Senin, 07 Oktober 2024

الفصل السادس في الادب مع الخلق


 ﴿ (6) الفصل السادس في الادب مع الخلق  ﴾ 
۞۞۞۞۞۞۞

 1 - الوالدانِ: 
يؤمنُ المسلمُ بحقِّ الوالدينِ عليهِ وواجب برهمَا وطاعتهمَا والإحسانِ إليهمَا لَا لكونهمَا سببَ وجودهِ فحسبُ، أوْ لكونهمَا قدّمَا لهُ منَ الجميل والمعروفِ مَا وجب معهُ مكافأتهمَا بالمثلِ، بلْ لأنّ اللّهَ عز وجل أوجب طاعتهمَا، وكتبَ علَى الولدِ برهمَا والإحسانَ إليهمَا حتَّى قرنَ ذلكَ بحقِّهِ الواجب لهُ منْ عبادتهِ وحدهُ دونَ غيرهِ فقالَ عز وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23 - 24].
 وقالَ سبحانهُ وتعالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14] وقالَ الرَّسولُ- صلى الله عليه وسلم - للرَّجلِ الَّذِي سألهُ قائلًا: منْ أحقُّ بحسنِ صحبتي؟ قالَ: "أمُّكَ".
 قالَ: ثمَّ منْ؟ قالَ: "أمكَ".
 قالَ: ثمَّ منْ؟ قالَ: "أمُّكَ".
 قالَ: ثمَّ منْ؟ قالَ: "أبوكَ" وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللهَ حرَّمَ عليكم عقوقَ الأمهاتِ، ومنعَ وهاتِ، ووأدَ البناتِ، وكرهِ لكم قيلَ وقالَ وكثرةَ السُّؤالِ، وإضاعةَ المالِ" .
 وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "ألَا أنبئكم بأكبرِ الكبائرِ؟ " قالُوا: بلَى يَا رسولَ اللَّهِ، قالَ: "- صلى الله عليه وسلم -الإشراكُ باللَّهِ، وعقوقُ الوالدينِ" وكانَ متَّكئًا فجلسَ وقالَ: "ألَا وقولُ الزُّورِ وشهادةُ الزُورِ، ألَا وقولُ الزّورِ وشهادةُ الزّورِ، فمَا زالَ يقولهُا حتَّى قَال أبُو بكرةَ: قلتُ: ليتهُ سكتَ" وقالَ ع - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يجزِي ولدٌ والدًا إلاَّ أنْ يجدهُ مملوكًا فيشتريهُ فيعتقهُ" .
 وقالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ - رضي الله عنه -: سألتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أيُّ العملِ أحبّ إلَى الله تعالَى؟ قالَ: "برُّ الوالدينِ" قلتُ: ثمَّ أيُّ؟ قالَ: "الجهادُ فيِ سبيلَ اللّهِ".
 وجاءَ رجلٌ إليهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ- يستأذنهُ في الجهادِ فقالَ: "أحىٌّ والداكَ؟ " قالَ: نعم، قالَ: "ففيهمَا فجاهدْ" .
 وجاءَ رجَلٌ منَ الأنصارِ فقالَ: يَا رسولَ اللّهِ هلْ بقيَ علي شيءٌ منْ برِّ أبويَّ بعدَ موتهمَا أبرُّهمَا بهِ؟ قالَ: "نعم، خصالٌ أربعُ: الصَّلاةُ عليهمَا والاستغفارُ لهمَا، وإنفاذُ عهدهمَا، وإكرامُ صديقهمَا، وصلةُ الرحمِ الَّتي لَا رحمَ لكَ إلاَّ منْ قِبلهَا، فهوَ الَّذِي بقيَ عليكَ منْ برهمَا بعدَ موتهمَا" .
 وقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "إنَّ منْ أبرِّ البرِّ أنْ يصلَ الرَّجلُ أهلَ وُد أبيهِ بعدَ أنْ يولِّيَ الأبُ" .
 والمسلمُ إذْ يعترفُ بهذَا الحقِّ لوالديهِ ويؤدِّيهِ كاملًا طاعة للّهِ تعالَى، وتنفيذًا لوصيتهِ فإنَّهُ يلتزمُ كذلكَ إزاءَ والديهِ بالآداب الآتيةِ: 
1 - طاعتهمَا في كلِّ مَا يأمرانِ بهِ، أوْ ينهيانِ عنهُ ممَّا ليسَ فيهِ معصيةٌ للّهِ تعالَى ومخالفةٌ لشريعتهِ إذْ لَا طاعة لمخلوقٍ فيِ معصيةِ الخالقِ لقولهِ تعالَى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].
 وقولِ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -: 
 "إنَّمَا الطاعةُ في المعروفِ"، وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا طاعةَ لمخلوق فيِ معصيةِ الخالقِ".
 2 - توقيرهمَا وتعظيمُ شأنهمَا، وخفض الجناح لهمَا، وتكريمهمَا بالقولِ وبالفعلِ، فلَا ينهرهمَا، ولَا يرفعُ صوتهُ فوقَ صوتهمَا، ولَا يمشِي أمامهمَا، ولَا يؤثرُ عليهمَا زوجةً ولَا ولدًا، ولَا يدعوهما باسمهمَا، بلِ بيَا أبِي ويَا أمِّي، ولَا يسافرُ إلاَّ بإذنهمَا ورضاهمَا.
 3 - برُّهمَا بكل مَا تصلُ إليهِ يداهُ، وتتَّسعُ لهُ طاقتهُ منْ أنواعِ البرِّ والإحسانِ، كإطعامهمَا وكسوتهمَا، وعلاجِ مريضهمَا، ودفعِ الأذَى عنهمَا، وتقديمِ النَّفس فداءً لهمَا.
 4 - صلةُ الرحمِ الَّتي لَا رحمَ لهُ إلاَّ منْ قِبلهمَا والدّعاءُ والاستغفارُ لهمَا وإنفاذُ عهدهمَا وإكرامُ صديقهمَا.
 ب- الأولادُ: 
المسلمُ يعترفُ بأنَّ للولدِ حقوقًا علَى والدهِ يجبُ عليهِ أداؤهَا لهُ، وآدابًا يلزمهُ القيام بهَا إزاءهُ، وهيَ تتمثَّلُ فيِ اختيارِ والدتهِ، وحسنِ تسميتهِ، وذبحِ العقيقةِ عنهُ يومَ سابعهِ، وختانهِ ورحمتهِ والرفقِ بهِ، والنَّفقةِ عليهِ، وحسنِ تربيتهِ، والاهتمامِ بتثقيفهِ وتأديبهِ وأخذهِ بتعاليمِ الإسلامِ وتمرينهِ علَى أداءِ فرائضهِ وسننهِ وآدابهِ، حتَّى إذَا بلغَ زوَّجهُ، ثمَّ خيّرهُ بينَ أنْ يبقَى تحت رعايتهِ، وبينَ أنْ يستقلَّ بنفسهِ، ويبني مجدهُ بيده وذلكَ لأدلَّةِ الكتابِ والسُّنَّةِ التَّاليةِ: 
1 - قولهُ تعالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233].
 وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
 ففِي هذهِ الآيةِ الأمرُ بوقايةِ الأهلِ منَ النَّارِ وذلكَ بطاعةِ اللّهِ تعالَى، وطاعتهُ تعالَى تستلزمُ معرفةَ مَا يجبُ أنْ يطاعَ فيهِ تعالَى، وهذَا لَا يتأتَّى بغيرِ التَعلُّمِ، ولما كانَ الولدُ منْ جملةِ أهل الرَّجل كانتْ الآيةُ دليلًا علَى وجوبِ تعليمِ الوالدِ ولدهُ وتربيتهِ وإرشادهِ وحملهِ علَى الخير والطَّاعةِ للَّهِ ولرسولهِ، وتجنيبهِ الكفرَ والمعاصي والمفاسدَ والشُّرورَ ليقيَهُ بذلكَ عذابَ النَّارِ.
 كمَا أنَّ في الآيةِ الأولَي: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} الآيةُ، دليلُ وجوبِ نفقةِ الولدِ علَى الوالِد؛ إذِ النَّفقةُ الواجبةُ للمرضعةِ كانتْ بسببِ إرضاعهَا الولدَ، وقالَ تعالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ } [الإسراء: 31].
 2 - قولهُ - صلى الله عليه وسلم - لماَّ سئلَ عنْ أعظمِ الذُّنوبِ: "أنْ تجعلَ للَّهِ ندًّا وهوَ خلقكَ، وأنْ تقتُل ولدكَ خشيةَ أنْ يطعمَ معكَ، وأنْ تزاني بحليلةِ جاركَ" فالمنعُ منْ قتلِ الأولادِ مستلزمٌ لرحمتهم والشَّفقةِ عليهم والمحافظةِ علَى أجسامهم وعقولهم وأرواحهم، وقالَ - صلى الله عليه وسلم - فيِ العقيقةِ علَى الولدِ: "الغلامُ مرتهنٌ بعقيقةٍ تذبحُ عنهُ يومَ السابعِ، ويسمَّى فِيهِ ويحلقُ رأسهُ" .
 وقالَ: "الفطرةُ خمس: الختانُ، والاستحدادُ، وقصُّ الشَّاربِ، وتقليمُ الأظفارِ، ونتفُ الإبطِ" .
 وقالَ: "أكرمُوا أولادكمْ وأحسنوا أدبهمْ، فإنَّ أولاكمْ هديَّةٌ إليكمْ" وقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "ساوُوا بينَ أولادكُم فيِ العطَّيةِ، فلو كنتُ مفضِّلًا أحدًا لفضَّلتٌ النِّساءَ" .
 وقالَ: "مرُوا أولادكمْ بالصَّلاةِ وهمِ أبناءُ سبعِ سنينَ واضربوهم عليهَا وهم أبناءُ عشرِ سنينَ وفرقُوا بينهم فيِ المضاجعِ" .
 وجاءَ فيِ الأثرِ: منْ حقِّ الولدِ علَى الوالدِ أنْ يحسنَ أدبهُ، ويحسنَ اسمهُ.
 وقالَ عمر رضي اللّهُ عنهُ: منْ حقِّ الولدِ علَى الوالدِ أنْ يعلِّمهُ الكتابةَ والرمايةَ وأنْ لَا يرزقهُ إلاَّ حلالاً طيبا، ويروَى عنهُ أيضاً قولهُ: تزوَّجُوا في الحجرِ الصَّالحِ، فإنَّ العرقَ دساس.
 وقدِ امتنَّ أعرابيٌّ علَى أولادهِ باختيارِ أمِّهم فقالَ: 
وأولُ إحسانِي إليكم تخيُّرِي 
 لماجدةِ الأعراقِ بادٍ عفافهَا ج- الإخوة: 
المسلمٌ يرَى أنَّ الأدبَ معَ الإخوةِ كالأدبِ معَ الآباءِ والأبناءِ سواء، فعلَى الإخوةِ الصِّغارِ منَ الأدبِ نحوَ إخوتهمُ الكبارِ مَا كانَ عليهم لآبائهم، وأنَّ علَى الإخوةِ الكبارِ نحوَ إخوتهم الصغارِ مَا كانَ لأبويهم عليهم منْ حقوقٍ وواجبات وآدابٍ وذلكَ لماَ وردَ: "حق كبيرِ الإخوةِ علَى صغيرهم كحقِّ الوالدِ علَى ولدهِ" .
 ولقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "بِرَّ أمكَ وأباكَ، ثم أختكَ وأخاكَ، ثم أدناكَ أدناكَ" .
 د- الزوجانِ: 
المسلمُ يعترفُ بالآدابِ المتبادلةِ بينَ الزَّوجِ وزوجتهِ، وهيَ حقوقُ كل منهمَا علَى صاحبِه، وذلكَ لقولهِ تعالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] .
 فهذهِ الآية الكريمةُ قدْ أثبتتْ لكلِّ منَ الزَّوجينِ حقوقًا علَى صاحبهِ وخصَّتِ الرجلَ بمزيدِ درجةٍ لاعتباراتٍ خاصَّةٍ.
 وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فيِ حجّةِ الوداعِ: "ألَا إن لكم علَى نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا" .
 غيرَ أنَّ هذهِ الحقوقَ بعضهَا مشتركٌ بينَ كلِّ منَ الزَّوجينِ، وبعضهَا خاصّ بكل منهمَا علَى حدةٍ فالحقوقُ المشتركةُ هيَ: 
1- الأمانةُ؛ إذْ يجبُ علَى كل من الزَّوجيِن أنْ يكونَ أمينًا معَ صاحبهِ فلَا يخونهُ فيِ قليلٍ ولَا كثيرٍ، إذِ الزوجانِ أشبهُ بشريكينِ فلابدَّ منْ توفُّرِ الأمانةِ، والنصحِ والصِّدقِ والإخلاصِ بينهمَا فيِ كلِّ شأنٍ منْ شؤونِ حياتهمَا الخاصةِ والعامَّةِ.
 2 - المودَّةُ والرحمةُ بحيثُ يحملُ كلٌّ منهمَا لصاحبهِ أكبرَ قدرٍ منَ المودةِ الخالصةِ، والرحمةِ الشَّاملةِ يتبادلانهَا بينهمَا طيلةَ الحياةِ مصداقًا لقولهِ تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] .
 وتحقيقا لقولِ الرسولِ عليهِ الصلاة والسَّلامُ: "منْ لَا يرحمُ لَا يرحمُ" .
 3 - الثقةُ المتبادلةُ بينهمَا بحيثُ يكونُ كلّ منهمَا واثقًا فيِ الآخرِ ولَا يخامرهُ أدنَى شك فيِ صدقهِ ونصحهِ وإخلاصهِ لهُ وذلكَ لقولهِ تعالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] .
 وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يؤمنُ أحدكم حتّى يحبَّ لأخيهِ مَا يحبُّ لنفسهِ" .
 والرابطةُ الزوجيةُ لَا تزيدُ أخوّةَ الإيمانِ إلاَّ توثيقًا وتوكيدًا وتقوية وبذلكَ يشعرُ كل منَ الزَّوجينِ أنَّهُ هوَ عينُ الآخرِ وذاتهُ، وكيفَ لَا يثقُ الإنسانُ فيِ نفسهِ ولَا ينصحُ لهَا؟ أوْ كيفَ يغش المرءُ نفسهُ ويخدعهَا؟.
 4 - الآدابُ العامَّةُ منْ رفقٍ في المعاملةِ، وطلاقةِ وجهٍ، وكرمِ قولٍ وتقديرٍ واحترامٍ، وهيَ المعاشرةُ بالمعروفِ الَّتي أمرَ اللّهُ بها في قولهِ تعالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] .
 وهيَ الاستيصاءُ بالخيرِ الذِي أمرَ بهِ الَرسولُ العطيمُ فيِ قولهِ: "واستوصُوا بالنساءِ خيرًا" .
 فهذهِ جملةٌ منَ الآدابِ المشتركةِ بينَ الزَّوجينِ، والّتي ينبغِي أنْ يتبادلاهَا بينهمَا عملاً بالميثاقِ الغليظِ الَّذِي أشيرَ إليه فيِ قولهِ تعالَى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) } [النساء: 21] وطاعةً للّهِ القائلِ سبحانهُ: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .
 [البقرة: 237] .
 وأما الحقوقُ المختصةُ، والآدابُ الَّتي يلزمُ كلًأ منَ الزوجين أنْ يقومَ بهَا وحدهُ نحوَ زوجهِ فهي: 
 أولاً- حقوقُ الزوجةِ على الزوج: 
يجبُ علَى الزَّوجِ إزاءَ زوجتهِ القيامُ بالآدابِ التاليةِ: 
1- أنْ يعاشرهَا بالمعروفِ لقولهِ تعالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] فيطعمهَا إذَا طعمَ، ويكسوهَا إذَا اكتسَى، ويؤدِّبهَا إذَا خافَ نشوزهَا بمَا أمرَ اللّهُ أنْ يؤدَّبَ النِّساءُ بأنْ يعظهَا فيِ غيرِ سبٍّ ولَا شتمٍ ولَا تقبيح، فإنْ أطاعتْ وإلَّا هجرهَا فيِ الفراشِ، فإنْ أطاعتْ وإلَّا ضربهَا فيِ غيرِ الوجهِ ضربًا غيرَ مبرح، فلَا يسيلُ دمًا ولَا يشينُ جارحةً أوْ يعطلُ عملَ عضوٍ منَ الأعضاءِ عنْ أداءِ وظيفتهِ لقولهِ تعالَى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34] ولقولِ رسولِ اللّهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ للَّذِي قالَ لهُ: مَا حق زوجةِ أحدنَا عليهِ؟ فقالَ: "أنْ تطعمهَا إنْ طعمتَ، وتكسوهَا إنِ اكتسيتَ، ولَا تضربْ الوجهَ، ولَا تقبِّحْ، ولَا تهجر إلاَّ في البيتِ" وقولهِ: "ألَا وحقُّهنَّ عليكمْ أن تحسنُوا إليهنَّ في كسوتهنَّ وطعامهنَّ " وقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "لَا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً -أيْ لَا يبغضهَا- إنْ كرهَ منهَا خلقًا رضيَ آخرَ" .
 2 - أنْ يعلِّمهَا الضروري منْ أمورِ دينهِا إنْ كانتْ لَا تعلمُ ذلكَ، أوْ يأذنَ لهَا أنْ تحضرَ مجالسَ العلمِ لتتعلمَ ذلكَ؛ إذْ حاجتهَا لإصلاحِ دينهَا وتزكيةِ روحهَا ليست أقلَّ منْ حاجتهَا إلَى الطَّعامِ والشَّرابِ الواجبِ بذلهمَا وذلكَ لقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6] .
 والمرأة من الأهل ووقايتهَا منَ النارِ بالإيمانِ والعمل الصالحِ، والعملُ الصَّالحُ لَا بدَّ لهُ منَ العلمِ والمعرفةِ حتَّى يمكنَ أداؤهُ والقيام بهِ علَى الوجهِ المطلوب شرعًا، ولقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ألَا واستوصُوا بالنساءِ خيرًا فإنَّمَا هنَّ عوانٍ -أسيراتٌ- عندكُم" ومنَ الاستيصاءِ بهَا خيراً أنْ تعلم مَا تُصلحُ بهِ دينهَا وأنْ تُؤدَّبَ بمَا يكفل لها الاستقامةَ وصلاح الشأن.
 3 - أنْ يلزمهَا بتعاليمِ الإسلامِ وآدابهِ وأنْ يأخذهَا بذلكَ أخذًا فيمنعهَا أنْ تُسْفِرَ أو تتبرج، ويحولَ بينهَا وبينَ الاختلاطِ بغيرِ محارمهَا منَ الرجالِ، كمَا عليهِ أنْ يوفِّرَ لهَا حصانة كافيَة ورعايةً وافيةً، فلَا يسمحَ لهَا أنْ تفسدَ في خلقٍ أوْ دينٍ، ولَا يفسحَ لهَا المجالَ أنْ تفسقَ عنْ أوامرِ اللّهِ ورسولهِ أوْ تفجرَ؛ إذْ هوَ الراعِي المسؤولُ عنهَا والمكلَّفُ بحفظهَا وصيانتهَا لقولهِ تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34] وقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "والرَّجلُ راعٍ فيِ أهلهِ وهوَ مسؤولٌ عن رعيَّتهِ" .
 4 - أنْ يعدلَ بينهَا وبينَ ضرتهَا، إنْ كانَ لهَا ضرة، يعدلَ بينهمَا فيِ الطَّعامِ والشَّرابِ واللِّباسِ، والسَّكنِ والمبيتِ في الفراش، وأنْ لَا يحيف فيِ شيءٍ منْ ذلكَ، أوْ يجورَ ويظلمَ إذْ حرمَ اللّهُ سبحانهُ ذلكَ في قولَهِ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] .
 والرسولُ عليهِ أفضلُ الصّلاةِ والسَّلامِ وصَّى بهنَّ الخيرَ فقالَ: "خيركم خيركُم لأهلهِ، وأنَا خيركم لأهلي" .
 5 - أنْ لَا يفشيَ سرهَا، وألَّا يذكرَ عيبًا فيهَا، إذْ هوَ الأمينُ عليهَا، والمطالبُ برعايتهَا والذَّودِ عنهَا لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ منْ شر النَّاسِ عندَ اللَّهِ منزلةً يومَ القيامةِ الرَّجلَ يفضِي إلَى امرأتهِ وتفضِي إليهِ ثمَّ ينشرُ سرهَا" .
 ثانياً - حقوقُ الزوجِ علَى الزوجةِ: 
يجبُ علَى الزَّوجةِ نحوَ زوجهَا القيامُ بالحقوق والآدابِ الآتيةِ: 
1 - طاعتهُ في غيرِ معصيةِ اللّهِ تعالَى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: 34] .
 وقوَلُ الرسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "إذَا دعَا الرَجلُ امرأتهُ إلَى فراشهِ فلم تأتهِ فباتَ غضبانَ عليهَا لعنتهَا الملائكةُ حتَّى تُصبحَ" .
 وقولهُ: "لو كنتُ آمراً أحدًا أنْ يسجد لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أنْ تسجدَ لزوجهَا" .
 2 - صيانةُ عرضِ الزَّوجِ والمحافظةِ علَى شرفهَا، ورعايةُ مالهِ وولدهِ وسائرِ شؤون منزلهِ لقولهِ تعالَى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] وقولِ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -: 
 "والمرأةُ راعيةٌ علَى بيتِ زوجهَا وولدهِ" .
 وقولهِ: "فحقُّكم عليهنَّ أنْ لَا يوطئنَ فرشكمْ منْ تكرهونَ، ولَا يأذنَّ فيِ بيوتكُم لمنْ تكرهونَ".
 3 - لزومُ بيتِ زوجهَا فلَا تخرجُ منهُ إلاَّ بإذنهِ ورضاهُ، وغض طرفهَا -عينهَا- وخفضُ صوتهَا، وكفُّ يدهَا عنِ السوءِ، ولسانهَا عنِ النُّطقِ بالفحش والبذاءِ، ومعاملةُ أقاربهِ بالإحسانِ الذِي يعاملهم هوَ بهِ، إذْ مَا أحسنتْ إلَى زوجهَا منْ أساءتْ إلَى والديهِ أوْ أقاربهِ، وذلكَ لقولهِ تعالَى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] وقولهِ سبحانهُ: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32] .
 وقوله {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 148] .
 وقولهِ: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] .
 وقولِ الرسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "خير النساءِ التي إذَا نظرتَ إليهَا سرتكَ، وإذَا أمرتهَا أطاعتكَ، وإذَا غبتَ عنهَا حفظتكَ في نفسهَا ومالكَ" .
 وقولهِ: "لَا تمنعُوا إماءَ اللَّهِ مساجدَ اللَّهِ، وإذَا استأذنتْ امرأةُ أحدكُم إلَىَ المسجدِ فلَا يمنعهَا" وقولهِ: "ائذنُوا للنِّساءِ بالليلِ إلَى المساجدِ" .
 هـ - الأدبُ معَ الأقاربِ: 
المسلمُ يلتزمُ لأقاربهِ وذوِي رحمهِ بنفسِ الآدابِ التي يلتزمُ بهَا لوالديهِ وولدهِ وإخوتهِ، فيعاملُ خالتهُ معاملةَ أمِّهِ، وعمتهُ معاملةَ أبيه، وكمَا يعاملُ الأبَ والأمَّ يعاملُ الخالَ والعم فيِ كل مظهر منْ مظاهرِ طاعةِ الوالدينِ وبرهمَا والإحسانِ إليهمَا.
 فكلُّ منْ جمعتهم وإيَّاهُ رحمٌ واحدةٌ منْ مؤمنٍ وكافِرٍ اعتبرهم منْ ذوِي رحمهِ الواجبِ صلتهم وبرُّهم والإحسانُ إليهم، والتزمَ لهم بنفسِ الآدابِ والحقوقِ التي يلتزمُ بهَا لولدهِ ووالديهِ، فيوقِّر كبيرهم، ويرحمُ صغيرهم، ويعودُ مريضهم، ويواسِي منكوبهم، ويعزِّي مصابهم.
 يصلهم وإنْ قطعوهُ، ويلينُ لهم وإنْ قسوا معهُ وجارُوا عليهِ.
 وكلُّ ذلكَ منهُ تمشِّيًا معَ مَا توحيهِ هذهِ الآياتُ الكريمةُ والأحاديثُ النبويَّةُ الشريفةُ وتأمرُ بهِ، قالَ تعالَى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1] .
 وقالَ: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب: 6] .
 {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] وقالَ تعالَى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) } [الروم: 38] .
 وقالَ عزَّ منْ قائل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل: 90] .
 وقالَ سبحانهُ وتعالَى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] .
 وقولهُ: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 8] .
 وقالَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -: "يقولُ اللهُ تعالَى: أنَا الرحمنُ، وهذهِ الرحمُ شققتُ لهَا اسمًا منَ اسمِي، فمنْ وصلهَا وصلتهُ ومنْ قطعهَا قطعتهُ".
 وقالَ لهُ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ أحدُ أصحابهِ: منْ أَبِر؟ فقالَ: "أمّك، ثم أمّكَ، ثم أمّكَ، ثم أباكَ، ثمَّ الأقربَ فالأقربَ".
 وسئلَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عمّا يُدخلُ الجنّةَ منَ الأعمالِ، ويباعد عنِ النّارِ، فقال: "تعبدُ اللَّهَ ولَا تشركُ بهِ شيئًا، وتقيمُ الصَّلاةَ، وتؤتي الزَّكاةَ، وتصلُ الرحمَ، .
 وقالَ فيِ الخالةِ: "إنَّهَا بمنزلةِ الأمِّ" .
 وقالَ: "الصَّدقةُ علَى المسكينِ صدقة وعلَى ذِي الرحمِ صدقة وصلة" .
 وقالَ لأسماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصدِّيقِ - رضي الله عنه - وقدْ سألتهُ عنْ صلتهَا أمّهَا حينمَا قدمتْ عليهَا منْ مكَّةَ مشركة فقالَ لهَا: "نعمْ صلي أمّكِ".
 و الأدبُ معَ الجيرانِ: 
المسلمُ يعترفُ بمَا للجارِ علَى جارهِ منْ حقوقٍ وآدابٍ، يجبُ علَى كل منَ المتجاورينِ بذلهَا لجارهِ وإعطاؤهَا لهُ كاملةً؛ وذلكَ لقولهِ تعالَى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] .
 وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا زالَ جبريلُ يوصينى بالجارِ حتى ظننتُ أنَّهُ سيورِّثهُ" .
 وقولهِ: "مَنْ كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ فليكرمْ جارهُ" .
 1 - عدمُ أذيَّتهِ بقولٍ أوْ فعل لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلَا يؤذِي جارهُ" .
 وقولهِ: "واللَّهِ لَا يؤْمنُ، واللَّهِ لَا يؤمنُ" فقيلَ لهُ: منْ هوَ يَا رسولَ اللَّهِ؟ فقالَ: "الَّذِي لَا يأمنُ جارهُ بوائقهُ" .
 وقولهِ: "هيَ فيِ النَّارِ"، للَّتي قيلَ لهُ إنَّهَا تصومُ النَّهارَ وتقومُ اللَّيلَ، وتؤذِي جيرانَها .
 2 - الإحسانُ إليهِ، وذلكَ بأنْ ينصرهُ إذَا استنصرهُ، ويعينهُ إذَا استعانهُ، ويعودهُ إذَا مرضَ، ويهنِّئهُ إذَا فرحَ، ويعزيهُ إذَا أصيبَ، ويساعدهُ إذَا احتاجَ، يبدؤهُ بالسَّلامِ، يلينُ لهُ الكلامَ، يتلطَّفُ فيِ مكالمِة ولدهِ، ويرشدهُ إلَى مَا فيهِ صلاحُ دينهِ ودنياهُ، يرعَى جانبهُ ويحمِي حماهُ، يصفحُ عنُ زلاتهِ، ولَا يتطلَّعُ إلَى عوراتهِ، لَا يضايقهُ فيِ بناءٍ أوْ ممر، ولَا يؤذيهِ بميزابٍ يصبُّ عليهِ، أوْ بقذرٍ أوْ وسخِ يلقيهِ أمامَ منزلهِ، كل هذَا منَ الإحسانِ إليهِ المأمورِ بهِ فيِ قولِ اللّهِ تعالَى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] .
 وقالَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -: "من كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ فليحسنْ إلَى جارهِ" .
 3 - إكرامهُ بإسداءِ المعروفِ والخيرِ إليهِ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "يَا نساءَ المسلماتِ لَا تحقرنَّ جارةٌ لجارتهَا ولو فرسنَ شاةٍ" وقولهِ لأبِي ذر: "يَا أبَا ذر إذَا طبختَ مرقةً فأكثر ماءهَا وتعاهدْ جيرانكَ" .
 وقولهِ لعائشةَ - رضي الله عنها - لماَّ قالتْ لهُ: إنَّ لي جارينِ، فإلَى أيهمَا أُهدِي؟ قالَ: "إلَى أقربهمَا منكِ بابًا" .
 4 - احترامه وتقديرهُ، فلَا يمنعهُ أنْ يضعَ خشبةً في جدارهِ، ولَا يبيعُ أوْ يؤجِّرُ مَا يتَّصلُ بهِ، أوْ يقربُ منهُ حتَّى يعرضَ عليهِ ذلكَ، ويستشيرهُ لقولَ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يمنعنَّ أحدكمْ جارهُ أنْ يضعَ خشبةً في جدارهِ" وقولهِ: "منْ كانَ لهُ جارٌ في حائطٍ أوْ شريك فلَا يبعْه حتَّى يعرضهُ عليهِ" .
 فائدتَان: 
الأولَى: يعرفُ المسلمُ نفسهُ إذَا كانَ قدْ أحسنَ إلَى جيرانهِ، أوْ أساءَ إليهمَ بقولِ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم - للَّذِي سألهُ عنْ ذلكَ: "إذَا سمعتَ جيرانكَ يقولونَ قدْ أحسنتَ، فقدْ أحسنتَ، وإذَا سمعتهم يقولونَ قدْ أسأتَ، فقدْ أسأتَ" .
 الثانيةُ: إذَا ابتليَ المسلمُ بجارِ سوءٍ فليصبر عليهِ فإنَّ صبرهُ سيكونُ سببَ خلاصهِ منهُ، فقدْ جاءَ رجلٌ إلَى النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يشكُو جارهُ فقالَ: "اذهبْ فاصبر" فأتاهُ مرتينِ أوْ ثلاثًا فقالَ: "اطرحْ متاعكَ في الطَّريقِ" فطرحهُ، فجعلَ النَّاسُ يمرُّونَ بهِ ويقولونَ: مالك؟ فيقولُ: آذاني جارِي، فيلعنون جارهُ حتَّى جاءهُ وقالَ لهُ: رُدَّ متاعكَ إلَى منزلكَ فإنِّي واللّهِ لَا أعودُ" .
 ز- آدابُ المسلمُ وحقوقهُ: 
المسلمُ يؤمنُ بمَا لأخيهِ المسلمِ منْ حقوقٍ وآدابٍ تجبُ لهُ عليهِ، فيلتزمُ بهَا ويؤديهَا لأخيهِ المسلمِ، وهوَ يعتقدُ أنَّهَا عبادةٌ للّهِ تعالَى، وقربَةٌ يتقربُ بهَا إليهِ سبحانهُ وتعالَى، إذْ هذهِ الحقوق والآدابُ أوجبهَا اللّهُ تعالَى علَى المسلمِ ليقومَ بهَا نحوَ أخيهِ المسلمِ، فَفِعلُهَا إذًا طاعةٌ للّهِ، وقربةٌ لهُ بدونَ شك.
 ومنْ هذه الآدابِ والحقوقِ مَا يلي: 
1- أنْ يسلِّمَ عليهِ إذَا لقيهُ قبلَ أنْ يكلمهُ فيقولَ: السلامُ عليكم ورحمةُ اللّهِ، ويصافحهُ، ويردُّ المسلَّمُ عليهِ قائلًا: وعليكمُ السَّلامُ ورحمةُ اللّهِ وبركاتهُ، وذلكَ لقولهِ تعالَى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] .
 وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "يسلمُ الرَّاكبُ على الماشِي، والماشِي على القاعدِ، والقليلُ على الكثيرِ" .
 وقولهِ: "إنَّ الملائكةَ تعجبُ من المسلمِ يمرُّ علَى المسلمِ ولا يسلمُ عليهِ" .
 وقولهِ: "وتقرأُ السلامَ على من عرفتَ ومنْ لمْ تعرفْ" .
 وقولهِ: "مَا منْ مسلمينِ يلتقيانِ فيتصافحانِ إلاَّ غفرَ لهمَا قبلَ أن يتفرَّقَا" .
 وقولهِ: "منْ بدأَ بالكلامِ قبلَ السَّلامِ فلَا تجيبوهُ حتَى يبدأَ بالسَّلامِ" .
 2 - أنْ يشمِّتهُ إذَا عطسَ بأنْ يقولَ لهُ إذَا حمدَ اللّهَ تعالَى: يرحمكَ اللّهُ، ويردّ العاطسُ عليهِ قائلاً: يغفرُ اللّهُ لي ولك، أوْ: يهديكمُ اللّهُ ويصلحُ بالكم؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا عطسَ أحدكمْ فليقلْ لهْ أخوهُ: يرحمكَ اللَّهُ، فإذَا قالَ لهُ: يرحمكَ اللَّهُ، فليقلْ لهُ: يهديكمُ اللَّهُ ويصلحُ بالكم" .
 وقالَ أبُو هريرةَ - رضي الله عنه -: كانَ رسولُ - صلى الله عليه وسلم - إذا عطس وضع يدهُ أوْ ثوبهُ علَى فيهِ وخفضَ بهَا صوتهِ .
 3 - أنْ يعودهُ إذَا مرضَ، ويدعوَ لهُ بالشِّفاءِ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - عز وجل: "حق المسلمِ علَى المسلمِ خمسٌ: 
 رد السَّلامِ، وعيادةُ المريضِ، واتباعُ الجنائزِ، وإجابةُ الدَّعوةِ، وتشميتُ العاطسِ" .
 ولقولِ البراءِ بنِ عازبٍ - رضي الله عنه -: أمرنَا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بعيادةِ المريضِ، واتِّباعِ الجنائزِ، وتشميتِ العاطسِ، وإبرارِ المقسمِ، ونصرِ المظلومِ، وإجابةِ الدَّاعِي، وإفشاءِ السَّلامِ .
 ولقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "عودُوا المريضَ، وأطعمُوا الجائعَ، وفكُّوا العانيَ -الأسيرَ-" .
 وقولِ عائشةَ: إنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم -كانَ يعودُ بعضَ أهلهِ فيمسحُ ييدهِ اليمنَى، ويقولُ: "اللَّهم ربَّ النَّاسِ أذهبِ الباسَ، اشفِ وأنتَ الشافيِ لَا شفاءَ إلاَّ شفاؤكَ شفاءً لَا يغادرُ سقما" .
 4 - أنْ يشهدَ جنازتهُ إذَا ماتَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "حقُّ المسلمِ علَى المسلمِ خمسٌ: ردّ السَّلامِ، وعيادةُ المريضِ، واتِّباعُ الجنائزِ، وإجابةُ الدعوةِ، وتشميتُ العاطسِ".
 5 - أنْ يبرَّ قسمهُ إذَا أقسمَ عليهِ في شيءٍ، وكانَ لَا محذوَر فيهِ، فيفعلَ مَا حلف لهُ منْ أجلهِ حتى لَا يحنثَ فيِ يمينهِ.
 وذلك لحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ: أمرنَا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بعيادةَ المريضِ، واتِّباعِ الجنائِز، وتشميتِ العاطسِ، وإبرارِ المقسمِ، ونصرِ المظلومِ، وإجابةِ الدَّاعِي، وإفشاءِ السَّلامِ.
 6 - أنْ ينصحَ لهُ إذَا استنصحهُ فيِ شيءٍ منْ الأشياءِ، أوْ أمرٍ منَ الأمورِ بمعنَى أنَّهُ يبين لهُ مَا يراهُ الخيرَ فيِ الشّيءِ، أوِ الصّوابَ في الأمرِ؛ وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا استنصحَ أحدكم أخاهُ فلينصحْ لهُ" .
 وقولهِ: "الدِّينُ النّصيحةُ" وسئلَ لمنْ؟ فقالَ: "للهِ ولكتابهِ ولرسولهِ ولأئمّةِ المسلمينَ وعامَّتهم": .
 والمسلمُ قطعًا منْ جملتهم.
 7 - أنْ يحب لهُ مَا يحبّ لنفسهِ، ويكرهَ لهُ مَا يكرهُ لنفسهِ.
 لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يؤمنُ أحدكمْ حتى يحب لأخيهِ ما يحبُّ لنفسهِ، ويكرهُ لهُ مَا يكرهُ لنفسهِ" .
 وقولهِ: "مثلُ المؤمنينَ في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثلِ الجسدِ إذَا اشتكى منْه عضوٌ تداعَى لهُ سائرُ الجسدِ بالَسهرِ والحمَّى" .
 وقولهِ: "المؤمنُ للمؤمنِ كالبنيانِ يشد بعضهُ بعضًا" (10) .
 8 - أنْ ينصرهُ ولَا يخذلهُ في أي موطنٍ احتاجَ فية إلَى نصرهِ وتأييدهِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "انصر أخاكَ ظالماً أوْ مظلومًا".
 وسئَلَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ عنْ كيفيَّةِ نصرهِ وهوَ ظالمٌ فقالَ: "تأخذُ فوقَ يديهِ" بمعنَى: تحجزهُ عنْ الظُّلمِ وتحولُ بينهُ وبينَ فعلهِ فذلكَ نصركَ لهُ.
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "المسلمُ أخُو المسلمِ، لَا يظلمهُ ولَا يخذلهُ ولا يحقرهُ" .
 وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من امرئٍ مسلم ينصرُ مسلمًا في موضعٍ ينتهكُ فيهِ عرضهُ، وتستحلُّ فيهِ حرمتهُ إلاَّ نصرهَ اللَّهُ في موطنٍ يحبُّ فيهِ نصره، وما منِ امرئٍ خذلَ مسلمًا فيِ موطنٍ تنتهكُ فيهِ حرمتهُ إلاَّ خذلَه اللّهُ في موضع يحبُّ فيهِ نصرهُ" .
 وَقَوْلِهِ: "منْ رد عنْ عرضِ أخيهِ ردَّ اللّهُ عنْ وجههِ النّارَ يومَ الَقيامةِ" .
 9 - أنْ لَا يمسَّهُ بسوءٍ، أوْ ينالهُ بمكروهٍ.
 وذلكَ لقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "كلُّ المسلمِ علَى المسلم حرامٌ دمهُ ومالهُ وعرضهُ" .
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يروِّعَ مسلمًا" .
 وقولهِ: "لا يحلُّ لمسلم أنْ يشيرَ إلَى أخيهِ بنظرةٍ تؤذيهِ" .
 وقولهِ: "إنَّ اللَّهَ يكرهُ أذَى المؤمنينَ" .
 وقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "المسلمُ منْ سلمَ المسلمونَ منْ لسانهِ ويدهِ" .
 وقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "المؤمنُ منْ أمنهُ المؤمنونَ علَى أنفسهم وأموالهم" .
 10 - أنْ يتواضعَ لهُ، ولَا يتكبرَ عليهِ، وأنْ لَا يقيمهُ منْ مجلسهِ المباحِ ليجلسَ فيهِ.
 لقولهِ تعالَى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18] .
 ولقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللهَ تعالَى أوحَى إلي أنْ تواضعُوا حتَّى لَا يفخرَ أحدٌ علَى أحدٍ" (10) .
 وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ما تواضعَ أحدٌ للَّهِ إلاَّ رفعهُ اللَّهُ تعالى".
 ولماَ عُرفَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - من تواضعهِ لكل مسلمٍ وهوَ سيدُ المرسلينَ، ومنْ أنَّهُ كانَ لَا يأنفُ ولَا يتكبر أنْ يمشيَ معَ الأرملةِ والمسكينِ، ويقضيَ حاجتهمَا، وأنَّهُ قالَ: "اللَّهمَّ أحينِي مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني فيِ زمرَة اِلمساكينِ" (11) .
 وقولهِ عليهِ الصلاة والسلامُ: "لَا يقيمنَّ أحدكم رجلًا منْ مجلسهِ ثمَّ يجلسُ فيهِ، ولكنْ توسَّعُوا وتفسَّحُوا" .
 11 - أنْ لَا يهجرهُ أكثرَ منْ ثلاثةِ أيَّامٍ لقولِ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحلُّ لمسلم أنْ يهجرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ، يلتقيانِ فيُعرضُ هذَا ويُعرضُ هذَا وخيرهمَا الَّذِي يبدأُ بالسَّلام" .
 وقولهِ: " ولَا تدابرُوا، وكونوا عبادَ اللَّهِ إخوانًا" .
 والتَّدَابرُ هوَ التَّهاجرُ، وإعطاءُ كل دبرهُ للآخرِ معرضًا عنهُ.
 12 - أنْ لَا يغتابهُ، أوْ يحتقرهُ، أوْ يعيبهُ، أوْ يسخرَ منهُ، أوْ ينبزهُ بلقبِ سوءٍ، أوْ ينم عنهُ حديثًا للإفسادِ، لقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12] وقولهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] .
 وقولِ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "أتدرونَ مَا الغيبةُ؟ " قالُوا: اللَّهُ ورسولهُ أعلمُ قالَ: "ذكركَ أخاكَ بمَا يكرهُ" قيلَ: أرأيتَ إنْ كانَ فيِ أخِي مَا أقولُ؟ قالَ: "إنْ كانَ فيهِ مَا تقولُ، فقدِ اغتبتهِ، وإنْ لمْ يكنْ فيهِ مَا تقولُ فقدْ بهتَّهُ" .
 وقولهِ في حجَّةِ الوداعِ: "إن دماءكمْ وأموالكمْ وأعراضكمْ حرامٌ عليكمْ" .
 وقوله: "كل المسلم عَلَى المسلمِ حرامٌ: دمهُ ومالهُ وعرضهُ" .
 وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "بحسبِ امرئٍ منَ الشَّر أنْ يحقرَ أَخاهُ المسلمَ" .
 وقولهِ: "لَا يدخلُ الجنَّةَ قتَّاتٌ" يعني نمَّامٌ.
 13 - أنْ لَا يسبَّهُ بغيرِ حق حيًّا كانَ أوْ ميتًا لقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "سبابُ المسلمِ فسوقٌ، وقتالهُ كفرٌ" .
 وقولهِ: "لَا يرمِي رجلٌ رجلًا بالفسقِ أوِ الكفرِ إلاَّ ارتدَّ عليهِ إنْ لمْ يكنْ صاحبهُ كذلكَ" .
 وقولهِ: "المتسابانِ مَا قالَا، فعلَى البادِي منهمَا حتَّى يعتديَ المظلومُ" (10) .
 وقولهِ: "لَا تسبُّوا الأمواتَ فإنَّهمْ قدْ أفضوْا إلَى مَا قَدَّمُوا" (11) .
 وقولهِ: "منَ الكبائرِ شَتم الرجلِ والديهِ" قالُوا: وهَل يشتم الرَّجلُ والديهِ؟ قالَ: "نعم! يسب الرَّجلُ أبَا الرَّجلِ فيسبُّ أباهُ، ويسب أمَّهُ فيسبُّ أمَّهُ" .
 14 - أنْ لَا يحسدهُ، أوْ يظنَّ بهِ سوءًا، أوْ يبغضهُ، أوْ يتجسَّسَ عليهِ؟ لقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات: 12] .
 وقولهِ تعالَى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور: 12] ، وقولِ الرَّسولَ - صلى الله عليه وسلم - "لَا تحاسدُوا ولَا تناجشُوا ولَا تباغضُوا، ولَا تدابرُوا، وَلا يبعْ بعضكم علَى بيع بعضٍ، وكونُوا عبادَ اللّهِ إخوانًا" .
 وقولهِ: "إيَّاكم والظَّنَّ فإنَّ الظَّنَّ أكذبُ الحديثِ" .
 15 - أنْ لَا يغشَّهُ، أوْ يخدعهُ لقولهِ تعالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58] وقولهِ: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 112] وقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ حملَ علينَا السلاحَ فليسَ منَّا، ومنْ غشَّنَا فليس منا" .
 وقولهِ:" منْ بايعتَ فقلْ: لَا خلابةَ" .
 يعني لَا خديعةَ.
 وقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "مَا منْ عبدٍ يسترعيهِ اللَّهُ رعيَّة يموتُ يومَ يموتُ وهوَ غاشٌّ لرعيتهِ إلاَّ حرمَ اللّهُ عليهِ الجنَّةَ" .
 وقولهِ: "منْ خببَ زوجةَ امرئٍ أوْ مملوكهُ فليسَ منّا" .
 ومعنَى خبَّبَ: أفسدَ وخدعَ.
 16 - أنْ لَا يغدرهُ أوْ يخونه، أوْ يكذبهُ، أوْ يماطلهُ في قضاءٍ دينهِ لقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] .
 وقولهِ: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة: 177] .
 وقولهِ: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] .
 وقولِ الرّسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "أربعٌ منْ كنَّ فيهِ كانَ منافقًا خالصًا، ومنْ كانتْ فيهِ خصلةٌ منهنَّ كانَ فيهِ خصلةٌ منَ النفاقِ حتَّى يدعهَا: إذَا اؤتمنَ خانَ، وإذَا حدَّثَ كذبَ، وإذَا عاهدَ غدرَ، وإذَا خاصمَ فجرَ" .
 وقولهِ: "قالَ اللّهُ تعالَى: ثلاثةٌ أنَا خصمهم يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطَى بِي ثمُّ غدرَ، ورجلٌ باعَ حرًّا فأكلَ ثمنهُ، ورجلٌ استأجرَ أجيرًا فاستوفَى منه ولم يعطهِ أجرهُ" .
 وقولهِ: "مطلُ الغنيِّ ظلمٌ، وإذَا أتبعَ أحدكم علَى مليءٍ فليتبعْ" .
 17 - أنْ يخالقهُ بخلقٍ حسنٍ فيبذلَ لهُ المعروفَ ويكفَّ عنهُ الأذَى، ويلاقيه بوجهٍ طلقٍ، يقبلُ منهُ إحسانهُ، ويعفُو عنْ إساءتهِ، ولَا يكلفهُ مَا ليسَ عندهُ، فلَا يطلبُ العلمَ منْ جاهلٍ، ولَا البيانَ منَ عيي لقولهِ تعالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .
 وقولِ الرسولِ عليهِ الصَلاةُ والسلامُ: "اتَقِ اللّهَ حيثمَا كنتَ، وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ النَّاسَ بخلقٍ حسنٍ" .
 18 - أنْ يوقِّرهُ إنْ كانَ كبيرا، ويرحمهُ إنْ كانَ صغيرًا لقولِ المصطفَى عليهِ الصَلاةُ والسلامُ:" ليسَ منَّا منْ لم يوقِّر كبيرنَا، ويرحم صغيرنَا" .
 وقولهِ: "إن منْ إجلالِ اللّهِ إكرامَ ذِي الشيبةِ المسلمِ" .
 وقولهِ: "كبر كبر" أيِ ابدأْ بالكبيرِ، ولماَ عُرفَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - منْ أنه كانَ يُؤتَى بالصبي ليدعوَ لهُ بالبركةِ ويسمِّيهُ فيضعهُ في حجرهِ فرّبمَا بالَ الصَّبيُّ فيِ حجرهِ عليهِ الصَلاةُ والسلامُ، ورويَ أنَّهُ كانَ إذَا قدمَ منْ سفرٍ تلقاهُ الصِّبيانُ فيقفُ عليهم ثم يأمرُ بهم فيرفعونَ إليهِ فيجعلُ منهم بينَ يديهِ ومنْ خلفهِ، ويأمرُ أصحابهُ أنْ يحملُوا بعضهم رحمة منهُ عليهِ الصلاة والسلامُ بالصِّبيانِ.
 19 - أنْ ينصفهُ منْ نفسهِ ويعاملهُ بمَا يحب أنْ يعاملَ بهِ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يستكملُ العبدُ الإيمانَ حتَّى يكونَ فيهِ ثلاثُ خصالٍ: الإنفاقُ منَ الإقتارِ، والإنصافُ منْ نفسهِ، وبذلُ السلامِ" .
 وقولهِ: "منْ سرهُ أنْ يزحزحَ عنِ النَّارِ ويدخلَ الجنَّةَ فلتأتهِ منيتهُ وهوَ يشهدُ أنْ لَا إلهَ إلاَّ اللهُ وأنَ محمّدًا عبدهُ ورسولهُ، وليؤتِ إلَى النَاسِ مَا يحب أنْ يؤتَى إليهِ" .
 20 - أنْ يعفوَ عن زلَّتهِ ويسترَ منْ عورتهِ، وأنْ لَا يتسمَّعَ إلَى حديثٍ يخفيهِ عنهُ لقولهِ تعالَى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13] وقولهِ جلتْ قدرتهُ: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] .
 وقولهِ: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] .
 وقولهِ: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] .
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [النور: 19] .
 ولقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا زادَ اللَّة عبدًا بعفو إلاَّ عزًّا" .
 وقولهِ: "وأنْ تعفوَ عمَّنْ ظلمكَ".
 وقولهِ: "لَا يسترُ عبدٌ عبدًا فيِ الدنيَا إلاَّ سترهُ الله يومَ القيامةِ" .
 وقولهِ: "يَا معشرَ منْ آمنَ بلسانهِ ولم يدخُل الإيمانُ فيِ قلبهِ لَا تغتابُوا المسلمينَ ولَا تتبعُوا عوراتهم فإنة منْ يتبعْ عورةَ أخيهِ المسلمِ يتبعِ الله عورتهُ، ومنْ يتبع الله عورتَه يفضحه ولوْ كانَ فيِ جوفِ بيتهِ" .
 وقولهِ: "منْ استمعَ إلَى حديثِ قوم وهم لهُ كارهونَ صب في أذنهِ الآنكُ يومَ القيامةِ" 21 - أنْ يساعده إذَا احتاجَ إلَى مساعدتهِ، وأنْ يشفعَ لهُ فيِ قضاءِ حاجتهِ إنْ كانَ يقدر علَى ذلكَ لقولهِ تعالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] .
 وقولهِ سبحانهُ: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} [النساء: 85] ، وقولِ الرسولِ الله عز وجل: "منْ نفسَ عنْ مؤمنٍ كربةً منْ كربِ الدنيَا نفسَ اللَّهُ عنة كربةً منْ كربِ يومِ القيامةِ، ومنْ يسرَ علَى معسر، يسرَ اللّهُ عليهِ في الدنيا والآخرةِ، ومنْ سترَ مسلمًا سترَهْ اللهُ في الدنيَا والآخرةِ، واللَّهُ في عونِ العبدِ مَا كانَ الَعبدُ في عونِ أخيهِ" وقولهِ عليه السلام: "اشفعُوا تؤجروا ويقضِي الله علَىَ لسانِ نبيهِ مَا شاءَ.
" .
 22 - أنْ يعيذهُ إذَا استعاذَ باللّهِ، وأنْ يعطيهَ إذَا سأله باللّهِ، وأنْ يكافئه علَى معروفهِ أوْ يدعوَ له؛ وذلكَ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منَ استعاذكم باللَّهِ فأعيذوه، ومنْ سألكم باللّهِ فأعطوه، ومنْ دعاكم فأجيبوهُ، ومن صنعَ إليكم معروفًا فكافئوهُ، فإنْ لم تجدوا مَا تكافئونه بهِ فادعُوا له حتَّى تروْا أنكم قدْ كافأتموه" .
 ح- الأدبُ معَ الكافرِ: 
يعتقدُ المسلمُ أنَّ سائرَ المللِ والأديانِ باطلةٌ، وأنَّ أصحابهَا كفّارٌ إلاَّ الدِّينَ الإسلامي فإنَّهُ الدَّينُ الحقُّ، وإلأ أصحابهُ فإنَّهمُ المؤمنونَ المسلمونَ وذلكَ لقولهِ تعالَى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] .
 وقولهِ سبحانهُ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] .
 وقولهِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .
 فبهذهِ الأخبارِ الإلهيَّةِ الصَّادقةِ علمَ المسلمُ أنَّ سائرَ الأديانِ الَّتي قبلَ الإسلامِ قَد نسختْ بالإسلامِ، وأنَّ الإسلامَ هوَ دين البشريَّةِ العام، فلم يقبلِ الله منْ أحدٍ دينًا غيرهُ، ولَا يرضَى بشرعٍ سواهُ، ومنْ هنَا كانَ المسلمُ يرَى أنَّ كلَّ منْ لم يدنْ للهِ تعالَى بالإسلامِ فهوَ كافرٌ، ويلتزم حيالة بالآدابِ التَّاليةِ: 
1 - عدم إقرارهِ علَى الكفرِ، وعدم الرضاءِ بهِ، إذِ الرضَا بالكفرِ كفرٌ.
 2 - بغضة ببغضِ اللهِ تعالَى لهُ؛ إذ الحب في اللهِ والبغضُ في اللهِ، ومَا دامَ اللهُ عز وجل قدْ أبغضهُ لكفره بهِ فالمسلمُ يبغض الكافرَ ببغضِ اللهَ تعالَى له.
 3 - عدم موالاتهِ ومودَّتهِ لقوله تعالَى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 28] .
 وقولهِ تعالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] .
 4 - إنصافهُ والعدلُ معهُ وإسداء الخيرِ له إنْ لم يكنْ محاربًا لقولهِ تعالَى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] .
 فقدْ أباحتْ هذهِ الآية الكريمةُ المحكمةُ الإقساطَ إلَى الكفَّارِ وهوَ العدل وإنصافهم وإسداءَ المعروفِ إليهم، ولم تستثنِ منْ الكفَّارِ إلاَّ المحاربينَ فقطْ، فإنَّ لهم سياسةً خاصَّةً تعرف بأحكامِ المحاربينَ.
 5 - يرحمة بالرحمةِ العامَّةِ كإطعامهِ إنْ جاعَ، وسقيهِ إنْ عطشَ، ومداواتهِ إنْ مرضَ، وكإنقاذهِ منْ تهلكةٍ، وتجنيبهِ الأذَى لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ارحم منْ في الأرضِ يرحمْكَ منْ في السَّماءِ" .
 وقولهِ: "في كلِّ ذِي كبدٍ رطبةٍ أجرٌ" .
 6 - عدمُ أذيَّتهِ في مالهِ أَوْ دمه أوْ عرضهِ إنْ كانَ غيرَ محاربٍ، لقولِ الرَّسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام: "يقول اللهُ تعالَى: يَا عبادِي! إنِّي حرمت الظُّلمَ علَى نفسِي وجعلتهُ بينكم محرما فلَا تظالموا " .
 وقولهِ: "منْ آذَى ذمِّيّا فأنا خصمهُ يومَ القيامَة" .
 7 - جوازُ الإهداءِ إليهِ، وقبولِ هديَّتهِ، وأكلِ طعامهِ إنْ كانَ كتابيّا: يهوديّا أوْ نصرانيًّا لقولهِ تعالَى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5].
 ولماَ صحَّ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ كانَ يدعَى إلَى طعامِ يهود بالمدينةِ فيجيبُ الدعوةَ ويأكلُ مما يقدَّمُ لهُ منْ طعامهم.
 8 - عدمُ إنكاحهِ المؤمنةَ، وجوازُ نكاحِ الكتابياتِ منَ الكفَّارِ لقولهِ تعالَى فيِ منعِ المؤمنةِ منَ الزواجِ بالكافرِ مطلقًا: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10].
 وقوله: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة: 221].
 وقالَ تعالَى في إباحةِ نكاحِ المسلمِ الكتابيَّةَ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5].
 9 - تشميتهُ إذَا عطسَ وحمدَ اللّهَ تعالَى بأنْ يقولَ لهُ: يهديكمُ اللّهُ ويصلحُ بالكم، إذْ كانَ الرسولُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يتعاطسَ عندهُ يهودُ رجاءَ أنْ يقولَ لهم: يرحمكمُ اللّهُ، فكانَ يقولُ لهم: يهديكمُ الله ويصلحُ بالكم.
 15 - لَا يبدؤهُ بالسلامِ، وإنْ سلَّمَ عليه ردَّ عليهِ بقولهِ: "وعليكم" لقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا سلَّمَ عليكم أحدٌ منْ أهلِ الكتابِ فقولُوا: وعليكم" .
 11 - يضطرهُ عندَ المرورِ بهِ فيِ الطريقِ إلَى أضيقهِ لقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تبدأوا اليهودَ ولَا النصارَى بالسلامِ فإذَا لقيتمْ أحدَهم فيِ طرقٍ فاضطروهُ إلَى أضيقهِ" .
 12 - مخالفتهُ وعدمُ التَّشبهِ بهِ فيمَا ليسَ بضروري كإعفاءِ اللِّحيةِ إذَا كانَ هوَ يحلقهَا، وصبغهَا إذَا كانَ هوَ لَا يصبغهَا، وكذَا مخالفتهُ في الِّلباسِ من عمَّةِ وطربوشٍ ونحوهِ لقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "ومنْ تشبَّهَ بقوم فهوَ منهم" وقولهِ: "خالفُوا المشركينَ؛ أعفُوا اللِّحَى وقصُّوا الشَّواربَ" .
 وقولهِ: "إنَّ اليهودَ والنَّصارَى لَا يصبغونَ فخالفوهم" يعني خضابَ اللِّحيةِ أوْ شعرِ الرَأسِ بصفرةٍ أو حمرةٍ؛ لأنَّ الصَّبغَ بالسوادِ قدْ نهَى عنهُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -؛ لماَ رَوى مسلمٌ أنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "غيروا هذَا -الشعرَ الأبيضَ- واجتنبُوا السَّوادَ".
 ط- الأدبُ معَ الحيوانِ: 
المسلمُ يعتبرُ أغلبَ الحيواناتِ خَلقًا محترمًا فيرحمهَا برحمةِ اللّهِ تعالَى لهَا ويلتزمُ نحوهَا بالآداب التاليةِ: 
1- إطعامها وسقيهَا إذَا جاعتْ وعطشتْ لقولِ الرَّسولِ عليهِ أزكَى السَّلامِ: "في كلِّ ذاتِ كبدٍ حرَّاءَ أجرٌ " وقولهِ: "منْ لَا يرحَم لَا يرحم" .
 وقولهِ: "ارحمُوا منْ في الَأرضِ يرحمكُم مَن في السماءِ" .
 2 - رحمتهَا والإشفاقُ عليهَا لقولِ الرسولِ الكريمِ لماَّ رآهم قدْ اتَّخذُوا حيوانًا -طيرًا- غرضًا (هدفًا) يرمونهُ بسهامهم: "لعنَ اللَّهُ منِ اتَّخذَ شيئًا فيهِ روحٌ غرضًا" ولنهيهِ - صلى الله عليه وسلم - عنْ صبرِ البهائمِ أيْ حبسهَا للقتلِ ولقولهِ: "منْ فجعَ هذهِ بولدهَا؟ ردُّوا عليهَا ولدهَا إليهَا" قاله لما رأَى الحمَّرةَ (طائر) تحومُ تطلبُ أفراخهَا الَّتي أخذهَا الصَّحابةُ منْ عشِّهَا.
 3 - إراحتها عند ذبحها أو قتلها لقوله، - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللَّهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيء فإذا قتلتُم فأحسنُوا القتلةَ، وإذَا ذبحتم فأحسنُوا الذَّبحَ، وليرحْ أحدكم ذبيحتهُ، وليحدَّ شفرتهُ" .
 4 - عدمُ تعذبيهَا بأي نوعٍ منْ أنواعِ العذابِ سواءً كانَ بتجويعهَا، أوْ ضربهَا، أوْ بتحميلهَا مَا لَا تطيقُ، أوْ بالمثلةِ بهَا، أوْ حرقهَا بالنَّارِ، وذلكَ لقولِ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "دخلتِ امرأةٌ النَّارَ فيِ هرةٍ حبستهَا حتى ماتتْ فدخلتْ فيهَا النَّارَ، فلَا هِي أطعمتهَا وسقتهَا إذْ حبستهَا، ولَا هيَ تركتهَا تأكلُ منْ خشاش الأرضِ" .
 وقدْ مر عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ بقريةِ نملٍ -موضعُ نمل- وقدْ أُحرقتْ فقالَ: "إنَّهُ لَا ينبغي أنْ يعذِّبَ بالنَّارِ إلاَّ ربُّ النَّارِ" : يعني الله عز وجل.
 5 - إباحةُ قتلِ المؤذِي منهَا كالكلبِ العقورِ والذئبِ والحيَّةِ والعقربِ والفأرِ ومَا إلَى هذَا؛ لقولِ الرسولِ عليهِ أزكَى السَّلامِ: "خمسُ فواسقٍ تُقتلنَ في الحلِّ والحرمِ: الحيةُ والغرابُ الأبقعُ والفأرةُ والكلبُ العقورُ والحُدَيَّا" .
 كمَا صحَّ عنهُ كذَلكَ قتلُ العقربِ ولعنهَا.
 6 - جوازُ وسمِ النَّعمِ فيِ آذانهَا للمصلحةِ، إذْ رؤيَ - صلى الله عليه وسلم - يسمُ بيدهِ الشَّريفةِ إبلَ الصَّدقةِ.
 أمَّا غيرُ النَّعمِ وهيَ الإبلُ والغنمُ والبقرةُ منْ سائرِ الحيوانِ فلَا يجوزُ وسمهُ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - وقدْ رأَى حمارًا موسوماً فيِ وجههِ: "لعنَ اللَّهُ منْ وسمَ هذَا فيِ وجههِ" .
 7 - معرفةُ حقِّ اللّهِ فيهَا بأداءِ زكاتهَا إذَا كانت ممَّا يزكَّى.
 8 - عدمُ التَّشاغَل بهَا عن طاعةِ اللّهِ أو اللهوِ بهَا عنْ ذكرهِ لقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون: 9] .
 ولقولِ الرسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ في الخيلِ: "الخيلُ لثلاثةٍ: لرجل أجرٌ، ولرجلٍ سَترٌ، وعلى رجلٍ وزرٌ.
 فأمَّا الَّذِي لهُ أجرٌ فرجلٌ ربطهَا في سبيلِ اللَّهِ فأطالَ لهَا في مرج أوْ روضةٍ فما أصابت فيِ طيلِها ذلكَ منْ المرجِ أوِ الروضةِ كانت لَهُ حسناتٍ، ولَو أنهَا قطعتْ طيلهَا فاستنَّتْ شرفًا أوْ شرفينِ كانت آثارهَا وأرواثهَا حسنات لهُ، ولو أنَّهَا مرتْ بنهرٍ فشربتْ ولم يردْ أنْ يسقيهَا كانَ ذلكَ لهُ حسناتٍ وهيَ لذلكَ الرجلِ أجر ورجلٌ ربطهَا تغنِّيًا وتعفُّفًا ولم ينسَ حق اللّهِ فيِ رقابهَا ولَا ظهورهَا فهيَ لهُ سترٌ ورجلٌ ربطهَا فخرًا ورياءً ونِواءً لأهلِ الإسلامِ فهىَ عليهِ وزرٌ" .
 فهذهِ جملةٌ منْ الآدابِ يراعيهَا المسلمُ إزاءَ الحيوان طاعةً للّهِ ورسولهِ، وعملاً بمَا تأمرُ بهِ شريعةُ الإسلامِ.
! شريعةُ الرحمةِ.
! شريعةُ الخيرِ العام لكلِّ مخلوقٍ منْ إنسانٍ أوْ حيوان!.
  

Tidak ada komentar:

Posting Komentar

المادة الثانية في العقيقة

المادة الثانية في العقيقة     1 - تعريفهَا: العقيقةُ هيَ الشاةُ تذبحُ للمولودِ يومَ سابعِ ولادَتهِ.  2 - حكمهَا: العقيقة سنَّة متأكَّدةٌ للق...