الفصل الثاني عشر في جملة اخلاق ذميمة الظلم، الحسد، الغش، الرياء، العجب، العجز، الكسل
۞۞۞۞۞۞۞
أ- الظلمُ:
المسلمُ لَا يَظلمُ ولَا يُظلمُ، فلَا يصدرُ عنهُ ظلمٌ لأحدٍ، ولَا يقبلُ الظُّلمَ لنفسهِ منْ أحدٍ؛ إذِ الظُلمُ بأنواعهِ الثَّلاثةِ محرمٌ فيِ الكتابِ والسنةِ معًا.
قالَ تعالَى: {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279].
وقالَ سبحانهُ: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان: 19].
وقالَ عز وجل فيمَا يرويهِ عنهُ نبيهُ - صلى الله عليه وسلم -: "يَا عبادِي إني حرمتُ الظُّلمَ علَى نفسِي وجعلتهُ بينكمْ محرَّمًا فلَا تظالموا" .
وقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "اتّقُوا الظُلمَ فإن الظُّلمَ ظلماتٌ يومَ القيامةِ" .
وقالَ: "منْ ظلمَ قيدَ شبر منَ الأرضِ طوقهُ اللّهُ منْ سبعِ أرضينَ" .
ثمَّ قرأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102].
وقالَ: "واتق دعوةَ المظلوم فإنَّهُ ليسَ بينهَا وبينَ اللَّهِ حجابٌ" .
وأنواعُ الظلمِ ثلاثةٌ هيَ:
1 - ظلمُ العبدِ لربِّهِ وذلكَ يكونُ بالكفرِ بهِ تعالَى، قالَ سبحانهُ: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254].
ويكونُ بالشركِ في عبادتهِ تعالَى بأنْ يصرفَ بعضَ عباداتهِ تعالَى إلَى غيرهِ.
قالَ سبحانهُ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].
2 - ظلمُ العبدِ لغيرهِ منْ عبادِ اللّه ومخلوقاتهِ، وذلكَ بأذيَّتهم فيِ أعراضهم أوْ أبدانهم أوْ أموالهم بغيرِ حق، قالَ نبي اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ كانتْ عندهُ مظلمةٌ لأخيهِ منْ عرضهِ، أوْ منْ شيء فليتحللهُ منهُ اليومَ قبلَ أنْ لَا يكونَ دينارٌ ولَا درهمٌ، إنْ كانَ لهُ عملٌ صالحٌ أخذَ منهُ بقدرِ مظلمتهِ، وإنْ لم يكنْ له حسناتٌ أخذَ منْ سيئاتِ صاحبهِ فحملَ عليهِ" .
وقالَ: "منِ اقتطعَ حقّ امرئٍ مسلم بيمينه فقدْ أوجبَ اللهُ لهُ النَّارَ، وحرَّمَ عليهِ الجنَّةَ، فقالَ رجلٌ: وإنْ كانَ يسيرًا يَا رسولَ اللهِ؟ فقَال: وإنْ كانَ قضيباً منْ أراكٍ" .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: "لنْ يزالَ المؤمنُ فيِ فسحةٍ منْ دينهِ مَا لم يصبْ دمًا حرامًا" .
وقالَ: "كل المسلمِ علَى المسلمِ حرامٌ: دمهُ ومالهُ وعرضهُ" (10).
3 - ظلم العبدِ لنفسهِ، وذلكَ بتدسيتهَا وتلويثهَا بآثارِ أنواعِ الذّنوبِ والجرائمِ والسيئاتِ منْ معاصِي اللّهِ ورسولهِ، قالَ تعالَى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 160].
فمرتكبُ الكبيرةِ منَ الإثمِ والفواحشِ هوَ ظالم لنفسهِ؛ إذْ عرضهَا لماَ يؤثرُ فيهَا منَ الخبثِ والظلمةِ فتصبحُ بهِ أهلًا للعنةِ اللّهِ، والبعدِ منهُ تعالَى.
ب- الحسدُ:
المسلمُ لَا يحسدُ ولَا يكونُ الحسدُ خلقًا لهُ ولَا وصفًا فيهِ مَا دامَ يحب الخيرَ للجميعِ ويؤثرُ علَى نفسهِ فيهِ، إذِ الحسدُ منافٍ لذينكِ الخلقينِ الكريميِن: حبِّ الخيرِ، والإيثارِ فيهِ.
والمسلمُ يبغضُ خلقَ الحسدِ ويمقتُ عليهِ؛ لأن الحسدَ اعتراضٌ علَى قسمةِ اللّهِ فضلهُ بينَ خلقهِ، قالَ تعالَى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 54].
وقالَ تعالَى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32].
والحسدُ قسمانِ: أوَّلهمَا: أنْ يتمنى المرءُ زوالَ النعمةِ منْ مالٍ أوْ علمٍ أوْ جاهٍ أوْ سلطانٍ عنْ غيرهِ لتحصلَ لهُ وثانيهمَا: وهوَ شرهمَا، أنْ يتمنى زوالَ النِّعمةِ عنْ غيرهِ ولو لم تحصلْ لهُ ولم يظفر بهَا.
وليسَ منَ الحسدِ الغبطةُ؛ وهوَ تمنِّي حصولِ نعمةٍ مثلِ نعمةِ غيرهِ منْ علمٍ أوْ مالٍ أوْ صلاح حالٍ بدونِ تمنِّي زوالهَا عنْ غيرهِ، لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا حسدَ إلاَّ فيِ اثنتينِ: رجلٌ آتأهُ اللّهُ مالاً فسلطهُ علَى هلكتهِ في الحقِّ، ورجلٌ آتاهُ اللّهُ الحكمةَ فهوَ يقضِي بهَا ويعلِّمهَا" .
والمرادُ بالحكمةِ هنَا القرآنُ الكريمُ والسنَّةُ النَّبويةُ.
والحسدُ بقسميهِ محرَّمٌ تحريمًا قطعيًّا، فلَا يحلُّ لأحدٍ أنْ يحسدَ أحدًا، قالَ تعالَى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وقالَ: {حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109].
وقالَ: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5].
فذم اللهِ تعالَى لهذَا الخلقِ الذَّميمِ مقتضٍ تحريمه لهُ ونهيهُ عنهُ.
وقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تباغضوا، ولَا تحاسدُوا، ولَا تدابروا، ولَا تقاطعُوا، وكونُوا عبادَ اللَّهِ إخوانًا، فلَا يحل لمسلمٍ أنْ يهجرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ" .
وقالَ: "إياكم والحسدَ؛ فإن الحسدَ يأكلُ الحسناتِ كمَا تأكلُ النَّارُ الحطبَ -أوِ العشبَ" .
والمسلمُ إنْ خطرَ لهُ خاطر الحسدِ بحكمِ بشريَّتهِ وعدمِ عصمتهِ قاومهُ بدفعهِ منْ نفسهِ، وكراهيتهِ لهُ حتَّى لَا يصيرَ هما أوْ عزيمة لهُ فيقولَ بموجبهِ أوْ يعملَ فيهلكَ، وإنْ أعجبهُ الشَّيءُ قالَ: مَا شاءَ اللّهُ لَا قوَّةَ إلاَّ باللّهِ، وبذلكَ لَا يؤثِّرُ فيهِ ويسلمُ.
ج- الغش:
المسلمُ يدينُ للّهِ تعالَى بالنصيحةِ لكل مسلمٍ، ويعيشُ عليهَا، فليسَ لهُ أنْ يغشَّ أحدًا، أوْ يغدرَ أوْ يخونَ؛ إذِ الغشُّ والخيانةُ والغدرُ صفاتٌ ذميمةٌ قبيحةٌ في المرء، والقبحُ لَا يكونُ خلقًا للمسلمِ ولَا وصفًا لهُ بحالٍ منَ الأحوالِ، إذْ طهارةُ نفسهِ المكتسبةُ منَ الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ تتنافَى معَ هذهِ الخلائقِ الذَّميمةِ والَّتي هيَ شرٌّ محضٌ لَا خيرَ فيهَا، والمسلمُ قريبٌ منَ الخيرِ بعيدٌ عنَ الشَّر.
ولخلقِ الغش الذميمِ حقائقُ نبينهَا فيمَا يِلي:
1 - أنْ يزينَ المرءُ لأخيهِ القبيحَ، أوِ الشَّرَّ أوِ الفسادَ ليقعَ فيهِ.
2 - أنْ يريهُ ظاهرَ الشَّيءِ الطَّيبَ الصَّالحَ، ويخفِي عليهِ باطنَهُ الخبيثَ الفاسدَ.
3 - أنْ يظهرَ لهُ خلافَ مَا يضمرهُ ويسرهُ؛ تغريرًا بهِ وخديعةً لهُ وغشًّا.
4 - أنْ يعمدَ إلَى إفسادِ مالهِ عليهِ، أوْ زوجهِ أوْ ولدهِ، أوْ خادمهِ، أوْ صديقهِ بالوقيعةِ فيهِ والنَّميمةِ.
5 - أنْ يعاهدَ علَى حفظِ نفس أوْ مالٍ أوْ كتمانِ سر ثمَّ يخونهُ ويغدرَ.
والمسلمُ فيِ تجنُّبهِ للغش والغدرِ والخيانةِ هوَ مطيعٌ للّهِ ورسولهِ؛ إذْ هذهِ الثَّلاثةُ محرمةٌ بكتابِ اللّهِ وسنَّةِ رسولهِ - صلى الله عليه وسلم -، قالَ اللهُ تعالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58].
وقالَ عز وجل: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح: 10].
وقالَ سبحانهُ وتعالَى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].
وقالَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ خبَّبَ -أفسدَ- زوجةَ امرئٍ، أوْ مملوكَهُ -خادمهُ- فليسَ منَّا" .
وقالَ: "أربعٌ منْ كنَّ فيهِ كانَ منافقًا خالصًا، ومنْ كانَ فيهِ خصلةٌ منهنَّ كانَ فيهِ خصلةٌ منَ النفاقِ حتَّى يدعهَا: إذَا اؤتمنَ خانَ، وإذَا حدَّثَ كذبَ، وإذَا عاهدَ غدرَ، وإذَا خاصمَ فجرَ" .
وقالَ - صلى الله عليه وسلم - وقدْ مرَّ علَى صبرةِ -كيسٌ كبيرٌ - طعام فأدخلَ يدهُ فنالتْ أصابعهُ بللاً فقالَ: "مَا هذَا يَا صاحب الطَّعامَ؟ " قالَ: أصابتهُ السَّماءُ -المطرُ- يَا رسولَ اللّهِ، قالَ:
"أفلَا جعلتهُ فوقَ الطعامِ حتى يراهُ النَّاسُ؟ منْ غشَّ فليسَ منِّي" .
د- الرياءُ:
المسلمُ لَا يرائي؛ إذِ الرياءُ نفاقٌ وشركٌ، والمسلمُ مؤمن موحِّدٌ فيتنافَى معَ إيمانهِ وتوحيدهِ خلقا الرياءِ والنِّفاقِ، فلَا يكونُ المسلمُ بحالٍ منافقًا ولَا مرائيًا، ويكفِي المسلمَ فيِ بغضِ هذَا الخلقِ الذميمِ والنُّفورِ منهُ أنْ يعلمَ أنَّ اللّهَ ورسولهُ يكرهانهِ ويمقتانِ عليهِ؛ إذْ قالَ تعالَى متوعِّدًا المرائينَ بالعذابِ والنَّكالِ: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون] وقالَ فيمَا رواهُ عنهُ رسولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "من عملَ عملًا أشركَ فيهِ غيرِي فهوَ لهُ كلُّهُ وأنَا منهُ بريءٌ وأنَا أغنَى الأغنياءِ عنِ الشِّركِ" .
وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ راءَى راءَى الله بهِ ومنْ سمَّعَ سمَّعَ اللَّهُ بهِ" .
وقالَ: "إنَّ أخوفَ مَا أخافُ عليكمُ الشِّركُ الأصغرُ" قالُوا: ومَا الشِّركُ الأصغرُ يَا رسولَ اللهِ؟ قالَ: "الرِّياءُ، يقولُ اللَّهُ عز وجل يومَ القيامةِ إذَا جازى العبادَ بأعمالهم: اذهبُوا إلَى الذينَ كنتم تراءونَ فيِ الدنيَا فانظرُوا هلْ تجدونَ عندهمُ الجزاءَ" .
وأمَّا حقيقةُ الرياءِ فهيَ إرادةُ العبادِ بطاعةِ المعبودِ عز وجل للحصولِ علَى الحظوةِ بينهم والمنزلةِ فيِ قلوبهم.
وللرياءِ مظاهرُ، منهَا مَا يلِي:
1 - أنْ يزيدَ العبدُ فيِ الطَّاعةِ إذَا مُدحَ وأثنَي عليهِ فيهَا، وأنْ ينقصَ منهَا أوْ يتركهَا إذَا ذُمَّ عليهَا أوْ عيبَ فيهَا.
2 - أنْ ينشطَ فيِ العبادةِ إذَا كانَ معَ النَّاسِ، ويكسلَ عنهَا إذَا كانَ وحدهُ.
3 - أنْ يتصدَّقَ بالصَّدقةِ، لولَا منْ يراهُ منَ النَّاسِ لماَ تصدَّقَ بهَا.
4 - أنْ يقولَ مَا يقولهُ منَ الحقِّ والخيرِ، أوْ يعملَ مَا يعملهُ منَ الطَّاعاتِ والمعروفِ وهوَ لَا يريدُ اللّهَ بهَا وحدهُ وإنَّمَا يريدُ غيرهُ منَ النَّاسِ معهُ، أوْ لَا يريدُ اللّهَ مطلقا وإنَّمَا يريدُ النَّاسَ فقطْ.
هـ- العجبُ والغرورُ:
المسلمُ يحذرُ العجبَ والغرورَ، ويجتهدُ أنْ لَا يكونَا وصفًا لهُ فيِ حالةٍ منَ الحالاتِ؛ إذْ همَا منْ أكبرِ العوائقِ عنْ الكمالِ، ومنْ أعظمِ المهالكِ في الحالِ والمآلِ، فكم منْ نعمةٍ انقلبتْ بهمَا نقمةً، وكم منْ عز صيَّراهُ ذلاً، وكم منْ قوةٍ أحالَاهَا ضعفًا، فكفَى بهمَا داءً عضالًا، وكفَى بهمَا علَى صاحبهمَا وبالاً، فلذَا حذرهمَا المسلمُ وخافهمَا، ولهذَا جاءَ الكتابُ والسُّنَّةُ بتحريمهمَا، والتَّنفيرِ والتحذيرِ منهمَا قالَ اللّهُ تعالَى: {وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 14].
وقالَ: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6].
وقالَ: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 25].
وقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوىً متَّبعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسهِ" .
وقالَ: "إذَا رأيتَ شحًّا مطاعًا، وهوىً متبعًا، وإعجابَ كل ذِي رأيٍ برأيهِ فعليكَ بنفسكَ" .
وقالَ: "الكيسُ منْ دانَ نفسَهُ وعملَ لماَ بعدَ الموتِ، والأحمقُ منْ أتبعَ نفسهُ هواهَا، وتمنَّى علَى اللهِ الأمانيَّ" .
مثلاتُ لذلكَ 1 - أُعجبَ إبليسُ -لعنةُ اللهِ عليهِ- بحالهِ، واغتر بنفسهِ وأصلهِ فقالَ: خلقتني منْ نارٍ وخلقتهُ منْ طينٍ! فطردهُ اللّهُ منْ رحمتهِ، ومن أُنْسِ حضرةِ قدسهِ.
2 - أُعجبتْ عادٌ بقوتهَا واغتزتْ بسلطانهَا وقالُوا: منْ أشَدّ منا قوَّةً.
فأذاقهمُ اللّهُ عذابَ الخزيِ فيِ الحياةِ الدُّنيَا وفيِ الآخرةِ.
3 - غفلَ نبي اللّهِ سليمانُ -عليهِ وعلَى نبينَا أفضلُ الصَّلاةِ والسلَامِ- فقالَ: لأطوفنَّ الليلةَ علَى مائةِ امرأةٍ تلدُ كل امرأةٍ ولدًا يجاهدُ في سبيلِ اللهِ، غفلَ فلم يقلْ: إنْ شاءَ اللّهُ فحرمهُ اللّهُ سبحانهُ ذلكَ الولدَ.
4 - أُعجبَ أصحابُ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - في حنينٍ بكثرتهم وقالُوا: لنْ نُغْلَبَ اليومَ منْ قلَّةٍ!.
فأصيبُوا بهزيمةٍ مريرةٍ، حتَى ضَاقَتْ عليهمُ الأرضُ بمَا رحبتْ، ثمَّ ولوا مدبرينَ إلى أن عادوا إلى الله فنصرهم الله.
ومن مظاهرِ الغرورِ مَا يلِي:
1 - فِي العلم: قدْ يعجبُ المرءُ بعلمهِ، ويغترُّ بكثرةِ معارفهِ فيحملهُ ذلكَ علَى عدمِ الاستزادةِ، وعلَى تركِ الاستفادةِ، أو يحملهُ علَى احتقارِ غيرهِ منْ أهلِ العلمِ، واستصغارِ سواهُ، وكفَى بهذَا هلاكًا لهُ!.
2 - فيِ المالِ: قدْ يعجبُ المرءُ بوفرةِ مالهِ، ويغتم بكثرةِ عرَضهِ فيبذِّرُ ويسرفُ، ويتعالَى علَى الخلقِ، ويغمطُ الحقّ فيهلك.
3 - فيِ القوَّةَ: قدْ يعجبُ المرءُ بقوتهِ ويغترُّ بعزّةِ سلطانهِ فيعتدِي ويظلمُ، ويقامرُ ويخاطرُ، فيكونُ فيِ ذلكَ هلاكهُ ووبالهُ.
4 - فيِ الشَّرفِ: قدْ يعجبُ المرءُ بشرفهِ ويغتر بنسبهِ وأصلهِ فيقعدُ عنِ اكتسابِ المعالي، ويضعفُ عنْ طلبِ الكمالاتِ فيبطىءُ بهِ عملهُ، ولم يسرعْ بهِ نسبهُ، فيحقَّر ويصغَّرُ، ويذلُّ ويهونُ.
5 - فيِ العبادةِ: قدْ يعجب المرءُ بعملهِ، ويغترُّ بكثرةِ طاعتهِ، فيحملهُ ذلكَ علَى الإدلالِ علَى ربِّهِ، والامتنانِ علَى منعمهِ، فيحبطُ عملهُ، ويهلكُ بعجبهِ، ويشقى باغترارهِ.
علاج! وعلاجُ هذَا الداءِ فيِ ذكرِ اللّهِ تعالَى بِالْعِلْمِ بأن مَا أعطاهُ اللّهُ اليومَ منْ علمٍ، أوْ مالٍ، أوْ قوَّةٍ، أوْ عزة، أوْ شرفٍ قدْ يسلبهُ غدًا لو شاءَ ذلكَ، وأنَّ طاعةَ العبدِ للرب مهمَا كثرتْ لَا تساوِي بعضَ مَا أنعمَ الله علَى عبدهِ، وأنّ اللهَ تعالَى لَا يدلُّ عليهِ بشيءٍ، إذْ هوَ مصدرُ كلِّ فضل، وواهبُ كلِّ خيير، وأنّ الرسُولَ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لنْ ينجِّي أحدًا منكم عملُهُ " قالُوا: ولَا أنتَ يَا رسولَ اللهِ؟ قالَ: "ولَا أنَا إلاَّ أنْ يتغمَّدني اللَّهُ برحمتهِ" .
و- العجزُ والكسلُ:
المسلمُ لَا يعجزُ ولَا يكسلُ، بلْ يحزمُ وينشطُ، ويعملُ ويحرصُ، إذِ العجزُ والكسلُ خلقانِ ذميمانِ استعاذَ منهمَا رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فكثيرًا مَا كانَ يقولُ: "اللّهم إنِّي أعوذُ بكَ منْ العجزِ والكسلِ، والجبنِ والهرمِ والبخلِ" .
وأوصَى - صلى الله عليه وسلم - بالعمَل والحرص فقالَ: "احرصْ علَى مَا ينفعكَ، واستعنْ باللّهِ ولَا تعجزْ، وإذَا أصابكَ شيء فلَا تقلْ: لو أنِّي فعلتُ كذَا لكانَ كذَا، ولكنْ قلْ: قدّرَ اللهُ ومَا شاءَ فعَل، فإنّ لو تفتحُ عملَ الشَّيطانِ" .
فلهذَا لَا يُرَى المسلمُ عاجزًا ولَا كسولاً، كمَا لَا يُرَى جبانًا ولَا بخيلًا، وكيفَ يقعدُ عنِ العملِ، أوْ يتركُ الحرصَ علَى مَا ينفعهُ، وهوَ يؤمنُ بنظامِ الأسبابِ، وقانونِ السننِ فيِ الكونِ؟.
ولمَ يكسلْ المسلمُ وهوَ يؤمنُ بدعوةِ اللّهِ إلَى المسابقةِ فيِ قولهِ: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 21].
ويأمرهُ بالمنافسةِ فيِ قولهِ: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26].
ولمَ يجبن المسلمُ أوْ يُحجم، وقدْ أيقنَ بالقضاءِ، وآمنَ بالقدرِ، وعلمَ أنَّ مَا أصابهُ لم يكنْ ليخطئهُ، وأنَّ مَا أخطأهُ لم يكنْ ليصيبهُ بحالٍ منَ الأحوالِ؟ ولمَ يقعد المسلمُ عنِ العملِ النَّافعِ وهوَ يسمعُ هاتفَ القرآنِ بهِ: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}؟.
مظاهرُ العجزِ والكسلِ:
1 - أنْ يسمعَ المرءُ نداءَ المؤذِّنِ للصلاةِ ويتشاغلَ عن الإجابةِ بنوم أوْ كلامٍ أوْ عملٍ غيرِ ضروري حتَّى يكاد يخرجُ وقتُ الصَّلاةِ، ثم يقومُ فيصلي منفردًا فيِ آخرِ وقتِ الصَّلاةِ.
2 - أنْ يقضيَ المرء السَّاعةَ والساعاتِ على مقاعدِ المقاهِي وكراسِي المتنزَّهاتِ أوْ متجوِّلًا في الشَّوارعِ والأسواقِ ولديهِ أعمالٌ تتطلَّبُ الإنجازَ فلَا ينجزهَا.
3 - أنْ يتركَ المرء العملَ النَّافعَ كتعلُّمِ العلمِ أو غراسةِ الأراضِى أوْ عمارةَ المنازلِ وبناءِ الدُّورِ، ومَا إلَى ذلكَ منَ الأعمالِ النَّافعةِ في الدنيَا أوِ الآخرةِ؛ يتركهَا بدعوَى أنَّهُ كبير السنِّ، أوْ أنَّهُ غير أهلٍ لهذَا العملِ، أوْ أنَّ هذَا العمل يتطلَّبُ وقتًا واسعًا وزمنًا طويلًا، ويتركُ الأيّامَ تمرُّ والأعوامَ تمضِي، ولَا يعملُ عملًا ينتفعُ بهِ فيِ دنياهُ أوْ أخراهُ.
4 - أنْ يعرضَ له بابٌ منْ أبوابِ البرِّ والخيرِ كفرصةِ حج، وهوَ قادرٌ عليهِ فلمْ يحجّ، أوْ كوجودِ لهفانٍ، وهوَ قادرٌ علَى إغاثتهِ فلم يغثهُ، أوْ كفرصةِ دخولِ شهرِ رمضانَ فلمْ يغتنمْ لياليهُ بالقيامِ، أوْ كوجودِ أبوينِ كبيرينِ عاجزينِ، أوْ أحدهمَا وهوَ قادرٌ علَى برهمَا وصلتهمَا والإحسانِ إليهمَا ولم يبرهمَا ولم يحسنْ إليهمَا عجزًا وكسلًا، أوْ شحاً وبخلًا، أوْ عقوقًا، والعياذُ باللّهِ.
5 - أنْ يقيمَ المرءُ بدارِ ذل أوْ هوانٍ، ولم يطلبْ لهُ عجزًا وكسلًا دارًا أخرَى يحفظُ فيهَا دينهُ، ويصونُ فيهَا شرفهُ وكرامتهُ.
اللَّهمَّ إنَّا نعوذُ بكَ منَ العجزِ والكسل، ونعوذُ بكَ منَ الجبنِ والبخلِ، ونعوذُ بكَ منْ كلِّ خلقٍ لَا يرضِي، وعملٍ لَا ينفعُ، وصلّى اللّهُ علَى نبينَا محمَّدٍ وآلهِ وصحبهِ وسلّمَ.
***
۞۞۞۞۞۞۞۞
البابُ الثَّالثُ فِي الأخلاقِ ﴿ 12 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞
Tidak ada komentar:
Posting Komentar