﴿ (17) الفصل السابع عشر الإيمان بوجوب محبة اصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وافضليتهم واجلال أئمة الاسلام، وطاعة ولاة امور المسلمين ﴾
۞۞۞۞۞۞۞
يُؤمنُ المسلمُ بوجوبِ محبَّةِ أصحابِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وآلِ بيتهِ وأفضليَّتهم علَى مَن سواهم مِن المؤمنينَ والمسلمينَ، وأنَّهم فيمَا بينهم متفاوتونَ فيِ الفضلِ وعلو الدَّرجةِ بحسب أسبقيَّتهم فيِ الإسلامِ.
فأفضلهمُ الخلفاءُ الراشدونَ الأربعةُ: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعلي رضيَ اللّهُ تعالَى عنهم أجمعينَ، ثم العشرةُ المبشَّرونَ بالجنّةِ، وهم الراشدونَ الأربعةُ، وطلحةُ بنُ عبيدِ اللّهِ، والزبيرُ بنُ العوّامِ، وسعدُ بنُ أبِي وقّاصٍ، وسعيدُ بنُ زيد، وأبو عبيدةَ عامر بنُ الجرَّاحِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، ثم أهلُ بدرٍ، ثم المبشَّرونَ بالجنَّةِ منْ غيرِ العشرةِ كفاطمةَ الزَّهراءِ، وولديهَا الحسنينِ، وثابتِ بنِ قيسِ، وبلالِ بنِ رباح وغيرهم، ثمَّ أهلُ بيعةِ الرضوانِ وكانُوا ألفًا وأربعمائةِ صحابي رضيَ اللّهُ تعالَى عنهم أجمعينَ.
كمَا يؤمنُ المسلمُ بوجوبِ إجلالِ أئمةِ الإسلامِ واحترامهم وتوقيرهم والتّأدبِ معهم عندَ ذكرهم، وهم أئمةُ الدين وأعلامُ الهدَى كالقراءَ والفقهاءِ والمحدثينَ والمفسِّرينَ منَ التَّابعينَ وتابعِي تابعيهم، رحمهمُ اللّهُ ورضيَ عنهم أجمعينَ.
كمَا يؤمنُ المسلمُ بواجبِ طاعةِ ولاةِ أمورِ المسلمينَ وتعظيمهم واحترامهم والجهادِ معهم والصَّلاةِ خلفهم وحرمةِ الخروجِ عليهم بم ولذَا فهوَ يلتزمُ حيالَ كل هؤلاءِ المذكورينَ بآدابٍ خاصَّةٍ.
أما أصحابُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وآلُ بيتهِ فإنَّهُ:
1 - يحبهم لحب اللّهِ تعالَى وحبِّ رسولهِ - صلى الله عليه وسلم - لهم إذْ أخبرَ تعالَى أنَّهُ يحبهم ويحبّونهُ فيِ قولهِ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: 54] .
كمَا قاَل فيِ وصفهم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "اَلله الله في أصحابي لا تتَّخذوهم غرضا بعدِي، فمنْ أحبهم فبحبي أحبَّهم، ومنْ أبغضهم فببغضِي أبغضهم، ومنْ آذاهم فقدْ آذاني، ومنْ آذاني فقدْ آذَى اللّهَ، ومنْ آذَى اللّهَ يوشكُ أنْ يأخذهُ" .
2 - يؤمنُ بأفضليَّتهم علَى غيرهم منْ سائرِ المؤمنينَ والمسلمينَ لقولهِ تعالَى فيِ ثنائهِ عليهم: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100] .
وقالَ رسولُ الله عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "لَا تسبُّوا أصحابِي فإنّ أحدكم لوْ أنفقَ مثلَ أحدٍ ذهبًا ما بلغَ مدَّ أحدهم ولَا نصيفهُ" .
3 - أنْ يرَى أن أبَا بكرٍ الصديقَ أفضلُ أصحابِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ومنْ دونهمْ علَى الإطلاق، وأنَّ الَّذِينَ يلونهُ فيِ الفضلِ هم: عمرُ، ثمَّ عثمانُ، ثمَّ علي رضيَ اللّهِ تعالَى عنهم أجمعين وذلِك لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لوْ كنتُ متَّخذًا منْ أمَّتي خليلًا لاتَّخذتُ أبَا بكرٍ ولكنْ أخِي وصاحبي" .
وقولِ ابنِ عمرَ - رضي الله عنه -: كنَّا نقولُ والنَّبي - صلى الله عليه وسلم - حيٌّ: أبُو بكرٍ، ثمَّ عمرُ، ثمَّ عثمانُ، ثمَّ علي، فبلغَ ذلكَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكرهَا .
ولقولِ علي - رضي الله عنه - خيرُ هذهِ الأمَّةِ بعدَ نبيها أبُو بكرٍ ثمَّ عمرُ، ولوْ شئتُ لسمَّيتُ الثَّالثَ -يعني عثمانَ- - رضي الله عنهم - أجمعينَ.
4 - أنْ يقرَ بمزاياهم، ويعترفَ بمناقبهمْ كمنقبةِ أبِي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ فيِ قولِ الرسولِ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ لأُحُدٍ وقدْ رجف بهم وهم فوقهُ: "اسكن أحدُ! إنَّمَا عليكَ نبي وصديقٌ وشهيدانِ".
وكقولهِ لعلي - رضي الله عنه -: "أمَا ترضَى أنْ تكونَ مني بمنزلةِ هارونَ منَ موسَى"؟ وقولهِ: "فاطمةُ سيدةُ نساءِ أهلِ الجنَّةِ".
وكقولهِ للزُّبيرِ بنِ العوَّامِ: "إنَّ لكلِّ نبي حواريّ، وإنَّ حواريِّ الزبيرُ بنُ العوَّامِ".
وكقولهِ فيِ الحسنِ والحسينِ: "اللَّهمَّ أَحبَّهمَا فإنِّي أحبّهمَا".
وكقولهِ لعبدِ اللّهِ بنِ عمرَ: "إنَّ عبدَ اللّهِ رجلٌ صالحٌ" وكقولهِ لزيدَ بنِ حارثةَ: "أنتَ أخونَا ومولانا" .
وقولهِ لجعفرَ بنِ أبِي طالبٍ: "أشبهتَ خَلقِي وخُلقِي" .
وقولهِ لبلالِ ابنِ رباح: "سمعتُ دفَّ نعليكَ بينَ يدي فيِ الجنَّةِ".
وكقولهِ في سالِم مولَى أبِي حذيفةَ، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودِ وأبي بنِ كعبٍ ومعاذِ بنِ جبل "استقرئُوا القرَآنَ منْ أربعةٍ: منْ عبدِ اللّهِ ابنِ مسعودٍ وسالمٍ مولَى أبِي حذَيفةَ، وأبي بنِ كعبٍ ومعاذِ بنِ جبلٍ" .
وكقولهِ فيِ عائشةَ: "وفضلُ عائشةَ علَى النساءِ، كفضلَ الثَّريدِ علَى سائرِ الطَّعام" .
وكقوله في الأنصارِ: "لو أنَّ الأنصارَ سلكُوا واديًا أوْ شعبًا، لسلكتُ في وادِي الأَنصارِ، ولولَا الهجرَةُ لكنتُ امرَأً منَ الأنصارِ" .
وقالَ: "الأنصارُ لَا يحبُّهم إلاَّ مؤمنٌ، ولَا يبغضهُم إلاَّ منافقٌ فمنْ أحبَّهم أحبَّهُ اللّهُ، ومنْ أبغضهُم أبغضهُ الله" (10) .
وكقولهِ فيِ سعدِ بنِ معاذ: "اهتزَّ العرشُ لموتِ سعدِ بنِ معاذٍ" (11) .
وكمنقبةِ أسيدِ بنِ حضيرٍ، إذْ كانَ معَ أحدِ أصحابِ النَّبي عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فيِ بيتِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - في ليلةٍ مظلمةٍ، فلمَّا خرجَا، وإذَا نورٌ بينَ أيديهمَا يمشيانَ فيهِ فلمَّا تفرقَا تفرقَ النُّورُ معهمَا (12) .
وكقولهِ لأبي بنِ كعبٍ: "إنَّ اللّهَ أمرني أنْ أقرأَ عليكَ: {لَم يَكُن اَلذِين كَفَرُوا} [البينة: 1] .
قالَ: وسمَّاني؟! قالَ: نعم، فبكَى أبي" .
وكقولِه فيِ خالدِ بنِ الوليدِ: "سيفٌ منْ سيوفِ اللّهِ مسلولٌ" .
وكقولهِ فيِ الحسنِ: "ابني هذَا سيدٌ، ولعلّ اللّهَ أنْ يصلحَ بهِ بينَ فئتيِن منَ المسلمينَ" .
وكقولهِ في أبي عبيدةَ: "لكلِّ أمَّةٍ أمينٌ، وإنَّ أميننَا أيّتها الأمةُ أبُو عبيدةَ بنُ الجرَاحِ" .
رضيَ اللّهُ تعالَىَ عنهم وأرضاهم أجمعيَن.
5 - يكفُّ عنْ ذكرِ مساوئهم، ويسكتُ عنِ الخلافِ الَّذَي شجرَ بينهم، لقولِ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تسبوا أصحابِي"، وقولهِ: "لَا تتَّخذوهم غرضاً بعدِي".
وقولهِ: "فمنْ آذاهم فقدْ آذاني، ومنْ آذاني فقدْ آذَى اللهَ، ومَن آذَى اللَّهَ يوشكُ أنْ يأخذهُ" .
6 - أنْ يؤمنَ بحرمةِ زوجاتِ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم - وأنَّهنَ طاهراتٌ مُبرَّآتٌ، وأنْ يترضَّى عليهنّ، ويرَى أنَّ أفضلهنُّ خديجةُ بنت خويلد، وعائشةُ بنتُ أبي بكرٍ، وذلكَ لقولِ اللّهِ تعالَى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] .
وأما أئمة الإسلام من قراء ومحدثين وفقهاء فإنه:
1- يحبهمْ ويترحَّمُ عليهم ويستغفرُ لهم، ويعترفُ لهم بالفضلِ؛ لأنَّهم ذُكرُوا فيِ قول اللّهِ تعالَى: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] .
وفي قول الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "خيركمْ قرني، ثمَّ الذِين يلونهمْ، ثمَّ الَّذِينَ يلونهم" .
فعامَّةُ القراءِ والمحدِّثينَ والفقهاءِ والمفسِّرينَ كانُوا منْ أهلِ هذهِ القرونِ الثَّلاثةِ الَّذِيَن شهدَ لهمْ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بالخيرِ.
وقدْ أثنَى اللّهُ علَى المستغفرينَ لمنْ سبقوا بالإيمانِ في قولهِ: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10] فهوَ إذًا يستغفرُ لكَلِّ المؤمنينَ والمؤمناتِ.
2 - لَا يذكرهم إلاَّ بخيرٍ، ولَا يعيبُ عليهم قولًا، ولَا رأيًا، ويعلمُ أنَّهم كانُوا مجتهدينَ مخلصينَ فيتأدَّبُ معهم عندَ ذكرهم، ويفضِّلُ رأيَهم علَى رأيِ منْ بعدهُم، ومَا رأوهُ علَى مَا رَآه منْ أتَى بعدهمَ منْ علماءَ وفقهاءَ ومفسرينَ ومحدِّثينَ، ولَا يتركُ قولهم إلاَّ لقولِ اللّهِ، أوْ قولِ رسولهِ - صلى الله عليه وسلم -، أوْ قولِ صحابتهِ رضوانُ اللّهِ عليهم أجمعينَ.
3 - أن مَا دوٌنهُ الأئمَّةُ الأربعة: مالكٌ والشَّافعي وأحمدُ وأبو حنيفةَ ومَا رأوهُ، وقالوهُ منْ مسائلِ الدٌينِ والفقهِ والشَّرعِ، هوَ مستمد منْ كتابِ اللّهِ، وسنَةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليسَ لهم إلاَّ مَا فهموهُ من هذين الأصلين أو استنبطوهُ منهمَا، أو قاسوه عليهمَا إذا أعوزهما النص منهما، أوِ الإشارةُ، أوِ الإيماءُ فيهمَا.
4 - يرَى أنَّ الأخذَ بمَا دوَّنهُ أحدُ هؤلاءِ الأعلامِ منْ مسائل الفقهِ والدينِ جائزٌ، وأنَّ العملَ بهِ عملٌ بشريعةِ اللّهِ عز وجل مَا لم يعارضْ بنص صريحٍ صحيحٍ منْ كتابِ اللّهِ أوْ سنَّةِ رسولهِ - صلى الله عليه وسلم - فلَا يُتركُ قولُ اللهِ، أوْ قولُ رسولهِ - صلى الله عليه وسلم - لقولِ أحدٍ منْ خلقهِ كائنًا منْ كانَ، وذلكَ لقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] .
وقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
وقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] .
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "منْ عملَ عملًا ليسَ عليهِ أمرنَا فهوَ رد" .
وقولهِ: "والذي نفسي بيده لَا يؤمنُ أحدكمَ حتَّى يكونَ هواهُ تبعَاً لماَ جئتُ بهِ" .
5 - يرَى أنَّهمْ بشرٌ يصيبونَ ويخطئونَ، فقدْ يخطئُ أحدهمُ الحقَّ فيِ مسألةٍ مَا منَ المسائلِ، لَا عنْ قصدٍ وعمدٍ -حاشاهم- ولكنْ عنْ غفلةٍ أوْ سهوٍ، أوْ لنسيانٍ، أوْ عدمِ إحاطةٍ، فلهذَا المسلمُ لَا يتعصبُ لرأيِ أحدهم دونَ آخرَ، بلْ لهُ أنْ يأخذَ عنْ أيِّ واحدٍ منهم، ولَا يرد قولهم إلاَّ لقولِ اللّهِ، أوْ قولِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
6 - يعذرهمْا فيمَا اختلفوا فيهِ منْ بعضِ مسائِل الدين الفرعيهِ، ويرَى أن اختلافهمْ لم يكن جهلا، منهم، ولَا عنْ تعصبٍ لآرائهم، وإنَّمَا كانَ: إمَّا أنَّ الخالف لم يبلغهُ الحديثُ، أوْ رأى نسخَ هذَا الحديثِ الَّذِي لم يأخذْ بهِ، أؤ عارضهُ حديث آخرَ بلغهُ فرجَّحهُ عليهِ، أوْ فهمَ منهُ مَا لم يفهمهُ غيرهُ، إذْ منَ الجائزِ أنْ تختلف الأفهامُ فيِ مدلولِ اللَّفظِ فيحملهُ كلٌّ علَى فهمهِ الخاص، ومثالُ هذَا مَا فهمَه الإمامُ الشَّافعي رحمه الله منْ نقضِ الوضوءِ بمس المرأةَ مطلقًا، فهمًا منْ قولىَ تعالَى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] .
فقدْ فهمَ منْ {أَو لَامسْتُمُ} : المسَّ، ولم يرَ غيرهُ فقالَ بوجوبِ الوضوءِ لمجردِ مس المرأةِ، وفهمَ غيرهُ أنَ المرادَ منَ الملامسةِ فيِ الآيةِ الجماعُ فلم يوجبُوا الوضوءَ بمجردِ المس بلْ لَا بدَّ منْ قدرٍ زائدٍ كالقصدِ أوْ وجودِ اللذةِ.
وقدْ يقولُ قائلٌ: لمَ لَا يتنازلُ الشَّافعي عنْ فهمهِ ليوافقَ باقِي الأئمَّةِ، ويقطعَ دابرَ الخلافَ عنِ الأمَةِ؟.
الجوابُ: أنَّهُ لَا يجوزُ لهُ أبدًا أنْ يفهمَ عنْ رِّبهِ شيئًا لَا يخالجهُ فيهِ أدنَى ريبٍ، ثمَّ يتركهُ لمجرَّدِ رأيٍ أوْ فهمِ إمامٍ آخرَ، فيصبحَ متَّبعًا لقولِ النَّاسِ تاركًا لقولِ اللّهِ، وهوَ منَ أعظمِ الذُّنوبِ عندَ اللّهِ سبحانه وتعالَى.
نعم لو أنّ فهمهُ منْ النَّصِّ عارضهُ نصٌّ صريحٌ منْ كتاب أوْ سنَّةٍ لوجبَ عليهِ التَّمسكُ بدلالةِ النَّصِّ الظّاهرةِ، ويتركُ مَا فهمهُ منْ ذلكَ اللَّفظِ الَّذِي دلالتهُ ليستْ نصا صريحا ولا ظاهرًا؛ إذْ لو كانتْ دلالتهُ قطعيةٌ لماَ اختلفَ فيهَا اثنانِ من عامّةِ الأمَّةِ فضلاً عنِ الأئمَّةِ.
وأما ولاةُ أمورِ المسلمينَ فإنهُ:
1 - يرَى وجوبَ طاعتهمْ القولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] .
ولقولِ الرسولِ- صلى الله عليه وسلم -: "اسمعُوا وأطيعُوا وإنْ تأمَّرَ عليكم عبدٌ حبشي كأن رأسهُ زبيبة" .
وقولهِ: "منْ أطاعني فقدْ أطاعَ اللّهَ، ومنْ عصاني فقدَ عصَى اللهَ، ومنْ أطاعَ أميرِي فقدْ أطاعني، ومنْ عصَى أميرِي فقدْ عصاني" .
ولكنْ لا يرَى طاعتهم فيِ معصيةِ اللّهِ عز وجل؛ لأن طاعةَ اللّهِ مقدَّمةٌ علَى طاعتهم فيِ قولهِ تعالَى: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة: 12] .
ولأنَّ الرَّسولَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: "إنما الطاعةُ فيِ المعروفِ" .
وقالَ أيضًا: "لا طاعةَ لمخلوق في معصيةِ الخالقِ" .
وقولهِ: "لا طاعةَ فيِ معصية اللهِ" .
وقالَ أيضاً عليه الصلاة والسلام: "السمع والطَّاعةُ علَى المرءِ المسلِم فيمَا أحبَّ وكرهَ مَا لم يؤمر بمعصية، فإذَا أُمِرَ بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعةَ" .
2 - يرَى حرمةَ الخروجِ عليهم، أوْ إعلانِ معصيتهمْ لماَ في ذلكَ منْ شقِّ عصَا الطَّاعةِ علَى سلطانِ المسلمينَ، ولقولِ الرسولِ- صلى الله عليه وسلم -: "منْ كرِه منْ أميرهَ شيئًا فليصبر؛ فإنّهُ منْ خرجَ منَ السلطان شبرًا ماتَ ميتةً جاهليّةً" .
وقولهِ: "منْ أهانَ السلطان أهانهُ اللَّهُ" .
3 - أنْ يدعوَ لهم بالصَّلاحِ والسَّدادِ والتوفيقِ والعصمةِ منَ الشَّر ومنَ الوقوعِ فيِ الخطأِ؛ إذْ صلاحُ الأمَّةِ في صلاحهم، وفسادهَا بفسادهم، وأنْ ينصحَ لهم فيِ غيرِ إهانةٍ وانتقاصِ كرامة، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الدِّينُ النّصيحةُ" قلنا: لمنْ؟ قالَ: "للّهِ ولكتابهِ، ولرسولهِ، ولأئمَّةِ المسلمينَ، وعامتهم" .
4 - أنْ يجاهدَ وراءهم ويصلِّيَ خلفهم، وإنْ فسقُوا وارتكبُوا المحرماتِ الَّتِي هيَ دونَ الكفرِ لقولهِ عليهِ الصلاة والسَّلامُ لمنْ سألهُ عنْ طاعةِ أمراءِ السوءِ: "اسمعُوا وأطيعُوا، فإنمَا عليهم مَا حملُوا وعليكمْ مَا حملتم" .
ولقولِ عبادةَ بنِ الصَّامتِ: بايعنَا رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - علَى السمعِ والطَّاعةِ فيِ منشطنَا ومكرهنَا، وعسرنَا ويسرنَا، وأنْ لَا ننازعَ الأمرَ أهلهُ.
قالَ: "إلاَّ أنْ تروْا كفرًا بواحًا عندَكم فيهِ منَ اللّهِ برهانٌ" .
Tidak ada komentar:
Posting Komentar