Minggu, 13 Oktober 2024

المادة الاولى فيما ينبغي من لدن المرض الى الوفاة

المادة الاولى فيما ينبغي من لدن المرض الى الوفاة  
 
1 - وجوبُ الصبرِ: 
ينبغِي للمسلمِ إذَا نزلَ بهِ ضرٌّ أنْ يصبرَ فلَا يتسخطَ ولَا يظهرَ الجزعَ؛ إذْ أمرَ اللّهُ ورسولهُ بالصبرِ فِي غيرِ مَا آيةِ وحديثٍ، غيرَ أنَّهُ لَا بأسَ أنْ يقولَ المريضُ إذَا سئلَ عنْ حالهِ: إنِّي مريضٌ، أوْ بي ألمٌ، والحمدُ للّهِ علَى كلِّ حال.
 2 - استحبابُ التداوِي: 
يستحبُّ للمسلمِ المريضِ التَّداوِي بالأدويةِ المبَاحةِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللهَ لم ينزِّلْ داءً إلاَّ أنزلَ لهُ شفاء فتداووْا" .
 غيرَ أنَّهُ لَا يجوزُ التداوِي بالمحرمِ كالخمرِ والخنزيرِ ونحوهمَا؛ لقولِ الرسولِ: "إن اللهَ لم يجعلْ شفاءكُم فيمَا حرَّمَ عليكم" .
 3 - جوازُ الاسترقاءِ: 
يجوزُ للمسلمِ الاسترقاءُ بالآياتِ القرآنيةِ والأدعيةِ النَّبويَّةِ والكلامِ الطيب لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا بأسَ بالرُّقَى مَا لم يكنْ فيهِ شركٌ" .
 4 - تحريمُ التمائمِ والعزائمِ: 
يحرمُ تعليقُ التمائمِ واستعمالُ العزائمِ، فلَا يجوزُ للمسلم أنْ يعلقَ تميمةً لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ علقَ تميمةً فقدْ أشركَ" .
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ علقَ تميمةً فلَا أتم اللّهُ لهُ، ومنْ علقَ ودعةً فلَا ودعَ الله لهُ" .
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم - للّذِي أبصرَ علَى يدهِ حلقةً منْ صفرٍ: "ويحكَ مَا هذهِ؟ ".
 قالَ: منَ الواهنةِ، قالَ: "انزعهَا، فإنهَا لَا تزيدكَ إلاَّ وهنًا، وإنَّكَ لو مت وهيَ عليكَ مَا أفلحتَ أبدًا" .
 5 - بعضُ مَا كان يستشفِي بهِ - صلى الله عليه وسلم -: 
كانَ عليهِ الصلاة والسلامُ يضعُ يدهُ الشَّريفةَ علَى المريضِ ويقولُ: "اللهم رب النَّاسِ أذهبِ البأسَ.
 اشفِ أنتَ الشَّافِي.
 لَا شفاءَ إلاَّ شفاؤكَ شفاءً لَا يغادرُ سقمًا" .
 وقالَ للَّذِي شكَا إليهِ وجعًا: "ضعْ يدكَ علَى الَّذِي يألمُ منْ جسدكَ وقلْ: باسمِ اللهِ ثلاثًا وقلْ سبعَ مراتٍ: أعوذُ باللهِ وقدرتهِ منْ شر مَا أجدُ وأحاذرُ" .
 كمَا روَى مسلمٌ أيضًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشتكَى فرقاُه جبريلُ -عليهِ الصلاة والسلامُ- بقولهِ: "باسمِ اللَّهِ أرقيكَ منْ كل شيء يؤذيكَ، منْ شر كل نفس، أوْ عيِن حاسدٍ، اللَّهُ يشفيكَ باسمِ اللَّهِ أرقيكَ" .
 6 - جوازُ استطبابِ الكافرِ والمرأةِ: 
أجمعَ المسلمونَ علَى جوازِ مداواةِ الكافرِ -إذَا كانَ أمينًا- للمسلمِ، وعلَى جوازِ مداواةِ الرجلِ للمرأةِ، والمرأةِ للرجلِ فِي حالِ الضرورةِ، إذِ استخدمَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - بعضَ المشركينَ فِي بعضِ الشؤونِ وكانَ نساءُ الصحابةِ يداوينَ الجرحَى فِي الجهادِ علَى عهدِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - .
 7 - جوازُ اتخاذِ المحاجرِ الصِّحيةِ: 
يجوزُ بلْ يستحب أنْ يجعلَ أصحابُ الأمراضِ المعديةِ في جناح خاص منَ المستشفياتِ، وأنْ يمنعَ الأصحَّاءُ منَ الاتِّصالِ بهم سوَى ممرضيهم؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِ الإبل: "لَا يوردُ ممرِضٌ علَى مصحٍّ" فإذَا كانَ هذَا فِي الحيوانِ ففِي الإنسانِ منْ بابِ أولَى، ولقولهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الطَاعونِ: "إذَا وقعَ بأرض وأنتم بهَا فلَا تخرجُوا منهَا، وإذَا وقعَ بأرضٍ ولستم بهَا فلَا تهبطُوا عليهَا" .
 وأمَّا قولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا عدوَى ولَا طيرةَ" .
 فمعناهُ لَا عدوَى مؤثِّرةٌ بنفسهَا، أيْ بدونِ إرادةِ اللّهِ ذلكَ؛ إذْ لَا يقعُ فِي ملكِ اللّهِ مَا لَا يريدُ، وهذَا غيرُ مانعٍ منْ اتِّخاذِ سببِ الوقايةِ معَ اعتقادِ أنْ لَا واقيَ إلاَّ اللّهُ، وأنَّ الَّذِي لَا يقيهِ اللّهُ لَا يمكن أنْ يسلمَ.
 وقد سئلَ - صلى الله عليه وسلم - عنْ الجملِ الأجربِ فقالَ: "ومنْ أعدَى الأوَّلَ؟ " .
 فأخبرَ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ التَّأثيرَ للّهِ وحدهُ، وأن مَا شاءَ كانَ ومَا لم يشأَ لم يكنْ.
 8 - وجوبُ عيادةِ المريضِ: 
يجبُ علَى المسلمِ عيادةُ أخيهِ المسلمِ إذَا مرضَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أطعمُوا الجائعَ وعودُوا المريضَ، وفكُّوا العانيَ -الأسيرَ-" .
 ويستحبُّ لهُ إذَا عادهُ فِي مرضهِ أنْ يدعوَ لهُ بالشِّفاءِ وأنْ يوصيهُ بالصَّبرِ، وأنْ يقولَ لهُ مَا يطيبُ بهِ نفسهُ، كمَا يستحبُّ لهُ أنْ لَا يطيلَ الجلوسَ عندهُ.
 وكانَ - صلى الله عليه وسلم - إذَا عادَ مريضًا قالَ لهُ: "لَا بأسَ، طهورٌ إنْ شاءَ اللَّهُ" .
 فليقلِ المسلمُ ذلكَ لأخيهِ.
 9 - وجوبُ حسنِ الظنّ بالله حالَ المرضِ: 
ينبغِي للمسلمِ إذَا مرضَ وأشرفَ أنْ يحسنَ الظَّنَّ باللّهِ تعالَى منْ أنَّهُ سبحانهُ سوفَ يرحمهُ ولَا يعذِّبهُ، ويغفر لهُ ولَا يؤاخذهُ، وأنَّهُ واسعُ المغفرةِ ورحمتهُ وسعتْ كلّ شيء؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يموتنَّ أحدكم إلاَّ وهوَ يحسنُ باللَّهِ الظَنَّ" .
 10 - تلقينُ الميِّت: 
ينبغِي للمسلمِ إذَا عاينَ احتضارَ أخيهِ أنْ يلقِّنهُ كلمةَ الإخلاصِ فيقولَ عندهُ: "لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ"، يذكِّرهُ بهَا حتَّى يذكرهَا ويقولهَا، فإذَا قالهَا كفّ عنهُ، وإنْ هوَ تكلَّمَ بكلامٍ غيرهَا أعادَ تلقينهُ رجاءَ أنْ يكونَ آخر كلامهِ لَا إلهَ إلاَّ اللّهُ فيدخلَ الجنّةَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لقنُوا موتاكمْ لَا إلهَ إلاَّ اللَّهُ" .
 وقولهِ: "منَ كانَ آخر كلامهِ لَا إلهَ إلاَّ اللَّهُ دخلَ الجنَّةَ" .
 11 - توجيهُ المحتضرِ إلَى القبلةِ: 
ينبغِي أنْ يوجَّهَ المحتضر -وهوَ الّذِي ظهرتْ عليهِ علاماتُ الموتِ- إلَى القبلةِ مضطجعًا علَى شقِّهِ الأيمنِ، وإنْ لم يمكنْ فمستلقيًا علَى ظهرهِ ورجلاة إلَى القبلةِ، وإنِ اشتدّتْ به سكراتُ الموتِ قرئتْ عليهِ سورةُ "يسَ" رجاءَ أنْ يخففَ الله تعالَى عنه ببركتهَا، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا منْ ميتٍ يموت فتقرأَ عنده "يسَ" إلاَّ هونَ الله عليهِ" .
 12 - تغميضُ عينيهِ وتسجيتهُ: 
إذَا فاضتْ روح المسلمِ وجبَ تغميض عينيهِ وسترهُ بغطاءٍ وأنْ لَا يقالَ عندة إلاَّ خيرًا: "اللَّهم اغفر له.
 اللهم ارحمهُ" لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - "إذَا حضرتمُ المريضَ أوِ الميتَ فقولُوا خيرًا فإنّ الملائكةَ يؤمِّنونَ علَى مَا تقولونَ" .
 ودخلَ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - علَى أبي سلمةَ وقدْ شقَّ بصره عندمَا ماتَ فأغمضه ثمّ قالَ: "إنَّ الروحَ إذَا قبضَ تبعهُ البصر" فضجّ ناسٌ منْ أهلهِ فقالَ: "لَا تدعُوا علَى أنفسكم إلاَّ بخيرٍ فإنَّ الملائكةَ يؤمِّنونَ علَى مَا تقولونَ" .
 المادةُ الثانيةُ: فيمَا ينبغِي من وفاتهِ إلَى دفنهِ: 
1 - الإعلانُ عن وفاتهِ: 
يستحب أنْ تعلنَ وفاة المسلمِ فِي أقربائهِ وأصدقائهِ والصَّالحينَ منْ أهلِ بلدهِ ليحضروا جنازتهُ، فقدْ نعَى رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّجاشيَّ للنَّاسِ لماَّ ماتَ فِي الصحيحِ كمَا نعَى زيدًا وجعفرًا.
 وعبدَ اللّهِ بنِ رواحةَ لمَّا استشهدُوا.
 وإنَّما النَّعي المنهيّ عنهُ هوَ مَا كانَ فِي الشَّوارعِ، وعلَى أبوابِ المساجدِ بصوتٍ مرتفعٍ وصياحٍ فمثلُ ذلكَ منهيٌّ عنة شرعًا.
 2 - تحريمُ النِّياحةِ، وجواز البكاءِ: 
يحرمُ النوح والصُّراخُ علَى الميتِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ الميِّتَ ليعذب ببكاءِ الحيّ" .
 وقولهِ: "منْ نيحَ عليهِ فإنَّه يعذَّبُ بمَا نيحَ عليهِ يومَ القيامةِ" .
 وكانَ - صلى الله عليه وسلم - يأخذ البيعةَ علَى النِّساءِ أنْ لَا ينُحنَ، قالته أمُّ عطيةِ - رضي الله عنها - في الصَّحيح، وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "إنى بريءٌ منَ الصَّالقةِ والحالقةِ والشّاقَّةِ" .
 أمَّا البكاءُ فلَا بأسَ بهِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - لماَّ توفيِّ ولدهُ إبراهيمُ: "إنَّ العينَ تدمعُ والقلبَ يحزنُ، ولَا نقولُ إلاَّ مَا يرضِي ربنَا، وإنّا بفراقكَ يَا إبراهيمُ لمحزونونَ" .
 وبكَى - صلى الله عليه وسلم - لموتِ أمامةَ بنتِ ابنتهِ زينبَ، فقيلَ لهُ: يَا رسولَ اللّهِ، أتبكِي، أوْ لم تنهَ عنِ البكاءِ؟ فقالَ: "إنّمَا هيَ رحمةٌ جعلهَا الله فيِ قلوبِ عبادهِ، وإنَّمَا يرحمُ اللَّهُ منْ عبادهِ الرحماءَ" .
 3 - تحريمُ الإحدادِ أكثرَ مق ثلاثةِ أيام: 
يحرمُ أنْ تحدَّ المسلمةُ علَى ميت لهَا أكثر منْ ثلاثةِ أيام إلاَّ علَى زوجهَا، فإنَّهَا تحدُ وجوبًا أربعةَ أشهرٍ وعشرا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تحدُّ المرأةُ علَى ميتٍ فوقَ ثلاثٍ إلاَّ علَى زوج، فإنهَا تحدُّ عليهِ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا" .
 4 - قضاءُ ديونهِ: 
تنبغِي المبادرةُ بقضاءِ ديونِ الميتِ إنْ كانَ عليهِ ديونٌ، إذْ كانَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - يمتنعُ منَ الصَّلاةِ علَى صاحبِ الدَّينِ حتَى يُقضَى دينهُ.
 وقالَ: "نفس المؤمنِ معلَّقةٌ بدينهِ، حتى يُقضَى عنهُ" .
 5 - الاسترجاعُ، والدعاءُ، والصبرُ: 
ينبغِي لأهلِ الميتِ أنْ يلزمُوا الصَّبرَ فيِ هذهِ الساعةِ بالخصوصِ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الصَبرُ عندَ الصَّدمةِ الأولَى" .
 وأنْ يكثروا منَ الدُّعاءِ والاسترجاعِ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا منْ عبدٍ تصيبهُ مصيبةٌ فيقولُ: إنَّا للهِ وإنَا إليهِ راجعونَ، اللهم آجرني في مصيبتِي وأخلفْ لي خيرًا منهَا، إلاَّ آجرهُ اللَّهُ تعالَى فيِ مصيبتهِ، وأخلفَ لهُ خيرًا منهَا" .
 وقولهِ: "يقولُ اللَّهُ تعالَى: "مَا لعبدِي المؤمنِ عندِي جزاءٌ، إذَا قبضتُ صفيَّهُ منْ أهلِ الدُّنيَا ثمَّ احتسبهُ إلاَّ الجنةَ" .
 6 - وجوبُ تغسيلهِ: 
إذَا ماتَ المسلمُ صغيرًا أوْ كبيرًا وجبَ تغسيلهُ، سواءٌ كانَ جسدهُ كاملًا أوْ كانَ بعضهُ فقطْ، والذِي لَا يغسَّلُ منْ موتَى المسلمينَ هوَ شهيدُ المعركةِ الَّذِي سقطَ قتيلاً بأيدِي الكفّارِ، فيِ ميدانِ الجهادِ فيِ سبيلِ اللّهِ تعالَى؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تغسِّلوهم؛ فإن كل جرحٍ، أوْ كلَّ دم يفوحُ مسكًا يومَ القيامةِ" .
 7 - صفةُ غسلِ الميتِ: 
لوْ أفرغَ الماءُ علَى جسدِ الميِّتِ، وذلكَ حتَّى عمَّ الماءُ سائرهُ لأجزأَ ذلكَ، ولكن الصِّفةَ المستحبةَ الكاملةَ هيَ: 
أنْ يوضعَ الميتُ علَى شيء مرتفعٍ، ويتولَّى غسلهُ أمينٌ صالحٌ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ليغسِّلْ موتاكمُ المأمونونَ" ، فيعصرُ بطنهُ برفقٍ لماَ عسَى أنْ يخرجَ منهُ منْ أذىً ثمَّ يلفُّ علَى يدهِ خرقةً، وينوِي غسلهُ، ثم يغسلُ فرجهُ، ومَا بهِ منْ أذى، ثم ينزعُ الخرقةَ ويوضِّئهُ وضوءَ الصلاةِ، ثم يغسلُ سائرَ جسدهِ بادئًا بأعلاهُ إلَى أسفلهِ، يغسلهُ ثلاثًا، وإنْ لم يحصلْ نقاءٌ غسلهُ خمسًا، ويجعلُ فيِ الغسلاتِ الأخيرةِ صابونًا ونحوهُ.
 وإنْ كانَ الميتُ مسلمةً، نقضتْ ضفائر شعرهَا وغسلتْ، ثم أعيدَ ضفرهَا؛ إذْ أمرَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أنْ يفعلَ بشعرِ ابنتِه هكذَا" .
 ثم يوضعُ عليهِ الحنوطُ، الطيبُ ونحوهُ.
 8 - من عُجِزَ عن غسلهِ يُمِّمَ: 
إذَا لم يوجدْ ماءٌ لغسلِ الميتِ، أوْ ماتَ رجلٌ بين نساءٍ أوْ امرأةٌ بينَ رجالٍ يمِّمَ وكفِّنَ، وصلِّي عليهِ ودفنَ، ويقومُ التّيممُ مقامَ الغسلِ عندَ العجزِ، كالجنبِ إذَا عجزَ عنِ الغسلِ تيمّمَ وصلّى؛ وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا ماتتِ المرأةُ معَ رجالٍ ليسَ معهمُ امرأة غيرهَا، والرجلُ معَ النِّساءِ ليسَ معهنّ رجل غيرهُ، فإنهمَا يُيمَّمانِ ويدفنانِ" .
 وهمَا بمنزلةِ منْ لم يجدِ الماءَ.
 9 - تغسيلُ أحدِ الزوجينِ صاحبهُ: 
يجوزُ للرجلِ أنْ يغسِّلَ امرأتهُ، وللمرأةِ أنْ تغسلُ زوجهَا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ - رضي الله عنها -: "لَو متِّ لغسلتكِ وكفَّنتكِ" .
 ولأن عليَّا - رضي الله عنه -، غسَّلَ فاطمةَ - رضي الله عنها - .
 كمَا يجوزُ للمرأةِ، أنْ تغسلَ الصبي ابنَ ستِّ سنواتٍ فأقلَّ.
 وأما تغسيلُ الرجلِ الصَّبيةَ فقدْ كرههُ أهلُ العلمِ.
 10 - وجوبُ تكفينهِ: 
يجبُ أنْ يكفنَ المسلمُ إذَا غسلَ، بمَا يسترُ سائرَ جسدهِ، فقدْ كفِّنَ مصعبُ بنُ عميرٍ منْ شهداءِ أحد - رضي الله عنه - فيِ بردةٍ قصيرةٍ، فأمرهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يغطوا رأسهُ وجسدهُ، وأنْ يغطوا رجليهِ بالإذخرِ -نباتٌ-" .
 فدلّ هذَا علَى فرضيةِ تغطيةِ سائرِ الجسدِ.
 11 - استحبابُ بياضِ الكفنِ ونظافتهِ: 
يستحب أنْ يكونَ الكفنُ أبيضَ نظيفًا، جديدًا كانَ أوْ قديمًا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "البسُوا منْ ثيابكم البياضَ، فإنهَا منْ خيرِ ثيابكم، وكفِّنُوا فيهَا موتاكم" .
 كمَا يستحبُ أنْ يجمرَ الكفنُ بالعودِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا أجمرتمْ الميتَ فأجمروهُ ثلاثًا" .
 وأنْ يكونَ ثلاثَ لفائفَ للرجلِ، وخمسًا للمرأةِ، فقدْ كفِّنَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - فيِ ثلاثِ ثيابٍ بيضٍ سحوليةٍ جددٍ، ليسَ فيهَا قميصٌ ولَا عمامةٌ، إلاَّ المحرمَ فإنَهُ يكفّنُ في إحرامهِ: ردائهِ وإزارهِ فقطْ ولَا يطيَّبُ ولَا يغطَّى رأسهُ إبقاءً علَى إحرامهِ؛ لقولهِ- صلى الله عليه وسلم - في الّذِي وقعَ منْ علَى راحلتهِ يومَ عرفاتٍ فماتَ: "غسِّلوهُ بماء وسدرٍ وكفنوهُ فيِ ثوبيهِ، ولَا تحَنطوهُ، ولَا تخمِّروا رأسهُ، فإنَّهُ يبعثُ يومَ القيامةِ ملبيا" .
 ولَا تخمِّرُوا: أيْ لَا تغطوا.
 12 - كفنُ الحريرِ: 
يحرمُ أنْ يكفَّنَ المسلمُ فيِ ثوب حريرٍ؛ إذْ الحريرُ محرمٌ لبسهُ علَى الرجالِ، فيحرمُ تكفينهم فيهِ.
 وأمَّا المسلمةُ فإنَّهُ وإنْ كانَ لبسُ الحريرِ حلالَا لهَا، فإنَّهُ يكرهُ لهَا أنْ تكفَّنَ فيهِ؛ لأنهُ إسراف ومغالاةٌ نهَى عنهمَا الشَّارعُ، فقدْ رويَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تغالُوا بالكفنِ فإنَّهُ يسلبُ سريعًا" .
 وقالَ أبُو بكر - رضي الله عنه -: "إنَّ الحي أولَى بالجديدِ منَ الميتِ، إنَّمَا هوَ للمُهلةِ -القيحُ أوِ الصديدُ يسيلُ منَ الميِّتِ-" .
 13 - الصلاة عليهِ: 
والصَّلاةُ علَى المسلمِ إذَا ماتَ فرضُ كفايةٍ كغسلهِ وكفنهِ ودفنهِ، إذَا قامَ بهَا بعضُ المسلمينَ يسقطُ عنِ الباقينَ، فقدْ كانَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي علَى أمواتِ المسلمينَ، حتَّى إنَّهُ كانَ قبلَ أنْ يلتزمَ بديونِ المؤمنينَ إذَا ماتَ المسلمُ وتركَ دينًا لم يقضَ يمتنعُ منَ الصَّلاةِ عليهِ، ويقولُ: صلوا علَى صاحبكم .
 14 - شروطُ الصَّلاةِ علَى الميِّتِ: 
يشترط للصَّلاةِ علَى الجنازةِ، مَا يشترط للصَّلاةِ منْ طهارةِ الحدثِ والخبثِ، وسترِ العورةِ، واستقبالِ القبلةِ؛ لأنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - صلاةً، فقالَ: "صلُّوا علَى صاحبِكم" فتعطَى إذا حكْمَ الصَّلاةِ فيِ شروطهَا.
 15 - فروضهَا: 
فروض صلاةِ الجنازةِ هيَ: القيام للقادرِ عليهِ، والنِّية؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّمَا الأعمال بالنِّيَّاتِ" وقراءة الفاتحةِ، أوِ الحمد والثناءُ علَى اللّهِ، والصلاة والسَّلام علَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، والتَّكبيرات الأربعُ، والدُّعاء، والسلام.
 16 - كيفيَّتهَا: 
وكيفيَّتهَا هيَ: أنْ توضعَ الجنازةُ أوِ الجنائزُ قبلةً، ويقفَ الإمامُ والنَّاسُ وراءة ثلاثةَ صفوف فأكثرَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "من صلَّى عليهِ ثلاثة صفوف فقدْ أوجبت" .
 فيرفعَ يديهِ ناويا الصَّلاةَ علَى الميِّتِ أوِ الأمواتِ إنْ تعدَّدُوا، قائلاً: اللّهُ أكبرُ، ثم يقرأَ الفاتحةَ أوْ يحمدَ اللّهَ عزَّ وجلّ ويثني عليهِ، ثمَّ يكبرَ رافعًا يديهِ إنْ شاءَ، أوْ يتركهمَا علَى صدرهِ، اليمنَى فوقَ اليسرَى، ويصلِّي علَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ الإبراهيميةَ، ثم يكبرَ ويدعوَ للميتِ، ثم يكبرَ، وإنْ شاءَ دعَا وسلَّمَ، أو سلَّمَ بعدَ التَّكبيرةِ الرابعةِ مباشرةً تسليمة واحدةً؛ لماَ رويَ أنْ السّنةَ فيِ الصَّلاةِ علَى الجنازةِ أنْ يكبرَ الإمام، ثمَّ يقرأَ بفاتحةِ الكتابِ بعدَ التكبيرةِ الأولَى سرًّا فيِ نفسهِ، ثمَّ يصلِّي علَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ويخلصَ الدعاءَ للجنازةِ في التَّكبيراتِ، ولَا يقرأَ في شيءٍ منهنَّ ثمَّ يسلّمَ سرًّا فيِ نفسهِ .
 17 - المسبوقُ فِي صلاةِ الجنازةِ: 
والمسبوقُ إنْ شاءَ قضَى مَا فاتهُ منِ التَّكبيرِ متتابعًا، وإنْ شاءَ تركَ وسلَّمَ معَ الإمامِ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ- وقدْ سألتهُ أنَّهُ يخفَى عليهَا بعضُ التَّكبيرِ لَا تسمعهُ-: "مَا سمعتِ فكبِّرِي ومَا فاتكِ فلَا قضاءَ عليكِ" احتجَّ بهذَا الحديثِ صاحبُ المغني، ولم أقفْ لهُ علَى تخريجٍ.
 18 - من دفنَ ولم يصل عليهِ: 
منْ دفنَ ولم يصلَّ عليهِ صُليَ عليهِ وهوَ في قبرهِ، إذْ صلَّى رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - علَى التي تقم المسجدَ بعدَ أنْ دفنتْ وصلى أصحابهُ خلفهُ .
 كمَا يصلى علَى الغائبِ ولو بعدتِ المسافةُ، إذْ صلى - صلى الله عليه وسلم - علَى النجاشي وهوَ فيِ الحبشةِ والرسولُ والمؤمنونُ فيِ المدينةِ المنوَّرةِ .
 19 - ألفاظُ الدعاءِ: 
رويتْ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - ألفاظُ أدعيةٍ كثيرةٍ منهَا مَا يلي -وأيُ لفظٍ استعملَ منهَا أجزأَ-: "اللهمَّ إن فلانا ابنَ فلانٍ في ذمتكَ وحبلِ جواركَ فقِهِ منْ فتنةِ القبرِ وعذابِ النَّارِ، أنتَ أهلُ الوفاءِ والحق.
 اللهمَّ فاغفر لهُ وارحمهُ فإنكَ أنتَ الغفورُ الرحيمُ.
 اللهم اغفرَ لحيِّنَا وميِّتنا وصغيرنَا وكبيرنَا وذكرنَا وأنثانَا وحاضرِنا وغائبنَا.
 اللهم منْ أحييتهُ منّا فأحيهِ علَى الإسلامِ، ومنْ توفيتهُ منَّا فتوفَّهُ علَى الإيمانِ.
 اللهم لَا تحرمنَا أجرهُ ولَا تضلنَا بعدهُ".
 وإنْ كانَ الميتُ صبيًّا قالَ: "اللهم اجعلهُ لوالديهِ سلفًا وذخرًا وفرطًا وثقِّلْ بهِ موازينهم وأعظم بهِ أجورهم، ولَا تحرمنَا وإيّاهم أجرهُ ولَا تفتنَّا وإياهم بعدهُ.
 اللهم ألحقهُ بصالحِ سلفِ المؤمنينَ فيِ كفالة إبراهيمَ، وأبدلهُ دارًا خيرًا من دارهِ وأهلًا خيرًا منْ أهلهِ، وعافهِ منْ فتنةِ القبرِ، ومنْ عذابِ جهنمَ".
 20 - تشييعُ الجنازةِ وفضلهُ: 
منْ السنَّةِ تشييعُ الجنازةِ وهوَ الخروجُ معهَا، وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "عودُوا المريضَ وامشُوا معَ الجنازةِ تذكِّركمُ الآخرةَ" والإسراعُ بهَا لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أسرعُوا فإنْ تكُ صالحة فخيرٌ تقدِّمونهَا إليهِ، وإنْ تكُ سوَى ذلكَ فشرٌّ تضعونهُ عنْ رقابكم" .
 كمَا يستحبُّ المشي أمامهَا، إذْ "كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأبُو بكر وعمرُ يمشونَ أمامَ الجنازةِ" .
 وأما فضلُ التشييعِ فقدْ قالَ فيهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منِ اتبعَ جنازةَ مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا، وكانَ معهَا حتى يصلّى عليهَا ويفرغَ منْ دفنهَا فإنّهُ يرجعُ منَ الأجرِ بقيراطينِ، كلُّ قيراطٍ مثلُ أحدٍ، ومنْ صلَّى عليهَا ثم رجعَ قبلَ أنْ تدفنَ فإنَّهُ يرجعُ بقيراطٍ" .
 21 - مَا يكرهُ عندَ التشييعِ: 
يكرهُ خروجُ النِّساءِ معَ الجنازةِ لقولِ أمِّ عطيةَ - رضي الله عنها -: "نهينَا أنْ نتبعَ الجنائزَ ولم يعزمْ علينَا" .
 كمَا يكرهُ رفعُ الصوتِ عندهَا بذكرٍ أوْ قراءةٍ أوُ غيرهَا، إذْ كانَ أصحابُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يكرهونَ رفعَ الصَّوتِ عندَ ثلاثٍ: عندَ الجنازةِ وعندَ الذِّكرِ وعندَ القتالِ .
 كمَا يكرهُ الجلوسُ قبلَ أنْ توضعَ الجنازةُ منْ علَى الأعناقِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا اتّبعتم جنازةَ فلَا تجلسُوا حتى توضعَ بالأرضِ" .
 22 - دفنهُ: 
دفنُ الميِّتِ، وهوَ مواراةُ جسدهِ كاملاً بالتُّرابِ فرضُ كفايةٍ؛ لقولهِ تعالَى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21] وَلَهُ أَحْكَامٌ مِنْهَا: 
1 - أنْ يعمَّقَ القبرُ تعميقا يمنعُ وصولَ السباعِ والطَّيرِ إلَى الميِّتِ ويحجبُ رائحتهُ أنْ تخرجَ فتؤذيَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "احفروا وأعمقُوا وأحسنُوا وادفنَوا الاثنيِن والثَّلاثةَ في قبر واحدٍ، فقالُوا: منْ نقدِّمُ يَا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: قدِّمُوا أكثرهم قرآنًا" .
 2 - أنْ يلَحدَ في القبرِ؛ إذِ اللَّحدُ أفضلُ، وإنْ كانَ الشّق جائزا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اللحدُ لنَا والشَّقّ لغيرنَا" .
 واللّحَدُ: هوَ الحفر فيِ جانبِ القبرِ الأيمنِ، والشَّقُّ: هوَ الحفر فيِ وسطِ القبرِ.
 3 - يستحبُّ لمنْ حضرَ الدَّفنَ أنْ يحثوَ ثلاثَ حثياتٍ منَ الترابِ بيدهِ فيرميَ بهَا فيِ القبرِ منْ جهةِ رأسِ الميِّتِ، لفعلِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ كمَا ذكرهُ ابنُ ماجه بسندٍ لَا بأسَ بهِ.
 4 - أنْ يدخلَ الميتُ من مؤخَّرِ القبرِ إذَا تيسرَ ذلكَ، وأنّ يوجَّهَ إلَى القبلةِ موضوعًا علَى جنبهِ الأيمنِ.
 وأنْ تحلَّ أربطةُ كفنهِ، وأنْ يقولَ واضعهُ: بسمِ اللّهِ وعلَى ملَّةِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ لفعلِ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم - ذلكَ .
 5 - أنْ يغطَّى قبر المرأةِ بثوبٍ أثناءَ وضعهَا فيِ قبرهَا؛ إذ كانَ السَلفُ يسجُّونَ قبرَ المرأةِ حالَ وضعهَا دونَ قبرِ الرجلِ.
 المادةُ الثالثةُ: فيمَا ينبغِي بعدَ الدفنِ: 
1 - الاستغفارُ للميتِ والدعاءُ لهُ: 
يستحبُّ لمنْ حضرَ الدَّفنَ أنْ يستغفرَ للميتِ، وأنْ يسألَ لهُ التَّثبيتَ فيِ المسألةِ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "استغفرُوا لأخيكم وسلُوا لهُ التثبيتَ فإنَّهُ الآنَ يُسألُ" كانَ يقولهُ عندَ الفراغِ منْ الدَّفنِ، وكانَ بعضُ السَّلفِ يقولُ: اللَّهم هذَا عبدكَ نزلَ بكَ، وأنتَ خيرُ منزول بهِ، فاغفر لهُ ووسِّعْ مدخلهُ.
 2 - تسطيحُ القبرِ أو تسويتهُ: 
ينبغِي أنْ يسوَّى القبرُ بالأرضِ لأمرهِ - صلى الله عليه وسلم - بتسويةِ القبورِ بالأرضِ، غيرَ أنَّ تسنيمَ القبرِ جائز وهوَ رفعُ القبرِ قدرَ شبرٍ مسنَّمًا واستحبهُ الجمهورُ؛ لأنّ قبرَ النبي كانَ مسنّمًا.
 ولَا بأسَ بوضعِ العلامةِ علَى القبرِ ليعرفَ بهَا منْ حجر ونحوهَا، لأنّهُ - صلى الله عليه وسلم - علّمَ قبرَ عثمانَ بنَ مظعونٍ - رضي الله عنه - بصخرةٍ، وقالَ: "أتعلّمُ بهَا قبرَ أخِي، وأدفنُ إليهِ منْ ماتَ منْ أهلي".
 3 - تحويمُ تجصيصِ القبرِ والبناءِ عليهِ: 
يحرمُ تجصيصُ القبرِ أوِ البناءُ عليهِ، لماَ روَى مسلمٌ أنَّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - نهَى أنْ يجصَّصَ القبرُ أوْ يبنى عليهِ.
 4 - كراهيةُ الجلوسِ علَى القبورِ: 
يكرهُ للمسلم أنْ يجلسَ علَى قبرِ أخيهِ المسلمِ أوْ يطأهُ برجلهِ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تجلسُوا علَى القبورِ، ولَا تصلُّوا إليهَا" .
 وقولهِ: "لأنْ يجلسَ أحدكم علَى جمرة فتحرِّقَ ثيابهُ فتخلصَ إلَى جلدهِ خيرٌ منْ أنْ يجلسَ على قبر" .
 5 - تحريمُ بناءِ المساجدِ علَى القبورِ: 
يحرمُ بناء المساجدِ علَى القبورِ، واتِّخاذ السُّرجِ عليهَا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لعنَ الله زوَّاراتِ القبورِ والمتَّخذاتِ عليهَا المساجدَ والسرجَ" .
 وقولهِ: "لعنَ اللَّهُ اليهودَ اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ" .
 6 - تحريمُ نبشِ القبرِ ونقلِ رفاتهِ: 
يحرمُ نبش القبورِ ونقل رفاةِ أهلهَا، أوِ إخراجِ أصحابهَا منهَا إلاَّ لضرورةٍ أكيدة كأنْ يدفنَ بلَا غسلٍ مثلًا.
 كمَا يكرة نقل الميتِ الَّذِي لم يدفنْ بعد منْ بلدٍ إلَى بلد إلاَّ إذَا كانَ المنقول إليهِ أحدَ الحرمينِ الشَّريفينِ، مكةَ أوْ المدينةِ، أوْ بيتَ المقدسِ كذلكَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ادفنُوا القتلَى فيِ مصارعهم" .
 7 - استحبابُ التَّعزيةِ: 
تستحب تعزيةُ أهلِ الميتِ رجالًا كانُوا أوْ نساءً قبلَ الدَّفنِ وبعدهُ إلَى ثلاثةِ أيامٍ إلاَّ أنْ يكونَ أحذ المعزينَ غائبًا أوْ بعيدًا فلَا بأسَ إنْ تأخرتْ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا من مؤمنين يعزِّي أخاهُ بمصيبةٍ إلاَّ كساهُ اللهُ عز وجل منْ حللِ الكرامةِ يومَ القيامةِ" .
 8 - معنَى التَّعزيةِ: 
والتعزيةُ هيَ التّصبيرُ، وحملُ أهلِ الميتِ علَى العزاءِ والصَّبرِ بذكرِ مَا يهوِّنُ عليهم المصابَ، ويخفِّفُ عنهم شدّةَ الحزنِ، وتؤدَّى التَّعزيةُ بأيِّ لفظٍ كانَ.
 وممَّا يروَى عنهُ - صلى الله عليه وسلم - فيِ ذلكَ قولهُ لابنتهِ وقدْ أرسلتْ إليهِ أن ابنًا لهَا قدْ ماتَ، فأرسلَ إليهَا منْ يقرئهَا السَّلامَ ويقولُ لهَا: "إنَّ للّهِ مَا أخذَ، ولهُ مَا أعطَى، وكلُّ شيءٍ عندهُ بأجلٍ مسمَّى، فلتصبر ولتحتسبْ" .
 وكتبَ بعضُ السلفِ يعزِّي أحدًا بوفاةِ ولدهِ فقالَ: منْ فلان إلَى فلان، سلام عليكَ فإنِّي أحمدُ إليكَ اللّهَ الذِي لَا إلهَ إلاَّ هوَ، أما بعدُ، فأعظمَ اللّهُ لكَ الأجرَ، وألهمكَ الصَّبرَ، ورزقنَا وإيَّاكَ الشُّكرَ، فإن أنفسنَا وأموالنَا وأهلنَا منْ مواهبِ اللّهِ الهنيئةِ، وعواريهِ المستودعةِ، متَّعكَ اللّهُ بهِ فيِ غبطةٍ وسرور، وقبضهُ منكَ بأجرٍ كبيبر.
 الصَّلاةُ والرحمةُ والهدَى إنِ احتسبتهُ: فاصبر، ولَا يُحبطُ جزعُكَ أجرَكَ فتندمَ.
 واعلم أن الجزعَ لَا يردُّ ميتًا، ولَا يدفعُ حزنًا، ومَا هُو نازلٌ فكأنْ قدْ، والسَّلامُ.
 وقدْ يكفِي في التعزيةِ قولُ: أعظمَ اللّهُ أجركَ، وأحسنَ عزاكَ وغفرَ لميتكَ، ويقولُ المعزّى: آمينَ، آجركَ اللّهُ، ولَا أراكَ مكروهًا.
 9 - بدعةُ المآتمِ: 
وممَا يجبُ تركهُ والابتعادُ عنهُ مَا ابتدعهُ النَاسُ لغلبةِ الجهلِ منَ الاجتماعِ في البيوتِ للتَّعزيةِ وإقامة المآدبِ، وصرفِ الأموالِ منْ أجلِ المباهاةِ والفخرِ، إذِ السلفُ الصالحُ لم يكونُوا يجتمعونَ فيِ البيوتِ، بلْ كانَ يعزِّي بعضهم بعضًا في المقبرةِ، وعندَ الملاقاةِ فيِ أيِّ مكانٍ، ولَا بأسَ أنْ يقصدهُ إلَى محلِّهِ إنْ لم يتمكنْ منْ مقابلتَهِ في المقبرةِ أوِ الشَّارعِ؛ إذِ المحدثُ هوَ الاجتماعُ الخاص المعدُّ إعدادًا متعمدًا.
 10 - اصطناعُ المعروفِ لأهلِ الميتِ: 
يستحب صنعُ الطعامِ لأهلِ الميتِ، ويقومُ بذلكَ الأقاربُ أو الجيرانُ يومَ الوفاةِ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اصنعُوا لآلِ جعفرَ طعامًا فإنهُ قدْ أتاهم أمرٌ يشغلهم" .
 أمَّا أنْ يصنعَ أهلُ الميتِ أنفسهم الطَّعامَ لغيرهم فهذَا مكروهٌ لَا ينبغِي لماَ فيهِ من مضاعفةِ المصيبةِ عليهم، وإنْ حضرَ منْ تجبُ ضيافتهُ كغريبٍ مثلًا استحبَّ أنْ يقومَ الجيرانُ والأقاربُ بضيافتهِ بدلًا عنْ أهلِ الميت.
 11 - الصدقةُ علَى الميِّتِ: 
يستحب الصّدقةُ علَى الميتِ لماَ روَى مسلمٌ عنْ أبِي هريرة أنَّ رجلًا قالَ: يَا رسولَ اللّهِ إنَّ أبِي ماتَ وتركَ مالًا ولم يوصِ، فهلْ يكفِّر عنهُ أنْ أتصدَّقَ عنهُ؟.
 قالَ: "نعم".
 ولماَّ ماتتْ أم سعدِ بنِ عبادةَ - رضي الله عنهما - قالَ: يَا رسولَ اللّهِ! إنَّ أمِّي ماتتْ أفأتصدَّقُ عنهَا؟ قالَ: "نعم".
 قالَ: فأي الصَّدقةِ أفضلُ؟.
 قالَ: "سقيُ الماءِ" .
 12 - قراءةُ القرآنِ علَى الميِّتِ: 
لَا بأسَ أنْ يجلسَ المسلمُ فيِ المسجدِ أوْ في بيتهِ فيقرأَ القرآنَ، فإذَا فرغَ منْ تلاوتهِ سألَ اللّهَ تعالَى للميتِ المغفرةَ والرحمةَ، متوسِّلًا إلَى اللّهَ عز وجل بتلك التِّلاوةِ التي تلاهَا منْ كتابِ اللّهِ تعالَى.
 أما اجتماعُ القراءِ فيِ بيت الهالكِ علَى القراءةِ وإهداؤهم ثوابَ قراءتهم للميِّتِ، وإعطاؤهم أجرًا علَى ذلكَ منْ قبلِ أهلِ الميتِ فهذَا بدعةٌ منكرةٌ يجب تركهَا، ودعوةُ الإخوةِ المسلمينَ إلَى اجتنابهَا والابتعادِ عنهَا؛ إذْ لم يعرفهَا سلف هذهِ الأمةِ الصَّالحُ، ولم يقلْ بهَا أهل القرونِ المفضلةِ، ومَا لم يكنْ لأولِ هذهِ الأمةِ دينًا لم يكنْ لآخرهَا دينا بحالٍ منَ الأحوالِ.
 13 - حكمُ زيارةِ القبور: 
زيارة القبورِ مستحبةٌ؛ لأنَّهَا تذكر بالآخرةِ وتنفع الميتَ بالدُّعاءِ والاستغفارِ له؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كنت نهيتكم عنْ زيارة القبورِ فزوروهَا فإنّهَا تذكّرُكم بالآخرةِ" .
 إلاَّ أنْ تكونَ المقبرةُ أوِ الميت علَى مسافةٍ بعيدةٍ يضطرُّ الزائز معهَا إلَى شدِّ رحلٍ وسفرٍ خاص فإنهَا حينئذٍ لَا تشرعُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تشدُّ الرحال إلاَّ إلَى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ، ومسجدِي هذا، والمسجدِ الأقصَى" .
 14 - مَا يقولهُ زائر القبورِ: 
يقولُ الزّائر لقبورِ المسلمينَ مَا كانَ رسول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولهُ إذَا زارَ "البقيعَ" وهوَ: 
"السلامُ عليكم أهلَ الدِّيارِ منَ المؤمنينَ والمسلمينَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللّهُ بكم لاحقونَ.
 أنتمْ فرطنَا ونحنُ لكم تبعٌ، نسألَ اللّهَ لنَا ولكم العافيةَ.
 اللَّهمَّ اغفر لهم.
 اللهم ارحمهم" .
 15 - حكم زيارة القبورِ للنساءِ: 
لم يختلفْ أهلُ العلمِ فيِ حرمةِ كثرةِ تردُّدِ المرأةِ علَى المقابرِ لزيارتهَا؛ وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لعنَ اللهُ زواراتِ القبورِ".
 وأما معَ عدمِ الكثرةِ والتِّكرارِ فبعضٌ كرهَ الزِّيارةَ مطلقًا للحديثَ السابقِ، وبعضٌ أجازَ لماَ ثبتَ أن عائشةَ - رضي الله عنها - زارتْ قبرَ أخيهَا عبدِ الرحمنِ، فسئلتْ عن ذلكَ فقالتْ: "نعم كانَ قدْ نهَى عنْ زيارةِ القبورِ، ثم أمرَ بزيارتهَا" .
 ومنْ أجازَ زيارةَ النِّساءِ القليلةَ اشترطَ عدمَ فعلهِا أي منكرٍ كانَ، كأنْ تنوحَ عندَ القبرِ، أوْ تصرخَ، أوْ تخرجَ متبرجةً، أوْ تنادِي الميتَ وتسألهُ حاجتهَا؛ إلَى غيرِ ذلكَ مما شوهدَ فعلهُ منَ النِّساءِ الجاهلاتِ بأمورِ الدِّينِ فيِ غيرِ زمانٍ ومكانٍ.
  

Tidak ada komentar:

Posting Komentar

المادة الثانية في العقيقة

المادة الثانية في العقيقة     1 - تعريفهَا: العقيقةُ هيَ الشاةُ تذبحُ للمولودِ يومَ سابعِ ولادَتهِ.  2 - حكمهَا: العقيقة سنَّة متأكَّدةٌ للق...