﴿ (7) الفصل السابع اداب الاخوة في الله والحب والبغض فيه سبحانه وتعالى ﴾
۞۞۞۞۞۞۞
المسلمُ بحكمِ إيمانهِ باللّهِ تعالَى لَا يحبُّ إذَا أحب إلاَّ في اللّهِ، ولَا يبغضُ إذَا أبغضَ إلاَّ في اللّهِ، ولأنَّهُ لَا يحبُّ إلاَّ مَا يحبُّ اللّهُ ورسولهُ، ولَا يكرهُ إلاَّ مَا يكرهُ اللّهُ ورسولهُ، فهوَ إذا بحب اللّهِ ورسولهِ يحب، وببغضهمَا يبغضُ.
ودليلهُ فيِ هذَا قولُ الرسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "منْ أحبَّ لِله وأبغضَ للهِ، وأعطَى للهِ، ومنعَ للَّهِ فقدِ استكملَ الإيمانَ" .
وبناءً علَى هذَا فجميعُ عبادِ اللّهِ الصَّالحينَ يحبُّهمُ المسلمُ ويواليهم، وجميعُ عبادِ اللّهِ الفاسقينَ عنْ أمرِ اللّهِ ورسولهِ يبغضهم ويعاديهم، بيدَ أنَّ هذَا غير مانعٍ للمسلمِ أن يتخذَ إخوانًا أصدقاءَ في اللّهِ تعالَى يخصهم بمزيدِ محبةٍ وودادٍ، إذْ رغَّبَ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - في اتخاذِ مثلِ هؤلاءِ الإَخوانِ والأصدقاءِ بقولهِ: "المؤمنُ إلفٌ مألوف، ولَا خيرَ فيمنْ لَا يألفُ ولَا يؤلفُ" .
وقولهِ: "إنّ حولَ العرشِ منابرَ منْ نورٍ عليهَا قومٌ لباسهم نورٌ، ووجوههم نورٌ ليسُوا بأنبياءَ ولَا شهداءَ، يغبطهمُ النَّبيُّونَ والشُّهداءُ " فقالُوا: يَا رسولَ اللَّهِ صفهمْ لنَا.
فقالَ: "المتحابّونَ في اللّهِ، والمتجالسونَ فِي اللَّهِ، والمتزاورونَ في اللَّهِ" .
وقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللَّهَ تعالَى يقولُ: حقَّتْ محبَّتِي للّذينَ يتزاورونَ منْ أجلي، وحقَّتْ محبَّتِي للَّذينَ يتناصرونَ منْ أجلِي" وقولهِ: "سبعةٌ يظلّهمُ اللَّهُ فيِ ظلّهِ يومَ لَا ظلَّ إلاَّ ظلُّهُ: إمامٌ عادلٌ، وشابٌّ نشأَ فيِ عبادةِ اللَّهِ تعالَى، ورجلٌ قلبهُ معلَّقٌ بالمسجدِ إذَا خرجَ منهُ حتَّى يعودَ إليهِ، ورجلانِ تحابَّا في اللَّهِ فاجتمعَا علَى ذلكَ، وتفرَّقَا عليهِ، ورجلٌ ذكرَ اللَّهَ خاليًا ففاضتْ عيناهُ، ورجلٌ دعتهُ امرأةٌ ذاتُ حسبٍ وجمال فقالَ: إني أخافُ اللّهَ تعالَى، ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاهَا حتَّى لَا تعلمَ شمالهُ مَا تنفقُ يمينهُ" .
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ رجلاً زارَ أخًا لهُ في اللَّهِ فأرصدَ اللّهُ لهُ ملكًا، فقالَ: أينَ تريدُ؟ قالَ: أريدُ أنْ أزورَ أخِي فلانًا.
فقالَ: لحاجةٍ لكَ عندهُ؟ قالَ: لا.
قالَ: لقرابةٍ بينكَ ويينهُ؟ قالَ: لَا.
قالَ: فبنعمةٍ لكَ عندهُ؟.
قالَ: لَا.
قالَ: فبمَ؟ قالَ: أحبُّهُ في اللّهِ.
قالَ: فإنّ اللَّهَ أرسلني إليكَ أخبركَ بأنه يحبّكَ لحبكَ إيَّاهُ، وقدْ أوْجب لكَ الجنَّةَ" .
وشرطُ هذهِ الأخوَّةِ أنْ تكونَ للّهِ وفيِ اللّهِ بحيثُ تخلُو منْ شوائبِ الدّنيا وعلائقهَا المادّيةِ بالكلّيةِ، ويكونُ الباعثُ عليهَا الإيمانُ باللّهِ لَا غيرَ.
وأما آدابهَا فهيَ أنْ يكونَ المتَّخذُ أخًا:
1 - عاقلًا، لأنَّهُ لَا خيرَ فيِ أخوَّةِ الأحمقِ وصحبتهِ؛ إذْ قدْ يضرُّ الأحمقُ الجاهلُ منْ حيثُ يريدَ أنْ ينفعَ.
2 - حسنَ الخلُق، إذْ سيئُ الخلقِ وإنْ كانَ عاقلًا فقدْ تغلبهُ شهوةٌ أوْ يتحكَّمُ فيهِ غضبٌ فيسيءُ إلَى صاحبهِ.
3 - تقيًّا؛ لأنَّ الفاسقَ الخارجَ عنْ طاعةِ ربهِ لَا يؤمنُ جانبهُ، إذْ قدْ يرتكبُ ضدَّ صاحبهِ جريمةً لَا يبالي معهَا بأخوَّةٍ أوْ غيرِهَا؛ لأنَّ منْ لَا يخافُ الله تعالَى لَا يخافُ غيرهُ بحالٍ منْ الأحوالِ.
4 - ملازما للكتابِ والسنَّةِ بعيدًا عنِ الخرافةِ والبدعةِ؛ إذْ المبتدعُ قدْ ينالُ صديقهُ منْ شؤمِ بدعتهِ، ولأنَّ المبتدعَ وصاحبَ الهوَى هجرتهمَا متعينةٌ، ومقاطعتهمَا لازمةٌ، فكيفَ تمكنُ خُلّتهمَا وصداقتهمَا.
وقدْ أوجزَ هذهِ الآدابَ فيِ اختيارِ الأصحابِ أحدُ الصَّالحينَ فقالَ يوصِي ابنهُ:
يَا بني إذَا عرضتْ لكَ إلَى صحبةِ الرجالِ حاجةٌ فاصحبْ منْ إذَا خدمتهُ صانكَ، وإنْ صحبتهُ زانكَ، وإنْ قعدتْ بكَ مؤونةٌ مانكَ.
اصحبْ منْ إذَا مددتَ يدكَ بخيرٍ مدّهَا، وإنْ رأَى منكَ حسنةً عدهَا، وإنْ رأَى سيئةً سدّهَا؛ اصحب منْ إذَا سألتهُ أعطاكَ، وإنْ سكتَّ ابتداكَ، وإنْ نزلتْ بكَ نازلةٌ واساكَ؛ اصحبْ منْ إذَا قلتَ صدَّقَ قولكَ، وإنْ حاولتمَا أمرًا أمَّرَك، وإنْ تنازعتمَا شيئًا آثركَ.
حقوقُ الأخوَّةِ فِي اللهِ:
ومن حقوقِ هذهِ الأخوَّةِ مَا يلي:
1 - المواساةُ بالمالِ ، فيواسِي كلٌّ منهمَا أخاهُ بمالهِ إنْ احتاجَ إليهِ، بحيثُ يكونُ دينارهمَا ودرهمهمَا واحدًا لَا فرقَ بينهمَا فيهِ، كمَا رويَ عنْ أبي هريرةَ - رضي الله عنه - إذْ أتاهُ رجلٌ فقالَ: إنِّي أريدُ أنْ أؤاخيكَ فيِ الله، قالَ: أتدرِي مَا حقُّ الإخاءُ؟ قالَ: عرفني، قالَ: لَا تكونُ أحقُّ بديناركِ ودرهمكَ منِّي.
قالَ: لمَ أبلغْ هذهِ المنزلةَ بعدُ، قالَ: فاذهبْ عني.
2 - أنْ يكونَ كلٌّ منهمَا عونًا لصاحبهِ يقضِي حاجتهُ ويقدّمهَا علَى نفسهِ، يتفقَّدُ أحوالهُ كمَا يتفقَّدُ أحوالَ نفسهِ، ويؤثرهُ علَى نفسهِ، وعلَى أهلهِ وأولادهِ، يسألُ عنهُ بعدَ كلِّ ثلاثٍ فإنَ كانَ مريضًا عادهُ، وإنَّ كانَ مشغولًا أعانهُ، وإنْ كانَ ناسيًا ذكَّرهُ، يرحِّبُ بهِ إذَا دنَا، ويوسّعُ لهُ إذَا جلسَ، ويصغِي إليهِ إذَا حدَّثَ.
3 - أنْ يكفَّ عنهُ لسانهُ إلاَّ بخيرِ، فلَا يذكرَ لهُ عيبًا في غيبتهِ أوْ حضورهِ ولَا يستكشفَ أسرارهُ، ولَا يحاولَ التَّطلُّعَ إلَى خبايَا نفسهِ، وإذَا رآهُ فيِ طريقهِ لحاجة منْ حاجاتِ نفسهِ فلَا يفاتحهُ فيِ ذكرهَا، ولَا يحاولَ التَّعرفَ إلَى مصدرهَا أوْ موردهًا، يتلطف فيِ أمرهِ بالمعروفِ، أوْ نهيهِ عنَ المنكرِ، لَا يماريهِ فيِ الكلامِ ولَا يجادلهُ بحق أوْ بباطلٍ.
لَا يعاتبهُ فيِ شيءٍ ولَا يعتبُ عليهِ فيِ آخرَ.
4 - أنْ يعطيهُ منْ لسانهِ مَا يحبُّهُ منة، فيدعوهُ بأحبِّ أسمائهِ إليهِ، ويذكرهُ بالخيرِ فيِ الغيبةِ والحضورِ، يبلِّغهُ ثناءَ النَّاسِ عليهِ، مظهرًا اغتباطَهُ بذلكَ، وفرحهُ بهِ.
لَا يسترسلُ فيِ نصحهِ فيقلقهُ، ولَا ينصحهُ أمامَ النَّاسِ فيفضحهُ.
كمَا قالَ الإمامُ الشَّافعي رحمهُ اللّهُ تعالَى: منْ وعظَ أخاهُ سرًّا فقدْ نصحهُ وزانهُ، ومنْ وعظهُ علانيةً فقدْ فضحهُ وشانهُ.
5 - يعفُو عنْ زلَّاتهِ، ويتغاضَى عنْ هفواتهِ، يسترُ عيوبهُ، ويحسنُ بهِ ظنونهُ، وإنِ ارتكبَ معصيةً سراً أوْ علانيةً فلَا يقطعُ مودّتهُ، ولَا يُهملُ أُخوتهُ، بلْ ينتظرُ توبتهُ وأوبتهُ، فإنْ أصر فلهُ صرمهُ وقطعهُ، أوْ الإبقاءُ علَى أخوَّتهِ معَ إسداءِ النَّصيحةِ، ومواصلةِ الموعظةِ رجاءَ أنْ يتوبَ فيتوبُ اللّهُ عليهِ.
قالَ أبُو الدَّرداءِ - رضي الله عنه -: إذَا تغيَّرَ أخوكَ، وحالَ عما كانَ عليهِ فلَا تدعهُ لأجلِ ذلكَ، فإن أخاكَ يعوجُّ مرةً ويستقيمُ أخرَى.
6 - أنْ يفيَ له الأخوَّةِ فيثبتَ عليهَا ويديمَ عهدهَا؛ لأنَّ قطعهَا محبطٌ لأجرهَا، وإنْ ماتَ نقلَ المودةَ إلَى أولادهِ، ومنْ والاهُ منْ أصدقائهِ، محافظةً علَى الأخوَّةِ ووفاءً لصاحبهَا.
فقدْ أكرمَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - عجوزًا دخلتْ عليهِ فقيلَ لهُ فيِ ذلكَ فقالَ: "إنهَا كانتْ تأتينَا أيامَ خديجةَ، وإنَّ كرمَ العهدِ منَ الدِّينِ" .
ومنَ الوفاءِ أنْ لَا يصادقَ عدوَّ صديقهِ، إذْ قالَ الشافعي رحمهُ اللّهُ تعالَى: إذَا أطاعَ صديقُكَ عدوَّكَ، فقدِ اشتركَا فيِ عداوتكَ.
7 - أنْ لَا يكلِّفهُ مَا يشقُّ عليهِ، وأنْ لَا يحملهُ مَا لَا يرتاحُ معهُ فلَا يحاولُ أنْ يستمدَّ منهُ شيئًا منْ جاهٍ، أوْ مالٍ، أوْ يلزمهُ بالقيامِ بأعمالٍ، إذْ أصلُ الأخوَّةُ كانتْ للهِ فلَا ينبغِي أنْ تحوّلَ إلَى غيرهِ منْ جلبِ منافعِ الدنيَا، أوْ دفع المضارِّ.
وكمَا لَا يكلفهُ لَا يجعلهُ يتكلفُ لهُ إذْ كلاهمَا مخلٌّ بالأخوَّةِ مؤثِّرٌ فيهَا منقصٌ منْ أَجرهَا المقصودِ منهَا، فعليهِ أنْ يطويَ معهُ بساطَ التَّزمتِ والتكلفِ والتحفظِ، إذْ بهذهِ تحصلُ الوحشةُ المنافيةُ للألفةِ.
وقدْ جاءَ في الأثرِ: أنَا وأتقياءُ أمَّتِي برآءُ منُ التكلُّفِ.
وقالَ بعضُ الصَّالحينَ: منْ سقطتْ كلفتهُ، دامتْ ألَفتهُ، ومنْ خفَّتْ مؤونتهُ دامتْ مودَّتهُ.
وآيةُ سقوطِ الكلفةِ الموجبةِ للأنسِ، والمذهبةُ للوحشةِ أنْ يفعلَ الأخُ في بيتِ أخيهِ أربعَ خصالٍ: أنْ يأكلَ في بيتهِ، ويدخلِ الخلاءَ عندهُ، ويصلِّيَ وينامَ معهُ، فإذَا فعَلَ هذهِ فقدْ تم الإخاءُ، وارتفعتِ الحشَمةُ الموجبةُ للوحشةِ، ووجدَ الأنسُ وتأكَّدَ الانبساطُ.
8 - أنْ يدعوَ له ولأولادهَ، ومنْ يتعلَّقُ بهِ بخيرِ مَا يدعُو بهِ لنفسهِ وأولادهِ ومنْ يتعلقُ بهِ، إذَ لَا فرقَ بينَ أحدهمَا والآخرِ بحكمِ الأخوَّةِ الَّتي جمعتْ بينهمَا، فيدعوَ لهُ حيًّا وميتًا وحاضرًا وغائبًا.
قالَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "إذَا دعَا الرجلُ لأخيهِ في ظهرِ الغيبِ قالَ الملكُ: ولكَ مثلُ ذلكَ" .
وقالَ أحدُ الصَّالحينَ: أينَ مثلُ الأخِ الصَّاَلحِ؟ إن أهلَ الرجلِ إذَا ماتَ يقسمونَ ميراثهُ ويتمتَّعونَ بمَا خلّفَ، والأخُ الصَّالحُ ينفردُ بالحزنِ، مهتمًّا بمَا قدمَ أخوهُ عليهِ، ومَا صارَ إليهِ، يدعُو لهُ فيِ ظلمةِ الليلِ، ويستغفر لهُ، وهوَ تحتَ أطباقِ الثَّرَى.
***
Tidak ada komentar:
Posting Komentar