الفصل التاسع في خلق الصدق
۞۞۞۞۞۞۞
المسلمُ صادقٌ، يحبُّ الصدقَ ويلتزمهُ ظاهرًا وباطنًا في أقوالهِ وفيِ أفعالهِ؛ إذِ الصِّدق يهدِي إلَى البر، والبر يهدِي إلَى الجنةِ، والجنةُ أسمَى غاياتِ المسلمِ وأقصَى أمانيهِ، والكذبُ -وهوَ خلافُ الصِّدقِ وضدُّهُ- يهدِي إلَى الفجورِ، والفجورُ يهدِي إلَى النَّارِ، والنَّارُ منْ شر مَا يخافهُ المسلمُ ويتقيهِ.
والمسلمُ لَا ينظرُ إلَى الصدق كَخُلُقٍ فاضل يجبُ التَّخلُّقُ بهِ لَا غيرَ، بلْ إنَّهُ يذهبُ إلَى أبعدَ منْ ذلكَ، يذهبُ إلَى أنَّ الصدقِ منْ متمِّماتِ إيمانهِ، ومكمِّلاتِ إسلامهِ، إذْ أمرَ اللّهُ تعالَى بهِ، وأثنَى علَى المتَّصفينَ بهِ، كمَا أمرَ بهِ رسولهُ وحث عليهِ ودعَا إليهِ قالَ تعالَى فيِ الأمرِ بهِ:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] .
وقالَ فيِ الثَّناءِ علَى أهلهِ: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] .
وقالَ: {وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ} [الأحزاب: 35] .
وقالَ: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33] .
وقالَ رسولهُ - صلى الله عليه وسلم - في الأمرِ بهِ: "عليكم بالصدق فإن الصِّدق يهدِي إلَى البر، وإن البر يهدِي إلَى الجنّةِ، ومَا يزال الرجلُ يصدق، ويتحرى الصدق، حتى يكتبَ عندَ اللَّهِ صدِّيقًا، وإياكم والكذبَ فإن الكذبَ يهدِي إلَى الفجورِ، وإن الفجورَ يهدِي إلَى النارِ، ومَا يزال الرجلُ يكذبُ ويتحرى الكذبَ حتى يكتبَ عندَ اللهِ كذابًا" .
هذَا وإنَ للصِّدقِ ثمراتٌ طيِّبةٌ يجنيهَا الصادقونَ وهذهِ أنواعهَا:
1 - راحةُ الضَّميرِ، وطمأنينةُ النفسِ، لقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "الصدقُ طمأنينةٌ" .
2 - البركةُ فِي الكسبِ، وزيادةُ الخيرِ، لقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "البيعانِ بالخيارِ مَا لم يتفرقَا فإِنْ صدقَا وبيَّنَا بوركَ لهمَا فيِ بيعهمَا، وإنْ كتَما وكذبَا محقتْ بركةُ بيعهمَا" .
3 - الفوزُ بمنزلةِ الشُّهداءِ لقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: "منْ سألَ اللهَ الشّهادةَ بصدقٍ بلَّغهُ اللَّهُ منازلَ الشُّهداءِ وإنْ ماتَ علَى فراشهِ" .
4 - النَّجاةُ منَ المكروهِ، فقدْ حكيَ أنَّ هاربًا لجأَ إلَى أحدِ الصَّالحينَ وقالَ لهُ: أخفني عنْ طالبِي.
فقالَ لهُ: نمْ هنَا، وألقَى عليهِ حزمةً من خوصٍ، فلما جاءَ طالبوهُ وسألُوا عنهُ قالَ لهمْ: هَا ذَا تحتَ الخوصِ، فظنوا أنهُ يسخرُ منهم فتركوهُ، ونجَا ببركةِ صدقِ الرجلِ الصالحِ.
هذَا وللصِّدقِ مظاهرُ يتجلى فيهَا، منهَا:
1 - فيِ صدقِ الحديثِ فالمسلمُ إذَا حدثَ لَا يحدِّثُ بغيرِ الحقِّ والصدقَ، وإذَا أخبرَ فلَا يخبر بغيرِ مَا هوَ الواقعُ فيِ نفسِ الأمرِ، إذْا كذبُ الحديثِ منَ النِّفاقِ وآياته، قالَ - صلى الله عليه وسلم -: "آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذَا حدَّثَ كذبَ، وإذَا وعدَ أخلفَ، وإذَا اؤتمنَ خانَ" .
2 - فيِ صدق المعاملةِ فالمسلم إذَا عاملَ أحدًا صدقهُ فيِ معاملتهِ فلَا يغشُّ ولَا يخدعُ، ولَا يزوِّرُ، ولَا يغررُ بحالٍ منَ الأحوالِ.
3 - فيِ صدق العزمِ فالمسلمُ إذَا عزمَ علَى فعلِ مَا ينبغِي فعلهُ لَا يتردّدُ فيِ ذلكَ بلْ يمضي فيِ عملهِ غيرَ ملتفتٍ إلَى شيءٍ، أوْ مبالٍ بآخرَ حتَّى ينجزَ عملهُ.
4 - فيِ صدقِ الوعدِ فالمسلم إذَا وعدَ أحَدًا أنجزَ لهُ مَا وعدهُ بهِ؛ إذْ خلف الوعدِ منْ آياتِ النِّفاقِ كمَا سبقَ فيِ الحديث الشَّريفِ.
5 - فِي صدقِ الحال فالمسلمُ لَا يظهرُ في غيرِ مظهرهِ، ولَا يظهرُ خلافَ مَا يبطنهُ، فلَا يلبسُ ثوبَ زورٍ، لَا يرائي، ولَا يتكلَّفُ مَا ليس لهُ لقولْ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "المتشبعُ بمَا لم يعطَ كلابسِ ثوبي زورٍ" .
ومعنَى هذَا أنَّ المتزينَ والمتجمِّلَ بمَا لَا يملكُ ليرَى أنَّهُ غنيٌّ يكونُ كمنْ يلبسُ ثوبين خلقيِن ليتظاهرَ بالزُّهدِ وهوَ ليسَ بزاهدٍ ولَا متقشفٍ.
ومن أمثلةِ الصِّدقِ الرَّفيعةِ مَا يأتي:
1 - روَى التِّرمذي عنْ عبدِ اللّهِ بنِ الحمساءِ قالَ: بايعتُ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - ببيع قبلَ أنْ يبعثَ، وبقيتْ لهُ بقية فوعدتهُ أنْ آتيهِ بهَا فيِ مكانهِ فنسيتُ ثمَّ ذكرتُ بعدَ ثلاثةِ أيَّامٍ فجئتُ فإذَا هوَ فيِ مكانهِ فقالَ: "يَا فتَى لقدْ شققتَ علي أنَا هَا هنَا منذُ ثلاثٍ أنتظركَ".
ومثلُ هذَا الَّذِي حصلَ لنبينَا عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ قدْ حصلَ لجدهِ الأعلَى إسماعيل بنِ إبراهيمَ الخليلِ حتَّى أثنَى اللّهُ تعالَى عليهِ فيِ كتابهِ العزيزِ بقولهِ: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم: 54] .
2 - خطبَ الحجَّاجُ بنُ يوسفَ يومًا، فأطالَ الخطبةَ فقالَ أحدُ الحاضرينَ: الصَّلاةَ! فإنَّ الوقتَ لَا ينتظركَ، والربُّ لَا يعذركَ، فأمرَ بحبسهِ.
فأتاهُ قومهُ وزعَموا أنَّ الرَّجلَ مجنونٌ.
فقالَ الحجاجُ: إنْ أقر بالجنونِ خلَّصتهُ منْ سجنهِ، فقالَ الرَجلُ: لَا يسوغُ لي أنْ أجحدَ نعمةَ اللّهِ التي أنعمَ بهَا عليَّ وأثبتُ لنفسِي صفةَ الجنونِ الَّتي نزَّهني اللّهُ عنهَا، فلمَّا رأَى الحجَّاجُ صدقهُ خلى سبيلهُ.
3 - روَى الإمامُ البخاريُّ رحمهُ اللّهُ تعالَى، أنَّه خرجَ يطلبُ الحديث منْ رجلٍ فرآهُ قدْ هربت فرسهُ، وهوَ يشير إليهَا برداءٍ كأنَّ فيهِ شعيرًا فجاءتهُ فأخذهَا، فقالَ البخاريُّ: أكانَ معكَ شعيرٌ؟ فقالَ الرَّجلُ: لَا.
ولكنْ أوهمتهَا، فقالَ البخاري: لَا آخذُ الحديث ممَّنْ يكذبُ علَى البهائمِ.
فكانَ هذَا منْ البخاري مثلًا عاليًا فيِ مجالِ الصَّدقِ.
***
۞۞۞۞۞۞۞۞
البابُ الثَّالثُ فِي الأخلاقِ ﴿ 9 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞
Tidak ada komentar:
Posting Komentar