٍ، فإنْ هم أطاعوكَ فأعلمهم أنَّهُ قدِ افترضَ عليهم صدقة فيِ أموالهم تؤخذُ منَ أغنيائهم وتُردُّ إلَى فقرائهم، فإنْ هم أطاعوكَ لذلكَ فإياكَ وكرائمَ أموالهم، واتَّقِ دعوةَ المظلومِ، فإنَّهُ ليسَ بينهَا وبينَ اللّهِ حجابٌ" .
 ب- حكمتهَا: 
منَ الحكمةِ فيِ مشروعيةِ الزَّكاةِ مَا يلى: 
1 - تطهيرُ النَّفسِ البشريَّةِ منْ رذيلةِ البخلِ والشُّحِّ، والشَّرهِ والطَّمعِ.
 2 - مواساةُ الفقراءِ، وسدُّ حاجاتِ المعوزينَ والبؤساءِ والمحرومينَ.
 3 - إقامةُ المصالحِ العامَّةِ، الَّتي تتوقَّف عليهَا حياةُ الأمَّة وسعادتهَا.
 4 - التَّحديدُ منْ تضخُّمِ الأموالِ عندَ الأغنياءِ، وبأيدِي التُّجارِ والمحترفينَ؛ كيلَا تحصرَ الأموالُ فيِ طائفةٍ محدودةٍ، أوْ تكونَ دولةً بينَ الأغنياءِ.
 ج- حكمُ مانعهَا: 
منْ منعَ الزكاةَ جاحدًا لفريضتهَا كفرَ، ومنْ منعَ بخلًا معَ إقرارهِ بوجوبهَا أثمَ، وأخذتْ منهُ كرهًا معَ التَّعزير.
 وإنْ قاتلَ دونهَا قوتلَ، حتى يخضعَ لأمرِ اللّهِ ويؤديَ الزكاةَ؛ لقولهِ تعالَى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] قوله - صلى الله عليه وسلم - "أمرتُ أنْ أقاتلَ النَّاسَ حتى يشهدُوا أنْ لَا إلهَ إلاَّ اللَّهُ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، ويقيمُوا الصلاةَ ويؤتُوا الزكاةَ، فإذَا فعلُوا ذلكَ عصمُوا منِّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّ الإسلامِ وحسابهم علَى اللهِ" .
 كمَا أن أبَا بكر الصدِّيقَ - رضي الله عنه - فيِ قتالِ مانعِي الزكاةِ قالَ: "واللّهِ لوْ منعوني عناقًا كانُوا يؤدونهَا إلَى رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليهَا" ووافقهُ الصَّحابةُ علَى ذلكَ، فكانَ إجماعًا منهم.
 المادةُ الثانيةُ: فِي أجناسِ الأموالِ المزكاةِ وغيرهَا: 
أ- النقدانِ: 
النقدان، وهمَا الذهَبُ والفضةُ، ومَا يقومُ بهمَا منْ عروضِ التِّجارةِ ومَا يلحقُ بهمَا منَ المعادنِ والركازِ، ومَا يقومُ مقامهمَا منَ الأوراقِ الماليةِ، لقولهِ تعالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34].
 وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "ليسَ فيمَا دونَ خمس أواقٍ صدقةٌ" .
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "العجماءُ جرحهَا جبارٌ، والبئر جبارٌ، والمعدنُ جبارٌ، وفيِ الركازِ الخمسُ" .
 ب- الأنعامُ: 
الأنعامُ: هيَ الإبلُ والبقر والغنمُ؛ لقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267].
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم - لمنْ سألهُ عنِ الهجرةِ: "ويحكَ إن شأنهَا شديدٌ، فهلْ لكَ منْ إبلٍ تؤدي صدقتهَا؟ قالَ: نعم.
 قالَ: فاعملْ منْ وراءِ البحارِ فإنَّ اللهِ لنْ يتركَ منْ عملكَ شيئاً" .
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "والّذِي لَا إلهَ غيرهُ، مَا منْ رجلٍ تكونُ لهُ إبلٌ أوْ بقرٌ أوْ غنمٌ، لَا يؤدِّي زكاتهَا إلاَّ أتيَ بهَا يومَ القيامةِ أعظمَ مَا تكونُ وأسمنَهُ تطؤهُ بأخفافهَا وتنطحهُ بقرونِها كلمَا جازتْ أخراهَا، ردَّتْ عليهِ أولاهَا حتَّى يُقضَى بينَ الناسِ" .
 ج- الثمرُ والحبوبُ: 
الحبوبُ: هيَ كلُّ مدخر مقتات، منْ قمحٍ وشعيرٍ وفولٍ وحمَّصٍ وجلبانةٍ ولوبياءَ وعدس وذرة وسلت وأرز ونحوهِ.
 وأما الثمرُ: فهوَ التَّمرُ والزَّيتونُ والزبيبُ، لقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267].
 وقولهِ سبحانهُ: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141].
 وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "ليسَ فيمَا دونَ خمسة أوسق صدقةٌ" .
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "فيمَا سقتِ السماءُ والعيونُ أوْ كانَ عثريًّا؛ العشرُ، وفيمَا سقيَ بالنَّضحِ؛ نصفُ العشرِ" .
 د- الأموالُ التِي لَا تزكى، وهيَ: 
1 - العبيدُ والخيلُ والبغالُ والحميرُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ليسَ علَى العبدِ في فرسهِ وغلامهِ صدقةٌ" .
 ولأنهُ لم يثبتْ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - أخذُ الزكاةِ عنِ البغالِ والحميرِ قطُّ.
 2 - المالُ الذِي لم يبلغْ نصابًا إلاَّ أنْ يتطوع صاحبهُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ليسَ فيمَا دونَ خمسِ أوسقٍ صدقةٌ، وليسَ فيمَا دونَ خمسِ أواقٍ منَ الورقِ صدقةٌ، وليسَ فيمَا دونَ خمسِ ذودٍ منَ الإبلِ صدقةٌ" .
 3 - الفواكهُ والخضراواتُ، إذْ لم يثبتْ فيِ زكاتهَا عنِ الرسولِ شيءٌ، ييدَ أنَّهُ يستحبُّ إعطاءُ شيءٍ منهَا للفقراءِ والجيرانِ؛ لعمومِ قولهِ تعالَى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ}.
 4 - حليُّ النساء إذَا لم يقصدْ بهِ غيرُ الزينةِ، فإنْ قصدَ بهِ معَ الزِّينةِ الادِّخارُ لوقتِ الحاجةِ فإنهُ تجبُ فيهِ الزكاةُ لماَ شابهَ منْ معنَى الادِّخارِ.
 5 - الجواهرُ الكريمةُ كالزُّمردِ والياقوتِ واللُّؤلؤِ، وسائرِ الجواهرِ، إلاَّ أنْ تكونَ للتِّجارةِ فتجبُ الزكاةُ فيِ قيمتهَا كعروضِ التِّجارةِ.
 6 - العروضُ الٌتي للقنيةِ لَا للتِّجارةِ كالفرسِ ونحوهَا، وكذَا الدُّورُ والمصانعُ والسَّياراتُ فلَا زكاةَ فيهَا؛ إذْ لم يردْ عنِ الشَّارعِ زكاتهَا.
  

المادة الاولى فيما ينبغي من لدن المرض الى الوفاة

المادة الاولى فيما ينبغي من لدن المرض الى الوفاة  
 
1 - وجوبُ الصبرِ: 
ينبغِي للمسلمِ إذَا نزلَ بهِ ضرٌّ أنْ يصبرَ فلَا يتسخطَ ولَا يظهرَ الجزعَ؛ إذْ أمرَ اللّهُ ورسولهُ بالصبرِ فِي غيرِ مَا آيةِ وحديثٍ، غيرَ أنَّهُ لَا بأسَ أنْ يقولَ المريضُ إذَا سئلَ عنْ حالهِ: إنِّي مريضٌ، أوْ بي ألمٌ، والحمدُ للّهِ علَى كلِّ حال.
 2 - استحبابُ التداوِي: 
يستحبُّ للمسلمِ المريضِ التَّداوِي بالأدويةِ المبَاحةِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللهَ لم ينزِّلْ داءً إلاَّ أنزلَ لهُ شفاء فتداووْا" .
 غيرَ أنَّهُ لَا يجوزُ التداوِي بالمحرمِ كالخمرِ والخنزيرِ ونحوهمَا؛ لقولِ الرسولِ: "إن اللهَ لم يجعلْ شفاءكُم فيمَا حرَّمَ عليكم" .
 3 - جوازُ الاسترقاءِ: 
يجوزُ للمسلمِ الاسترقاءُ بالآياتِ القرآنيةِ والأدعيةِ النَّبويَّةِ والكلامِ الطيب لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا بأسَ بالرُّقَى مَا لم يكنْ فيهِ شركٌ" .
 4 - تحريمُ التمائمِ والعزائمِ: 
يحرمُ تعليقُ التمائمِ واستعمالُ العزائمِ، فلَا يجوزُ للمسلم أنْ يعلقَ تميمةً لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ علقَ تميمةً فقدْ أشركَ" .
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ علقَ تميمةً فلَا أتم اللّهُ لهُ، ومنْ علقَ ودعةً فلَا ودعَ الله لهُ" .
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم - للّذِي أبصرَ علَى يدهِ حلقةً منْ صفرٍ: "ويحكَ مَا هذهِ؟ ".
 قالَ: منَ الواهنةِ، قالَ: "انزعهَا، فإنهَا لَا تزيدكَ إلاَّ وهنًا، وإنَّكَ لو مت وهيَ عليكَ مَا أفلحتَ أبدًا" .
 5 - بعضُ مَا كان يستشفِي بهِ - صلى الله عليه وسلم -: 
كانَ عليهِ الصلاة والسلامُ يضعُ يدهُ الشَّريفةَ علَى المريضِ ويقولُ: "اللهم رب النَّاسِ أذهبِ البأسَ.
 اشفِ أنتَ الشَّافِي.
 لَا شفاءَ إلاَّ شفاؤكَ شفاءً لَا يغادرُ سقمًا" .
 وقالَ للَّذِي شكَا إليهِ وجعًا: "ضعْ يدكَ علَى الَّذِي يألمُ منْ جسدكَ وقلْ: باسمِ اللهِ ثلاثًا وقلْ سبعَ مراتٍ: أعوذُ باللهِ وقدرتهِ منْ شر مَا أجدُ وأحاذرُ" .
 كمَا روَى مسلمٌ أيضًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتكَى فرقاُه جبريلُ -عليهِ الصلاة والسلامُ- بقولهِ: "باسمِ اللَّهِ أرقيكَ منْ كل شيء يؤذيكَ، منْ شر كل نفس، أوْ عيِن حاسدٍ، اللَّهُ يشفيكَ باسمِ اللَّهِ أرقيكَ" .
 6 - جوازُ استطبابِ الكافرِ والمرأةِ: 
أجمعَ المسلمونَ علَى جوازِ مداواةِ الكافرِ -إذَا كانَ أمينًا- للمسلمِ، وعلَى جوازِ مداواةِ الرجلِ للمرأةِ، والمرأةِ للرجلِ فِي حالِ الضرورةِ، إذِ استخدمَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - بعضَ المشركينَ فِي بعضِ الشؤونِ وكانَ نساءُ الصحابةِ يداوينَ الجرحَى فِي الجهادِ علَى عهدِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - .
 7 - جوازُ اتخاذِ المحاجرِ الصِّحيةِ: 
يجوزُ بلْ يستحب أنْ يجعلَ أصحابُ الأمراضِ المعديةِ في جناح خاص منَ المستشفياتِ، وأنْ يمنعَ الأصحَّاءُ منَ الاتِّصالِ بهم سوَى ممرضيهم؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِ الإبل: "لَا يوردُ ممرِضٌ علَى مصحٍّ" فإذَا كانَ هذَا فِي الحيوانِ ففِي الإنسانِ منْ بابِ أولَى، ولقولهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الطَاعونِ: "إذَا وقعَ بأرض وأنتم بهَا فلَا تخرجُوا منهَا، وإذَا وقعَ بأرضٍ ولستم بهَا فلَا تهبطُوا عليهَا" .
 وأمَّا قولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا عدوَى ولَا طيرةَ" .
 فمعناهُ لَا عدوَى مؤثِّرةٌ بنفسهَا، أيْ بدونِ إرادةِ اللّهِ ذلكَ؛ إذْ لَا يقعُ فِي ملكِ اللّهِ مَا لَا يريدُ، وهذَا غيرُ مانعٍ منْ اتِّخاذِ سببِ الوقايةِ معَ اعتقادِ أنْ لَا واقيَ إلاَّ اللّهُ، وأنَّ الَّذِي لَا يقيهِ اللّهُ لَا يمكن أنْ يسلمَ.
 وقد سئلَ - صلى الله عليه وسلم - عنْ الجملِ الأجربِ فقالَ: "ومنْ أعدَى الأوَّلَ؟ " .
 فأخبرَ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ التَّأثيرَ للّهِ وحدهُ، وأن مَا شاءَ كانَ ومَا لم يشأَ لم يكنْ.
 8 - وجوبُ عيادةِ المريضِ: 
يجبُ علَى المسلمِ عيادةُ أخيهِ المسلمِ إذَا مرضَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أطعمُوا الجائعَ وعودُوا المريضَ، وفكُّوا العانيَ -الأسيرَ-" .
 ويستحبُّ لهُ إذَا عادهُ فِي مرضهِ أنْ يدعوَ لهُ بالشِّفاءِ وأنْ يوصيهُ بالصَّبرِ، وأنْ يقولَ لهُ مَا يطيبُ بهِ نفسهُ، كمَا يستحبُّ لهُ أنْ لَا يطيلَ الجلوسَ عندهُ.
 وكانَ - صلى الله عليه وسلم - إذَا عادَ مريضًا قالَ لهُ: "لَا بأسَ، طهورٌ إنْ شاءَ اللَّهُ" .
 فليقلِ المسلمُ ذلكَ لأخيهِ.
 9 - وجوبُ حسنِ الظنّ بالله حالَ المرضِ: 
ينبغِي للمسلمِ إذَا مرضَ وأشرفَ أنْ يحسنَ الظَّنَّ باللّهِ تعالَى منْ أنَّهُ سبحانهُ سوفَ يرحمهُ ولَا يعذِّبهُ، ويغفر لهُ ولَا يؤاخذهُ، وأنَّهُ واسعُ المغفرةِ ورحمتهُ وسعتْ كلّ شيء؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يموتنَّ أحدكم إلاَّ وهوَ يحسنُ باللَّهِ الظَنَّ" .
 10 - تلقينُ الميِّت: 
ينبغِي للمسلمِ إذَا عاينَ احتضارَ أخيهِ أنْ يلقِّنهُ كلمةَ الإخلاصِ فيقولَ عندهُ: "لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ"، يذكِّرهُ بهَا حتَّى يذكرهَا ويقولهَا، فإذَا قالهَا كفّ عنهُ، وإنْ هوَ تكلَّمَ بكلامٍ غيرهَا أعادَ تلقينهُ رجاءَ أنْ يكونَ آخر كلامهِ لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ فيدخلَ الجنّةَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لقنُوا موتاكمْ لَا إلهَ إلاَّ اللَّهُ" .
 وقولهِ: "منَ كانَ آخر كلامهِ لَا إلهَ إلاَّ اللَّهُ دخلَ الجنَّةَ" .
 11 - توجيهُ المحتضرِ إلَى القبلةِ: 
ينبغِي أنْ يوجَّهَ المحتضر -وهوَ الّذِي ظهرتْ عليهِ علاماتُ الموتِ- إلَى القبلةِ مضطجعًا علَى شقِّهِ الأيمنِ، وإنْ لم يمكنْ فمستلقيًا علَى ظهرهِ ورجلاة إلَى القبلةِ، وإنِ اشتدّتْ به سكراتُ الموتِ قرئتْ عليهِ سورةُ "يسَ" رجاءَ أنْ يخففَ الله تعالَى عنه ببركتهَا، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا منْ ميتٍ يموت فتقرأَ عنده "يسَ" إلاَّ هونَ الله عليهِ" .
 12 - تغميضُ عينيهِ وتسجيتهُ: 
إذَا فاضتْ روح المسلمِ وجبَ تغميض عينيهِ وسترهُ بغطاءٍ وأنْ لَا يقالَ عندة إلاَّ خيرًا: "اللَّهم اغفر له.
 اللهم ارحمهُ" لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - "إذَا حضرتمُ المريضَ أوِ الميتَ فقولُوا خيرًا فإنّ الملائكةَ يؤمِّنونَ علَى مَا تقولونَ" .
 ودخلَ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - علَى أبي سلمةَ وقدْ شقَّ بصره عندمَا ماتَ فأغمضه ثمّ قالَ: "إنَّ الروحَ إذَا قبضَ تبعهُ البصر" فضجّ ناسٌ منْ أهلهِ فقالَ: "لَا تدعُوا علَى أنفسكم إلاَّ بخيرٍ فإنَّ الملائكةَ يؤمِّنونَ علَى مَا تقولونَ" .
 المادةُ الثانيةُ: فيمَا ينبغِي من وفاتهِ إلَى دفنهِ: 
1 - الإعلانُ عن وفاتهِ: 
يستحب أنْ تعلنَ وفاة المسلمِ فِي أقربائهِ وأصدقائهِ والصَّالحينَ منْ أهلِ بلدهِ ليحضروا جنازتهُ، فقدْ نعَى رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّجاشيَّ للنَّاسِ لماَّ ماتَ فِي الصحيحِ كمَا نعَى زيدًا وجعفرًا.
 وعبدَ اللّهِ بنِ رواحةَ لمَّا استشهدُوا.
 وإنَّما النَّعي المنهيّ عنهُ هوَ مَا كانَ فِي الشَّوارعِ، وعلَى أبوابِ المساجدِ بصوتٍ مرتفعٍ وصياحٍ فمثلُ ذلكَ منهيٌّ عنة شرعًا.
 2 - تحريمُ النِّياحةِ، وجواز البكاءِ: 
يحرمُ النوح والصُّراخُ علَى الميتِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ الميِّتَ ليعذب ببكاءِ الحيّ" .
 وقولهِ: "منْ نيحَ عليهِ فإنَّه يعذَّبُ بمَا نيحَ عليهِ يومَ القيامةِ" .
 وكانَ - صلى الله عليه وسلم - يأخذ البيعةَ علَى النِّساءِ أنْ لَا ينُحنَ، قالته أمُّ عطيةِ - رضي الله عنها - في الصَّحيح، وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "إنى بريءٌ منَ الصَّالقةِ والحالقةِ والشّاقَّةِ" .
 أمَّا البكاءُ فلَا بأسَ بهِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - لماَّ توفيِّ ولدهُ إبراهيمُ: "إنَّ العينَ تدمعُ والقلبَ يحزنُ، ولَا نقولُ إلاَّ مَا يرضِي ربنَا، وإنّا بفراقكَ يَا إبراهيمُ لمحزونونَ" .
 وبكَى - صلى الله عليه وسلم - لموتِ أمامةَ بنتِ ابنتهِ زينبَ، فقيلَ لهُ: يَا رسولَ اللّهِ، أتبكِي، أوْ لم تنهَ عنِ البكاءِ؟ فقالَ: "إنّمَا هيَ رحمةٌ جعلهَا الله فيِ قلوبِ عبادهِ، وإنَّمَا يرحمُ اللَّهُ منْ عبادهِ الرحماءَ" .
 3 - تحريمُ الإحدادِ أكثرَ مق ثلاثةِ أيام: 
يحرمُ أنْ تحدَّ المسلمةُ علَى ميت لهَا أكثر منْ ثلاثةِ أيام إلاَّ علَى زوجهَا، فإنَّهَا تحدُ وجوبًا أربعةَ أشهرٍ وعشرا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تحدُّ المرأةُ علَى ميتٍ فوقَ ثلاثٍ إلاَّ علَى زوج، فإنهَا تحدُّ عليهِ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا" .
 4 - قضاءُ ديونهِ: 
تنبغِي المبادرةُ بقضاءِ ديونِ الميتِ إنْ كانَ عليهِ ديونٌ، إذْ كانَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - يمتنعُ منَ الصَّلاةِ علَى صاحبِ الدَّينِ حتَى يُقضَى دينهُ.
 وقالَ: "نفس المؤمنِ معلَّقةٌ بدينهِ، حتى يُقضَى عنهُ" .
 5 - الاسترجاعُ، والدعاءُ، والصبرُ: 
ينبغِي لأهلِ الميتِ أنْ يلزمُوا الصَّبرَ فيِ هذهِ الساعةِ بالخصوصِ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الصَبرُ عندَ الصَّدمةِ الأولَى" .
 وأنْ يكثروا منَ الدُّعاءِ والاسترجاعِ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا منْ عبدٍ تصيبهُ مصيبةٌ فيقولُ: إنَّا للهِ وإنَا إليهِ راجعونَ، اللهم آجرني في مصيبتِي وأخلفْ لي خيرًا منهَا، إلاَّ آجرهُ اللَّهُ تعالَى فيِ مصيبتهِ، وأخلفَ لهُ خيرًا منهَا" .
 وقولهِ: "يقولُ اللَّهُ تعالَى: "مَا لعبدِي المؤمنِ عندِي جزاءٌ، إذَا قبضتُ صفيَّهُ منْ أهلِ الدُّنيَا ثمَّ احتسبهُ إلاَّ الجنةَ" .
 6 - وجوبُ تغسيلهِ: 
إذَا ماتَ المسلمُ صغيرًا أوْ كبيرًا وجبَ تغسيلهُ، سواءٌ كانَ جسدهُ كاملًا أوْ كانَ بعضهُ فقطْ، والذِي لَا يغسَّلُ منْ موتَى المسلمينَ هوَ شهيدُ المعركةِ الَّذِي سقطَ قتيلاً بأيدِي الكفّارِ، فيِ ميدانِ الجهادِ فيِ سبيلِ اللّهِ تعالَى؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تغسِّلوهم؛ فإن كل جرحٍ، أوْ كلَّ دم يفوحُ مسكًا يومَ القيامةِ" .
 7 - صفةُ غسلِ الميتِ: 
لوْ أفرغَ الماءُ علَى جسدِ الميِّتِ، وذلكَ حتَّى عمَّ الماءُ سائرهُ لأجزأَ ذلكَ، ولكن الصِّفةَ المستحبةَ الكاملةَ هيَ: 
أنْ يوضعَ الميتُ علَى شيء مرتفعٍ، ويتولَّى غسلهُ أمينٌ صالحٌ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ليغسِّلْ موتاكمُ المأمونونَ" ، فيعصرُ بطنهُ برفقٍ لماَ عسَى أنْ يخرجَ منهُ منْ أذىً ثمَّ يلفُّ علَى يدهِ خرقةً، وينوِي غسلهُ، ثم يغسلُ فرجهُ، ومَا بهِ منْ أذى، ثم ينزعُ الخرقةَ ويوضِّئهُ وضوءَ الصلاةِ، ثم يغسلُ سائرَ جسدهِ بادئًا بأعلاهُ إلَى أسفلهِ، يغسلهُ ثلاثًا، وإنْ لم يحصلْ نقاءٌ غسلهُ خمسًا، ويجعلُ فيِ الغسلاتِ الأخيرةِ صابونًا ونحوهُ.
 وإنْ كانَ الميتُ مسلمةً، نقضتْ ضفائر شعرهَا وغسلتْ، ثم أعيدَ ضفرهَا؛ إذْ أمرَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أنْ يفعلَ بشعرِ ابنتِه هكذَا" .
 ثم يوضعُ عليهِ الحنوطُ، الطيبُ ونحوهُ.
 8 - من عُجِزَ عن غسلهِ يُمِّمَ: 
إذَا لم يوجدْ ماءٌ لغسلِ الميتِ، أوْ ماتَ رجلٌ بين نساءٍ أوْ امرأةٌ بينَ رجالٍ يمِّمَ وكفِّنَ، وصلِّي عليهِ ودفنَ، ويقومُ التّيممُ مقامَ الغسلِ عندَ العجزِ، كالجنبِ إذَا عجزَ عنِ الغسلِ تيمّمَ وصلّى؛ وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا ماتتِ المرأةُ معَ رجالٍ ليسَ معهمُ امرأة غيرهَا، والرجلُ معَ النِّساءِ ليسَ معهنّ رجل غيرهُ، فإنهمَا يُيمَّمانِ ويدفنانِ" .
 وهمَا بمنزلةِ منْ لم يجدِ الماءَ.
 9 - تغسيلُ أحدِ الزوجينِ صاحبهُ: 
يجوزُ للرجلِ أنْ يغسِّلَ امرأتهُ، وللمرأةِ أنْ تغسلُ زوجهَا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ - رضي الله عنها -: "لَو متِّ لغسلتكِ وكفَّنتكِ" .
 ولأن عليَّا - رضي الله عنه -، غسَّلَ فاطمةَ - رضي الله عنها - .
 كمَا يجوزُ للمرأةِ، أنْ تغسلَ الصبي ابنَ ستِّ سنواتٍ فأقلَّ.
 وأما تغسيلُ الرجلِ الصَّبيةَ فقدْ كرههُ أهلُ العلمِ.
 10 - وجوبُ تكفينهِ: 
يجبُ أنْ يكفنَ المسلمُ إذَا غسلَ، بمَا يسترُ سائرَ جسدهِ، فقدْ كفِّنَ مصعبُ بنُ عميرٍ منْ شهداءِ أحد - رضي الله عنه - فيِ بردةٍ قصيرةٍ، فأمرهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يغطوا رأسهُ وجسدهُ، وأنْ يغطوا رجليهِ بالإذخرِ -نباتٌ-" .
 فدلّ هذَا علَى فرضيةِ تغطيةِ سائرِ الجسدِ.
 11 - استحبابُ بياضِ الكفنِ ونظافتهِ: 
يستحب أنْ يكونَ الكفنُ أبيضَ نظيفًا، جديدًا كانَ أوْ قديمًا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "البسُوا منْ ثيابكم البياضَ، فإنهَا منْ خيرِ ثيابكم، وكفِّنُوا فيهَا موتاكم" .
 كمَا يستحبُ أنْ يجمرَ الكفنُ بالعودِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا أجمرتمْ الميتَ فأجمروهُ ثلاثًا" .
 وأنْ يكونَ ثلاثَ لفائفَ للرجلِ، وخمسًا للمرأةِ، فقدْ كفِّنَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - فيِ ثلاثِ ثيابٍ بيضٍ سحوليةٍ جددٍ، ليسَ فيهَا قميصٌ ولَا عمامةٌ، إلاَّ المحرمَ فإنَهُ يكفّنُ في إحرامهِ: ردائهِ وإزارهِ فقطْ ولَا يطيَّبُ ولَا يغطَّى رأسهُ إبقاءً علَى إحرامهِ؛ لقولهِ- صلى الله عليه وسلم - في الّذِي وقعَ منْ علَى راحلتهِ يومَ عرفاتٍ فماتَ: "غسِّلوهُ بماء وسدرٍ وكفنوهُ فيِ ثوبيهِ، ولَا تحَنطوهُ، ولَا تخمِّروا رأسهُ، فإنَّهُ يبعثُ يومَ القيامةِ ملبيا" .
 ولَا تخمِّرُوا: أيْ لَا تغطوا.
 12 - كفنُ الحريرِ: 
يحرمُ أنْ يكفَّنَ المسلمُ فيِ ثوب حريرٍ؛ إذْ الحريرُ محرمٌ لبسهُ علَى الرجالِ، فيحرمُ تكفينهم فيهِ.
 وأمَّا المسلمةُ فإنَّهُ وإنْ كانَ لبسُ الحريرِ حلالَا لهَا، فإنَّهُ يكرهُ لهَا أنْ تكفَّنَ فيهِ؛ لأنهُ إسراف ومغالاةٌ نهَى عنهمَا الشَّارعُ، فقدْ رويَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تغالُوا بالكفنِ فإنَّهُ يسلبُ سريعًا" .
 وقالَ أبُو بكر - رضي الله عنه -: "إنَّ الحي أولَى بالجديدِ منَ الميتِ، إنَّمَا هوَ للمُهلةِ -القيحُ أوِ الصديدُ يسيلُ منَ الميِّتِ-" .
 13 - الصلاة عليهِ: 
والصَّلاةُ علَى المسلمِ إذَا ماتَ فرضُ كفايةٍ كغسلهِ وكفنهِ ودفنهِ، إذَا قامَ بهَا بعضُ المسلمينَ يسقطُ عنِ الباقينَ، فقدْ كانَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي علَى أمواتِ المسلمينَ، حتَّى إنَّهُ كانَ قبلَ أنْ يلتزمَ بديونِ المؤمنينَ إذَا ماتَ المسلمُ وتركَ دينًا لم يقضَ يمتنعُ منَ الصَّلاةِ عليهِ، ويقولُ: صلوا علَى صاحبكم .
 14 - شروطُ الصَّلاةِ علَى الميِّتِ: 
يشترط للصَّلاةِ علَى الجنازةِ، مَا يشترط للصَّلاةِ منْ طهارةِ الحدثِ والخبثِ، وسترِ العورةِ، واستقبالِ القبلةِ؛ لأنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - صلاةً، فقالَ: "صلُّوا علَى صاحبِكم" فتعطَى إذا حكْمَ الصَّلاةِ فيِ شروطهَا.
 15 - فروضهَا: 
فروض صلاةِ الجنازةِ هيَ: القيام للقادرِ عليهِ، والنِّية؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّمَا الأعمال بالنِّيَّاتِ" وقراءة الفاتحةِ، أوِ الحمد والثناءُ علَى اللّهِ، والصلاة والسَّلام علَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، والتَّكبيرات الأربعُ، والدُّعاء، والسلام.
 16 - كيفيَّتهَا: 
وكيفيَّتهَا هيَ: أنْ توضعَ الجنازةُ أوِ الجنائزُ قبلةً، ويقفَ الإمامُ والنَّاسُ وراءة ثلاثةَ صفوف فأكثرَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "من صلَّى عليهِ ثلاثة صفوف فقدْ أوجبت" .
 فيرفعَ يديهِ ناويا الصَّلاةَ علَى الميِّتِ أوِ الأمواتِ إنْ تعدَّدُوا، قائلاً: اللّهُ أكبرُ، ثم يقرأَ الفاتحةَ أوْ يحمدَ اللّهَ عزَّ وجلّ ويثني عليهِ، ثمَّ يكبرَ رافعًا يديهِ إنْ شاءَ، أوْ يتركهمَا علَى صدرهِ، اليمنَى فوقَ اليسرَى، ويصلِّي علَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ الإبراهيميةَ، ثم يكبرَ ويدعوَ للميتِ، ثم يكبرَ، وإنْ شاءَ دعَا وسلَّمَ، أو سلَّمَ بعدَ التَّكبيرةِ الرابعةِ مباشرةً تسليمة واحدةً؛ لماَ رويَ أنْ السّنةَ فيِ الصَّلاةِ علَى الجنازةِ أنْ يكبرَ الإمام، ثمَّ يقرأَ بفاتحةِ الكتابِ بعدَ التكبيرةِ الأولَى سرًّا فيِ نفسهِ، ثمَّ يصلِّي علَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ويخلصَ الدعاءَ للجنازةِ في التَّكبيراتِ، ولَا يقرأَ في شيءٍ منهنَّ ثمَّ يسلّمَ سرًّا فيِ نفسهِ .
 17 - المسبوقُ فِي صلاةِ الجنازةِ: 
والمسبوقُ إنْ شاءَ قضَى مَا فاتهُ منِ التَّكبيرِ متتابعًا، وإنْ شاءَ تركَ وسلَّمَ معَ الإمامِ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ- وقدْ سألتهُ أنَّهُ يخفَى عليهَا بعضُ التَّكبيرِ لَا تسمعهُ-: "مَا سمعتِ فكبِّرِي ومَا فاتكِ فلَا قضاءَ عليكِ" احتجَّ بهذَا الحديثِ صاحبُ المغني، ولم أقفْ لهُ علَى تخريجٍ.
 18 - من دفنَ ولم يصل عليهِ: 
منْ دفنَ ولم يصلَّ عليهِ صُليَ عليهِ وهوَ في قبرهِ، إذْ صلَّى رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - علَى التي تقم المسجدَ بعدَ أنْ دفنتْ وصلى أصحابهُ خلفهُ .
 كمَا يصلى علَى الغائبِ ولو بعدتِ المسافةُ، إذْ صلى - صلى الله عليه وسلم - علَى النجاشي وهوَ فيِ الحبشةِ والرسولُ والمؤمنونُ فيِ المدينةِ المنوَّرةِ .
 19 - ألفاظُ الدعاءِ: 
رويتْ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - ألفاظُ أدعيةٍ كثيرةٍ منهَا مَا يلي -وأيُ لفظٍ استعملَ منهَا أجزأَ-: "اللهمَّ إن فلانا ابنَ فلانٍ في ذمتكَ وحبلِ جواركَ فقِهِ منْ فتنةِ القبرِ وعذابِ النَّارِ، أنتَ أهلُ الوفاءِ والحق.
 اللهمَّ فاغفر لهُ وارحمهُ فإنكَ أنتَ الغفورُ الرحيمُ.
 اللهم اغفرَ لحيِّنَا وميِّتنا وصغيرنَا وكبيرنَا وذكرنَا وأنثانَا وحاضرِنا وغائبنَا.
 اللهم منْ أحييتهُ منّا فأحيهِ علَى الإسلامِ، ومنْ توفيتهُ منَّا فتوفَّهُ علَى الإيمانِ.
 اللهم لَا تحرمنَا أجرهُ ولَا تضلنَا بعدهُ".
 وإنْ كانَ الميتُ صبيًّا قالَ: "اللهم اجعلهُ لوالديهِ سلفًا وذخرًا وفرطًا وثقِّلْ بهِ موازينهم وأعظم بهِ أجورهم، ولَا تحرمنَا وإيّاهم أجرهُ ولَا تفتنَّا وإياهم بعدهُ.
 اللهم ألحقهُ بصالحِ سلفِ المؤمنينَ فيِ كفالة إبراهيمَ، وأبدلهُ دارًا خيرًا من دارهِ وأهلًا خيرًا منْ أهلهِ، وعافهِ منْ فتنةِ القبرِ، ومنْ عذابِ جهنمَ".
 20 - تشييعُ الجنازةِ وفضلهُ: 
منْ السنَّةِ تشييعُ الجنازةِ وهوَ الخروجُ معهَا، وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "عودُوا المريضَ وامشُوا معَ الجنازةِ تذكِّركمُ الآخرةَ" والإسراعُ بهَا لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أسرعُوا فإنْ تكُ صالحة فخيرٌ تقدِّمونهَا إليهِ، وإنْ تكُ سوَى ذلكَ فشرٌّ تضعونهُ عنْ رقابكم" .
 كمَا يستحبُّ المشي أمامهَا، إذْ "كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأبُو بكر وعمرُ يمشونَ أمامَ الجنازةِ" .
 وأما فضلُ التشييعِ فقدْ قالَ فيهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منِ اتبعَ جنازةَ مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا، وكانَ معهَا حتى يصلّى عليهَا ويفرغَ منْ دفنهَا فإنّهُ يرجعُ منَ الأجرِ بقيراطينِ، كلُّ قيراطٍ مثلُ أحدٍ، ومنْ صلَّى عليهَا ثم رجعَ قبلَ أنْ تدفنَ فإنَّهُ يرجعُ بقيراطٍ" .
 21 - مَا يكرهُ عندَ التشييعِ: 
يكرهُ خروجُ النِّساءِ معَ الجنازةِ لقولِ أمِّ عطيةَ - رضي الله عنها -: "نهينَا أنْ نتبعَ الجنائزَ ولم يعزمْ علينَا" .
 كمَا يكرهُ رفعُ الصوتِ عندهَا بذكرٍ أوْ قراءةٍ أوُ غيرهَا، إذْ كانَ أصحابُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يكرهونَ رفعَ الصَّوتِ عندَ ثلاثٍ: عندَ الجنازةِ وعندَ الذِّكرِ وعندَ القتالِ .
 كمَا يكرهُ الجلوسُ قبلَ أنْ توضعَ الجنازةُ منْ علَى الأعناقِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا اتّبعتم جنازةَ فلَا تجلسُوا حتى توضعَ بالأرضِ" .
 22 - دفنهُ: 
دفنُ الميِّتِ، وهوَ مواراةُ جسدهِ كاملاً بالتُّرابِ فرضُ كفايةٍ؛ لقولهِ تعالَى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21] وَلَهُ أَحْكَامٌ مِنْهَا: 
1 - أنْ يعمَّقَ القبرُ تعميقا يمنعُ وصولَ السباعِ والطَّيرِ إلَى الميِّتِ ويحجبُ رائحتهُ أنْ تخرجَ فتؤذيَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "احفروا وأعمقُوا وأحسنُوا وادفنَوا الاثنيِن والثَّلاثةَ في قبر واحدٍ، فقالُوا: منْ نقدِّمُ يَا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: قدِّمُوا أكثرهم قرآنًا" .
 2 - أنْ يلَحدَ في القبرِ؛ إذِ اللَّحدُ أفضلُ، وإنْ كانَ الشّق جائزا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اللحدُ لنَا والشَّقّ لغيرنَا" .
 واللّحَدُ: هوَ الحفر فيِ جانبِ القبرِ الأيمنِ، والشَّقُّ: هوَ الحفر فيِ وسطِ القبرِ.
 3 - يستحبُّ لمنْ حضرَ الدَّفنَ أنْ يحثوَ ثلاثَ حثياتٍ منَ الترابِ بيدهِ فيرميَ بهَا فيِ القبرِ منْ جهةِ رأسِ الميِّتِ، لفعلِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ كمَا ذكرهُ ابنُ ماجه بسندٍ لَا بأسَ بهِ.
 4 - أنْ يدخلَ الميتُ من مؤخَّرِ القبرِ إذَا تيسرَ ذلكَ، وأنّ يوجَّهَ إلَى القبلةِ موضوعًا علَى جنبهِ الأيمنِ.
 وأنْ تحلَّ أربطةُ كفنهِ، وأنْ يقولَ واضعهُ: بسمِ اللّهِ وعلَى ملَّةِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ لفعلِ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ .
 5 - أنْ يغطَّى قبر المرأةِ بثوبٍ أثناءَ وضعهَا فيِ قبرهَا؛ إذ كانَ السَلفُ يسجُّونَ قبرَ المرأةِ حالَ وضعهَا دونَ قبرِ الرجلِ.
 المادةُ الثالثةُ: فيمَا ينبغِي بعدَ الدفنِ: 
1 - الاستغفارُ للميتِ والدعاءُ لهُ: 
يستحبُّ لمنْ حضرَ الدَّفنَ أنْ يستغفرَ للميتِ، وأنْ يسألَ لهُ التَّثبيتَ فيِ المسألةِ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "استغفرُوا لأخيكم وسلُوا لهُ التثبيتَ فإنَّهُ الآنَ يُسألُ" كانَ يقولهُ عندَ الفراغِ منْ الدَّفنِ، وكانَ بعضُ السَّلفِ يقولُ: اللَّهم هذَا عبدكَ نزلَ بكَ، وأنتَ خيرُ منزول بهِ، فاغفر لهُ ووسِّعْ مدخلهُ.
 2 - تسطيحُ القبرِ أو تسويتهُ: 
ينبغِي أنْ يسوَّى القبرُ بالأرضِ لأمرهِ - صلى الله عليه وسلم - بتسويةِ القبورِ بالأرضِ، غيرَ أنَّ تسنيمَ القبرِ جائز وهوَ رفعُ القبرِ قدرَ شبرٍ مسنَّمًا واستحبهُ الجمهورُ؛ لأنّ قبرَ النبي كانَ مسنّمًا.
 ولَا بأسَ بوضعِ العلامةِ علَى القبرِ ليعرفَ بهَا منْ حجر ونحوهَا، لأنّهُ - صلى الله عليه وسلم - علّمَ قبرَ عثمانَ بنَ مظعونٍ - رضي الله عنه - بصخرةٍ، وقالَ: "أتعلّمُ بهَا قبرَ أخِي، وأدفنُ إليهِ منْ ماتَ منْ أهلي".
 3 - تحويمُ تجصيصِ القبرِ والبناءِ عليهِ: 
يحرمُ تجصيصُ القبرِ أوِ البناءُ عليهِ، لماَ روَى مسلمٌ أنَّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - نهَى أنْ يجصَّصَ القبرُ أوْ يبنى عليهِ.
 4 - كراهيةُ الجلوسِ علَى القبورِ: 
يكرهُ للمسلم أنْ يجلسَ علَى قبرِ أخيهِ المسلمِ أوْ يطأهُ برجلهِ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تجلسُوا علَى القبورِ، ولَا تصلُّوا إليهَا" .
 وقولهِ: "لأنْ يجلسَ أحدكم علَى جمرة فتحرِّقَ ثيابهُ فتخلصَ إلَى جلدهِ خيرٌ منْ أنْ يجلسَ على قبر" .
 5 - تحريمُ بناءِ المساجدِ علَى القبورِ: 
يحرمُ بناء المساجدِ علَى القبورِ، واتِّخاذ السُّرجِ عليهَا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لعنَ الله زوَّاراتِ القبورِ والمتَّخذاتِ عليهَا المساجدَ والسرجَ" .
 وقولهِ: "لعنَ اللَّهُ اليهودَ اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ" .
 6 - تحريمُ نبشِ القبرِ ونقلِ رفاتهِ: 
يحرمُ نبش القبورِ ونقل رفاةِ أهلهَا، أوِ إخراجِ أصحابهَا منهَا إلاَّ لضرورةٍ أكيدة كأنْ يدفنَ بلَا غسلٍ مثلًا.
 كمَا يكرة نقل الميتِ الَّذِي لم يدفنْ بعد منْ بلدٍ إلَى بلد إلاَّ إذَا كانَ المنقول إليهِ أحدَ الحرمينِ الشَّريفينِ، مكةَ أوْ المدينةِ، أوْ بيتَ المقدسِ كذلكَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ادفنُوا القتلَى فيِ مصارعهم" .
 7 - استحبابُ التَّعزيةِ: 
تستحب تعزيةُ أهلِ الميتِ رجالًا كانُوا أوْ نساءً قبلَ الدَّفنِ وبعدهُ إلَى ثلاثةِ أيامٍ إلاَّ أنْ يكونَ أحذ المعزينَ غائبًا أوْ بعيدًا فلَا بأسَ إنْ تأخرتْ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا من مؤمنين يعزِّي أخاهُ بمصيبةٍ إلاَّ كساهُ اللهُ عز وجل منْ حللِ الكرامةِ يومَ القيامةِ" .
 8 - معنَى التَّعزيةِ: 
والتعزيةُ هيَ التّصبيرُ، وحملُ أهلِ الميتِ علَى العزاءِ والصَّبرِ بذكرِ مَا يهوِّنُ عليهم المصابَ، ويخفِّفُ عنهم شدّةَ الحزنِ، وتؤدَّى التَّعزيةُ بأيِّ لفظٍ كانَ.
 وممَّا يروَى عنهُ - صلى الله عليه وسلم - فيِ ذلكَ قولهُ لابنتهِ وقدْ أرسلتْ إليهِ أن ابنًا لهَا قدْ ماتَ، فأرسلَ إليهَا منْ يقرئهَا السَّلامَ ويقولُ لهَا: "إنَّ للّهِ مَا أخذَ، ولهُ مَا أعطَى، وكلُّ شيءٍ عندهُ بأجلٍ مسمَّى، فلتصبر ولتحتسبْ" .
 وكتبَ بعضُ السلفِ يعزِّي أحدًا بوفاةِ ولدهِ فقالَ: منْ فلان إلَى فلان، سلام عليكَ فإنِّي أحمدُ إليكَ اللّهَ الذِي لَا إلهَ إلاَّ هوَ، أما بعدُ، فأعظمَ اللّهُ لكَ الأجرَ، وألهمكَ الصَّبرَ، ورزقنَا وإيَّاكَ الشُّكرَ، فإن أنفسنَا وأموالنَا وأهلنَا منْ مواهبِ اللّهِ الهنيئةِ، وعواريهِ المستودعةِ، متَّعكَ اللّهُ بهِ فيِ غبطةٍ وسرور، وقبضهُ منكَ بأجرٍ كبيبر.
 الصَّلاةُ والرحمةُ والهدَى إنِ احتسبتهُ: فاصبر، ولَا يُحبطُ جزعُكَ أجرَكَ فتندمَ.
 واعلم أن الجزعَ لَا يردُّ ميتًا، ولَا يدفعُ حزنًا، ومَا هُو نازلٌ فكأنْ قدْ، والسَّلامُ.
 وقدْ يكفِي في التعزيةِ قولُ: أعظمَ اللّهُ أجركَ، وأحسنَ عزاكَ وغفرَ لميتكَ، ويقولُ المعزّى: آمينَ، آجركَ اللّهُ، ولَا أراكَ مكروهًا.
 9 - بدعةُ المآتمِ: 
وممَا يجبُ تركهُ والابتعادُ عنهُ مَا ابتدعهُ النَاسُ لغلبةِ الجهلِ منَ الاجتماعِ في البيوتِ للتَّعزيةِ وإقامة المآدبِ، وصرفِ الأموالِ منْ أجلِ المباهاةِ والفخرِ، إذِ السلفُ الصالحُ لم يكونُوا يجتمعونَ فيِ البيوتِ، بلْ كانَ يعزِّي بعضهم بعضًا في المقبرةِ، وعندَ الملاقاةِ فيِ أيِّ مكانٍ، ولَا بأسَ أنْ يقصدهُ إلَى محلِّهِ إنْ لم يتمكنْ منْ مقابلتَهِ في المقبرةِ أوِ الشَّارعِ؛ إذِ المحدثُ هوَ الاجتماعُ الخاص المعدُّ إعدادًا متعمدًا.
 10 - اصطناعُ المعروفِ لأهلِ الميتِ: 
يستحب صنعُ الطعامِ لأهلِ الميتِ، ويقومُ بذلكَ الأقاربُ أو الجيرانُ يومَ الوفاةِ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اصنعُوا لآلِ جعفرَ طعامًا فإنهُ قدْ أتاهم أمرٌ يشغلهم" .
 أمَّا أنْ يصنعَ أهلُ الميتِ أنفسهم الطَّعامَ لغيرهم فهذَا مكروهٌ لَا ينبغِي لماَ فيهِ من مضاعفةِ المصيبةِ عليهم، وإنْ حضرَ منْ تجبُ ضيافتهُ كغريبٍ مثلًا استحبَّ أنْ يقومَ الجيرانُ والأقاربُ بضيافتهِ بدلًا عنْ أهلِ الميت.
 11 - الصدقةُ علَى الميِّتِ: 
يستحب الصّدقةُ علَى الميتِ لماَ روَى مسلمٌ عنْ أبِي هريرة أنَّ رجلًا قالَ: يَا رسولَ اللّهِ إنَّ أبِي ماتَ وتركَ مالًا ولم يوصِ، فهلْ يكفِّر عنهُ أنْ أتصدَّقَ عنهُ؟.
 قالَ: "نعم".
 ولماَّ ماتتْ أم سعدِ بنِ عبادةَ - رضي الله عنهما - قالَ: يَا رسولَ اللّهِ! إنَّ أمِّي ماتتْ أفأتصدَّقُ عنهَا؟ قالَ: "نعم".
 قالَ: فأي الصَّدقةِ أفضلُ؟.
 قالَ: "سقيُ الماءِ" .
 12 - قراءةُ القرآنِ علَى الميِّتِ: 
لَا بأسَ أنْ يجلسَ المسلمُ فيِ المسجدِ أوْ في بيتهِ فيقرأَ القرآنَ، فإذَا فرغَ منْ تلاوتهِ سألَ اللّهَ تعالَى للميتِ المغفرةَ والرحمةَ، متوسِّلًا إلَى اللّهَ عز وجل بتلك التِّلاوةِ التي تلاهَا منْ كتابِ اللّهِ تعالَى.
 أما اجتماعُ القراءِ فيِ بيت الهالكِ علَى القراءةِ وإهداؤهم ثوابَ قراءتهم للميِّتِ، وإعطاؤهم أجرًا علَى ذلكَ منْ قبلِ أهلِ الميتِ فهذَا بدعةٌ منكرةٌ يجب تركهَا، ودعوةُ الإخوةِ المسلمينَ إلَى اجتنابهَا والابتعادِ عنهَا؛ إذْ لم يعرفهَا سلف هذهِ الأمةِ الصَّالحُ، ولم يقلْ بهَا أهل القرونِ المفضلةِ، ومَا لم يكنْ لأولِ هذهِ الأمةِ دينًا لم يكنْ لآخرهَا دينا بحالٍ منَ الأحوالِ.
 13 - حكمُ زيارةِ القبور: 
زيارة القبورِ مستحبةٌ؛ لأنَّهَا تذكر بالآخرةِ وتنفع الميتَ بالدُّعاءِ والاستغفارِ له؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كنت نهيتكم عنْ زيارة القبورِ فزوروهَا فإنّهَا تذكّرُكم بالآخرةِ" .
 إلاَّ أنْ تكونَ المقبرةُ أوِ الميت علَى مسافةٍ بعيدةٍ يضطرُّ الزائز معهَا إلَى شدِّ رحلٍ وسفرٍ خاص فإنهَا حينئذٍ لَا تشرعُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تشدُّ الرحال إلاَّ إلَى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ، ومسجدِي هذا، والمسجدِ الأقصَى" .
 14 - مَا يقولهُ زائر القبورِ: 
يقولُ الزّائر لقبورِ المسلمينَ مَا كانَ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولهُ إذَا زارَ "البقيعَ" وهوَ: 
"السلامُ عليكم أهلَ الدِّيارِ منَ المؤمنينَ والمسلمينَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللّهُ بكم لاحقونَ.
 أنتمْ فرطنَا ونحنُ لكم تبعٌ، نسألَ اللّهَ لنَا ولكم العافيةَ.
 اللَّهمَّ اغفر لهم.
 اللهم ارحمهم" .
 15 - حكم زيارة القبورِ للنساءِ: 
لم يختلفْ أهلُ العلمِ فيِ حرمةِ كثرةِ تردُّدِ المرأةِ علَى المقابرِ لزيارتهَا؛ وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لعنَ اللهُ زواراتِ القبورِ".
 وأما معَ عدمِ الكثرةِ والتِّكرارِ فبعضٌ كرهَ الزِّيارةَ مطلقًا للحديثَ السابقِ، وبعضٌ أجازَ لماَ ثبتَ أن عائشةَ - رضي الله عنها - زارتْ قبرَ أخيهَا عبدِ الرحمنِ، فسئلتْ عن ذلكَ فقالتْ: "نعم كانَ قدْ نهَى عنْ زيارةِ القبورِ، ثم أمرَ بزيارتهَا" .
 ومنْ أجازَ زيارةَ النِّساءِ القليلةَ اشترطَ عدمَ فعلهِا أي منكرٍ كانَ، كأنْ تنوحَ عندَ القبرِ، أوْ تصرخَ، أوْ تخرجَ متبرجةً، أوْ تنادِي الميتَ وتسألهُ حاجتهَا؛ إلَى غيرِ ذلكَ مما شوهدَ فعلهُ منَ النِّساءِ الجاهلاتِ بأمورِ الدِّينِ فيِ غيرِ زمانٍ ومكانٍ.
  

المادة الثانية في العقيقة

المادة الثانية في العقيقة     1 - تعريفهَا: العقيقةُ هيَ الشاةُ تذبحُ للمولودِ يومَ سابعِ ولادَتهِ.  2 - حكمهَا: العقيقة سنَّة متأكَّدةٌ للق...