الفصل الثامن في خلق الاحسان
۞۞۞۞۞۞۞
المسلمُ لَا ينظرُ إلَى الإحسانِ، وأنَّهُ خلقٌ فاضلٌ يجملُ التَّخلُّقُ بهِ فحسبُ، بلْ ينظرُ إليهِ وأنَّهُ جزءٌ منْ عقيدتهِ، وشقصٌ كبيرٌ منْ إسلامهِ، إذِ الدِّينُ الإسلاميُ مبناهُ علَى ثلاثةِ أمورِ وهيَ: الإيمان، والإسلامُ، والإحسانُ، كما جاءَ ذلكَ فيِ بيانِ رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - لجبريلَ عليه السلام فيِ الحديثِ المتَّفقِ عليهِ لما سألهُ عنِ الإيمانِ والإسلامِ والإحسانِ وقالَ عقبَ انصرافهِ: "هذَا جبريلُ أتاكم ليعلمكم أمرَ دينكم" فسمى الثلاثةَ دينًا، وقدْ أمرَ اللّهُ سبحانهُ بالإحسانِ فيِ غيرِ موضع منْ كتابهِ الكريمِ إذْ قالَ: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] .
وقالَ تعالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90] .
وقالَ سبحانهُ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] .
وقالَ: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] .
وقالَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللّهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذَا قتلتم فأحسنُوا القتلةَ وإذَا ذبحتم فأحسنُوا الذِّبحةَ، وليحدّ أحدكم شفرتهُ، وليرحْ ذبيحتهُ" .
والإحسانُ فيِ باب العباداتِ: أنْ تؤدَّىَ العبادةُ أيًّا كانَ نوعهَا منْ صلاة، أو صيام، أوْ حجّ أوْ غيرهَا أداءً صحيحًا، باستكمالِ شروطهَا وأركانهَا واستيفاءِ سننهَا وآدابهَا، وهذَا مَا لَا يتم للعبدِ إلاَّ إذَا كانَ حالَ أدائهِ للعبادةِ يستغرقُ في شعور قوي بمراقبةِ اللّهِ عز وجل حتى لكانهُ يراهُ تعالَى ويشاهدهُ، أوْ علَى الأقلِّ يُشعر نفسهُ بأن اللّهَ تعالَى مطلعٌ عليهِ ناظرٌ إليهِ.
فبهذَا وحدهُ يمكنهُ أنْ يحسنَ عبادتهُ ويتقنهَا، فيأتيَ بهَا علَى الوجهِ المطلوب، والصُّورةِ الكاملةِ لهَا، وهذَا مَا أرشدَ إليهِ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - فعز وجل فيِ قوله: "الإحسانُ أنْ تعبدَ اللّهَ كأنّكَ تراهُ، فإنْ لم تكن تراهُ فإنه يراكَ" .
وأمَّا الإحسانُ فيِ بابِ المعاملاتِ: فهوَ للوالدينِ: ببرهمَا الّذِي هوَ طاعتهمَا، وإيصالُ الخيرِ إليهمَا، وكف الأذَى عنهمَا، والدعاءُ والاستغفارُ لهمَا، وإنفاذُ عهدهمَا، وإكرامُ صديقهمَا.
وهوَ للأقاربِ: ببرِّهم ورحمتهم، والعطفِ والحدبِ عليهم، وفعلِ مَا يجملُ فعلهُ معهم، وتركِ مَا يسيءُ إليهم، أوْ يقبحُ قولهُ أوْ فعلهُ معهم.
وهوَ لليتامَى: بالمحافظةِ علَى أموالهم، وصيانةِ حقوقهم، وتأديبهم وتربيتهم وتركِ أذاهمْ، وعدمِ قهرهم، وبالهشِّ فيِ وجوههمْ، والمسحِ علَى رؤوسهمْ.
وهوَ للمساكينِ: بسدِّ جوعتهم، وسترِ عورتهم؛ بالحثِّ علَى إطعامهم وعدمِ المساسِ بكرامتهم فلَا يُحتقرونَ ولَا يزدرونَ، ولَا يُنالونَ بسوء أوْ يمشونَ بمكروهٍ.
وهوَ لابنِ السبيلِ: بقضاءِ حاجتهِ، وسدِّ خلتهِ، ورعايةِ مالهِ، وصيانةِ كرامتهِ، وبإرشادهِ إنْ استرشدَ، وهدايتهِ إنْ ضل.
وهوَ للخادمِ: بإتيانهِ أجرَهُ قبلَ أنْ يجف عرقهُ، وبعدمِ إلزامهِ مَا لَا يلزمهُ أوْ تكليفهِ بمِا لَا يطيقُ، وبصونِ كرامتهِ، واحترامِ شخصيتهِ، فإنْ كانَ منْ خدمِ البيتِ فبإطعامهِ مما يطعمُ أهلهُ، وكسوتهِ ممّا يكسونَ، وهوَ لعمومِ الناسِ بالتّلطُّفِ فيِ القولِ لهم، ومجاملتهم فيِ المعاملةِ والمخاطبةِ بعدَ أمرهم بالمعروفِ ونهيهم عنِ المنكرِ، وبإرشادِ ضالهم، وتعليمِ جاهلهم وبإنصافهم منْ النَّفسِ، والاعترافِ بحقوقهم، وبكفِّ الأذَى عنهم وبعدمِ ارتكابِ مَا يضرهم أوْ فعلِ مَا يؤذيهم.
وهوَ للحيوانِ: بإطعامهِ إنْ جاعَ، ومداواتهِ إنْ مرضَ، وبعدمِ تكليفهِ ما لَا يطيقُ وحملهِ علَى مَا لَا يقدرُ، وبالرفقِ بهِ إنْ عملَ، وإراحتهِ إنْ تعبَ.
وهوَ فيِ الأعمالِ البدنيةِ: بإجادةِ العملِ، وإتقانِ الصَّنعةِ، وبتخليصِ سائرِ الأعمالِ منْ الغش وقوفًا عندَ قولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فيِ الصَّحيحِ: "منْ غشنَا فليسَ منَّا" .
ومن مظاهرِ الإحسانِ مَا يِلي:
1 - لماَّ فعلَ المشركونَ بالنَّبي - صلى الله عليه وسلم - مَا فعلُوا يومَ أحد منْ قتلِ عمِّهِ والتَّمثيلِ بهِ، ومنْ كسرِ رباعيتهِ، وشجِّ وجههِ طلبَ إليهِ أحدُ الأصحابِ أنْ يدعوَ علَى المشركينَ الظَّالمينَ فقالَ: "اللهمَّ اغفر لقومِي فإنهم لَا يعلمونَ".
2 - قالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز يومًا لجاريتهِ: روحيني حتَّى أنامَ فروَّحتهُ فنامَ، وغلبهَا النَّومُ فنامتْ فلما انتبهَ أخذَ المروحةَ يروحهَا، فلما انتبهتْ ورأتهُ يروِّحهَا صاحتْ! فقالَ: إنَّمَا أنتِ بشر مثلي أصابكِ منْ الحر مَا أصابنَي فأحببتُ أنْ أروحكِ كمَا روَّحتني.
3 - غاظَ أحدَ السلفِ غلامٌ لهُ غيظًا شديدًا فهم بالانتقامِ منهُ.
فقالَ الغلامُ: والكاظمينَ الغيظَ، فقالَ الرجلُ: كظمتُ غيظِي، فقالَ الغلامُ: والعافينَ عنِ النَّاسِ، فقالَ: عفوتُ عنكَ، فقالَ الغلامُ: واللّهُ يحبُّ المحسنينَ، فقالَ: اذهب فأنتَ حرٌّ لوجهِ اللّهِ تعالى.
۞۞۞۞۞۞۞۞
البابُ الثَّالثُ فِي الأخلاقِ ﴿ 8 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞
Tidak ada komentar:
Posting Komentar