المادة السادسة فيما يلزم لخوض المعركة
۞۞۞۞۞۞۞
لابدَّ للمجاهدِ عندَ خوضِ المعركةِ منْ توفُّرِ الأحوالِ الآتيةِ:
1 - الثَّباتُ والاستماتةُ حالَ الزحفِ؛ إذْ حرمَ اللّهُ عز وجل الانهزامَ أمامَ العدوِّ حالَ الزَّحفِ، بقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال: 15] .
وهذَا فيمَا إذَا كانَ عددُ الكفَّارِ لَا يزيدُ علَى ضعفيّ عددِ المسلمينَ، فإنْ زادَ بأنْ قاتلَ رجلٌ منَ المسلمينَ ثلاثةً منَ الكفارِ فأكثرَ مثلًا فلَا يحرمُ الانهزامُ.
كمَا أنهُ منِ انهزمَ قصْدَ مخادعةِ الكفارِ لينقض عليهم، أو انهزمَ لينحازَ إلَى فئةِ المسلمينَ لَا يعدُّ منهزمًا ولَا إثمَ عليهِ؛ لقولهِ تعالَى: {إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} [الأنفال: 16] .
2 - ذكرُ اللّهِ بالقلبِ واللِّسانِ؛ استمدادًا للقوَّةِ منَ اللّهِ تعالَى بذكرِ وعدهِ ووعيدهِ وولايتهِ ونصرتهِ لأوليائهِ، فيثبتُ بذلكَ القلبُ ويربطُ الجأشُ .
3 - طاعةُ اللهِ وطاعةُ رسولهِ، بعدمِ مخالفةِ أمرهمَا ولَا ارتكابِ نهيهمَا.
4 - تركُ النِّزاعِ والخلافِ، لدخولِ المعركةِ صفًّا واحدًا لَا ثلمةَ فيهِ ولَا ثغرةَ، قلوبٌ مترابطةٌ وأجساد متراصَّة كالبنيانِ المرصوصِ يشدُّ بعضهُ بعضًا.
5 - الصَّبر والمصابرةُ، والاستماتةُ فيِ خوضِ المعركةِ حتى ينكشفَ العدوُّ وتنهزمَ صفوفهُ.
قالَ اللّهُ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45 - 46] .
المادةُ السَّابعةُ: فِي آدابِ الجهادِ:
للجهادِ آدابٌ تجبُ مراعاتهَا، فإنهَا عواملُ النصرِ فيهِ، وهيَ:
1 - عدمُ إفشاءِ سرِّ الجيشِ وخططهِ الحربيةِ، فقدْ كانَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - إذَا أرادَ الخروجَ إلَى غزوةٍ مَا ورى بغيرهَا (كمَا وردَ فيِ الصحيحِ) .
2 - استعمالُ الرُّموزِ والشِّعاراتِ والإشاراتِ بينَ أفرادِ الجيشِ، ليعرفَ بهَا بعضهم بعضًا في حالِ اختلاطهم بالعدوِّ أوْ قربهم منْ مكانهِ، فقدْ قالَ - صلى الله عليه وسلم -: "إنْ بيتكمُ العدو فقولُوا: حمَ لا ينصرونَ" وكانَ شعارُ سريةٍ غزتْ معَ أبي بكر "أمِتْ أمِتْ" .
3 - الصمتُ عندَ خوض المعركةِ؛ إذِ اللغطُ والصُّراخُ يسببانِ الفشلَ بتبديدِ القوَى وتشتُّتِ الفكرِ؛ لماَ روَى أبُو داودَ أن أصحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانُوا يكرهونَ الصَّوتَ عندَ القتالِ.
4 - اختيارُ الأماكنِ الصَّالحةِ للقتالِ، وترتيبُ المقاتلينَ، واختيارُ الزَّمنِ المناسبِ لشنِّ الهجومِ علَى العدوِّ؛ إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - منْ هديهِ فيِ الحروبِ اختيارُ المكانِ والزَّمانِ لشنِّ المعاركِ.
5 - دعوةُ الكفَّارِ قبلَ إعلانِ الحربِ عليهم أوْ مهاجمتهم إلَى الإسلام أوْ الاستسلامِ بدفعِ الجزيةِ، فإنْ أبوْا فالقتالُ؛ إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - إذَا بعثَ أميرًا علَى سريَّةٍ أوْ جيشٍ أوصاهُ بتقوَى اللّهِ فيِ خاصةِ نفسهِ وبمنْ معهُ منَ المسلمينَ خيرًا، وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا لقيتَ عدوكَ منَ المشركينَ فادعهم إلَى إحدَى ثلاثِ خصالٍ، فأيتهَا أجابوكَ إليهَا فاقبلْ منهم، وكف عنهم: ادعهم إلَى الإسلامِ، فإنْ أجابوكَ فاقبلْ منهم وكف عنهم، فإنْ أبوْا فادعهم إلَى إعطاءِ الجزيةِ، فإنْ أجابوكَ فاقبلْ منهم وكفَّ عنهم، فإنْ أبوا فاستعنْ باللّهِ وقاتلهم" .
6 - عدمُ السَّرقةِ منَ الغنائمِ وعدمُ قتلِ النِّساءِ والأطفالِ والشُّيوخِ والرُّهبانِ إنْ لمْ يشاركُوا في القتالِ، فإنْ قاتلُوا قتلُوا.
لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - لأمرائهِ: "انطلقُوا باسمِ اللَّهِ وباللَّهِ وعلَى ملَّةِ رسولِ اللهِ ولَا تقتلُوا شيخًا فانيًا ولَا طفلًا ولَا صغيرًا ولَا امرأةً ولَا تغلوا وضمُّوا غنائمكم وأصلحُوا وأحسنُوا، إن اللهَ يحب المحسنينَ" .
7 - عدمُ الغدرِ بمنْ أجارهُ مسلم وأمنهُ علَى حياتهِ؛ لِقَولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تغدُرُوا" .
وقولهِ: "إن الغادرَ ينصبُ لهُ لواء يومَ القيامةِ، فيقالُ: هذهِ غدرةُ فلانِ ابنِ فلانٍ" .
8 - عدمُ إحراقِ العدوِّ بالنَّارِ؛- لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنْ وجدتمْ فلانًا فاقتلوهُ ولَا تحرقوهُ بالنارِ فإنهُ لَا يعذِّبُ بالنَّارِ إلاَّ رب النارِ" .
9 - عدمُ المثلةِ بالقتلَى؛ لقولِ عمرانَ بنِ حصين: "كانَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يحثنُا علَى الصدقةِ وينهانَا عنِ المثلةِ" .
ولقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أعف النَّاسِ قِتلةً أهلُ الإيمانِ" .
10 - الدُّعاءُ بالنصرِ علَى الأعداءِ؛ إذْ كانَ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ بعدَ التَّعبئةِ للمعركة: "اللهمَّ منزلَ الكتابِ ومجريَ السحابِ وهازمَ الأحزابِ، اهزمهم وانصرنَا عليهم" .
وقولهُ - صلى الله عليه وسلم -: "ثنتانِ لَا تردانِ أوْ قلمَا تردانِ، الدعاءُ عندَ النِّداءِ وعندَ البأسِ حينَ يلحمُ بعضهم بعضًا" .
المادة الثامنةُ: فِي عقدِ الذمةِ، وأحكامهَا:
أ- عقدُ الذمةِ:
عقدُ الذِّمةِ هوَ تأمين منْ أجابَ المسلمينَ إلَى دفعِ الجزيةِ منَ الكفَّار، وتعهَّدَ للمسلمينَ بالتزامِ أحكامِ الشريعةِ الإسلاميةِ فيِ الحدودِ كالقتلِ والسرقَةِ والعرضِ.
ب- من يتولى عقدَ الذمةِ:
يتولى عقدَ الذِّمةِ الإمامُ أوْ نائبهُ منْ أمراءِ الأجنادِ فقطْ، أما غيرهمَا فليسَ لهُ حق فيِ ذلكَ، بخلافِ الإجارةِ والتأمينِ، فإنهُ لكلِّ مسلمٍ ذكرًا أو أنثَى أنْ يجيرَ ويؤمِّن؛ إذْ قدْ أجارتْ ألم هانىءٍ بنتُ أبي طالبٍ رجلًا منَ المشركينَ يومَ الفتحِ فأتتِ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - فذكرتْ لهُ ذلكَ فقالَ: "قدْ أجرنَا منْ أجرتِ وأمَّنَّا منْ أمَّنتِ يَا أمَّ هانئٍ" .
ج- تمييزُ أهلِ الذمةِ عنِ المسلمينَ:
يجبُ أنْ يتميز أهلُ الذمةِ عنِ المسلمينَ في لباسٍ ونحوهِ ليُعرفُوا، وأنْ لَا يدفنُوا في مقابرِ المسلمينَ، كمَا لَا يجوزُ أنْ يقامَ لهم، ولَا أنْ يُبتدأوا باَلسلامِ، ولَا أنْ يتصدرُوا فيِ المجالسِ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تبدأوا اليهودَ والنصارَى بالسلامِ فإذَا لقيتم أحدهم فيِ الطريقِ فاضطرُوهُ إلَى أضيقهِ" .
د- مَا يُمنعُ منهُ أهلُ الذمةِ:
يمنعُ أهلُ الذمةِ منْ أمور، منهَا:
1 - بناءُ الكنائسِ أوِ البيعِ، أوْ تجديدُ مَا انهدمَ منهَا؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تبنَى الكنيسةُ في الإسلامِ، ولَا يجدَّدُ مَا خربَ منهَا" .
2 - تعليةُ بناءِ منزلهِ علَى منازلِ المسلمينَ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الإسلامُ يعلُو ولَا يعلَى عليهِ" .
3 - التَّظاهرُ أمامَ المسلمينَ بشربِ الخمرِ وأكلِ الخنزيرِ، أوِ الأكلُ والشربُ في نهارِ رمضانَ، بلْ عليهم أنْ يستخفُوا بكل مَا هوَ حرامٌ علَى المسلمينَ خشيةَ أنْ يفتنُوا المسَلمينَ.
هـ- مَا ينتقضُ بهِ عقدُ الذِّمَّةِ: ينتقضُ عقدُ الذِّمةِ بأمور، منهَا:
1 - الامتناعُ منْ بذلِ الجزيةِ.
2 - عدمُ التزامهم بأحكامِ الشَّرعِ الَّتي كانتْ شرطًا فيِ العقدِ.
3 - تعديهمْ علَى المسلمينَ بقتلٍ، أوْ قطعِ طريقٍ، أوْ تجسس، أوْ إيواءِ جاسوسٍ للعدوِّ، أوْ زنًى بمسلمةٍ.
4 - أنْ يذكرُوا اللّهَ ورسولهُ أوْ كتابهُ بسوءٍ.
و- مَا لأهلِ الذِّمةِ:
لأهلِ الذِّمةِ علَى المسلمينَ حفظُ أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وعدمُ أذيتهم مَا وفَّوْا بعهدهم فلم ينكثوهُ؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ آذَى ذمِّيًّا فأنا خصمهُ يومَ القيامةِ" .
فإنْ هم نكثُوا عهدهمْ ونقضوهُ بارتكابِ مَا منْ شأنهِ نقضُ العهدِ حلّتْ دماؤهم وأموالهم.
دونَ نسائهمْ وأولادهمْ؛ إذْ لَا يؤخذُ المرءُ بذنبِ غيرهِ.
المادةُ التَّاسعةُ: فِي الهدنةِ، والمعاهدةِ، والصُّلحِ:
1 - الهدنةُ: يجوزُ عقدُ الهدنةِ معَ المحاربينَ، إذَا كانَ فيِ ذلكَ تحقيقُ مصلحةٍ محققةٍ للمسلمينَ، فقدْ هادنَ - صلى الله عليه وسلم - فيِ حروبهِ كثيرًا منَ المحاربينَ، ومنْ ذلكَ مهادنتهُ ليهودِ المدينةِ عندَ نزولهِ بهَا، حتى نَقضوهَا وغدرُوا بهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقاتلهم، وأجلاهم عنهَا.
ب- المعاهدةُ: يجوزُ عقدُ معاهدةِ عدمِ اعتداء وحسنِ جوار بينَ المسلمينَ وأعدائهم، إذَا كانَ ذلكَ محقِّقًا لمصلحةٍ راجحةٍ للمسلمينَ، فقدْ عقدَ رسولُ اللَهِ - صلى الله عليه وسلم - المعاهداتِ وكانَ يقولُ: "نفِي لهم بعهدهم، ونستعينُ اللهَ عليهم" .
قالَ تعالَى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7].
وحرمَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قتلَ المعاهدِ فقالَ: "منْ قتلَ معاهدًا لم يرحْ رائحةَ الجنةِ" .
وقالَ - صلى الله عليه وسلم -: "إنّي لَا أخيسُ بالعهدِ ولَا أحبسُ البردَ" .
ج - الصلحُ: يجوزُ للمسلمينَ أنْ يصالحُوا منْ أعدائهم منْ شاؤُوا، إذا اضطرُّوا إلَي ذلكَ، وكانَ الصُّلحُ يحقِّقُ لهم فوائدَ لم يحصلُوا عليهَا بدونهِ؛ فقدْ صالحَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أهلَ مكةَ صلحَ الحديبيةِ، كمَا صالحَ أهلَ نجرانَ علَى أموال يؤدونهَا، وصالحَ أهلَ البحرينِ علَى أنْ يدفعُوا لهُ جزية معينة، وصالحَ أكيدِرَ دومةَ فحقنَ دمهُ علَى أنْ يدفعَ الجزيةَ.
۞۞۞۞۞۞۞۞
البابُ الخامسُ فِي المعاملاتِ ﴿ 2 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞
Tidak ada komentar:
Posting Komentar