Selasa, 08 Oktober 2024

الفصل الثالث في خلق التوكل على الله تعالى والاعتماد على النفس


الفصل الثالث في خلق التوكل على الله تعالى والاعتماد على النفس 
۞۞۞۞۞۞۞

المسلمُ لَا يرَى التَّوكُّلَ علَى اللّهِ تعالَى في جميع أعمالهِ واجباً خلقيًّا فحسبُ، بلْ يراهُ فريضةً دينية، ويعدُّهُ عقيدةً إسلاميَّة، وذلك لأمرِ اللَّهِ تعالَى بهِ في قولهِ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] .
 وقولهِ: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122] .
 لهذَا كانَ التَّوكُّلُ المطلقُ علَى اللّهِ سبحانهُ وتعالَى جزءًا منْ عقيدةِ المؤمنِ باللّهِ تعالَى.
 والمسلمُ إذْ يدينُ للّهِ تعالَي بالتَّوكُّلِ عليهِ، والاطِّراحِ الكاملِ بينَ يديهِ، لَا يفهمُ منَ التوكلِ مَا يفهمهُ الجاهلونَ بالإسلامِ وخصومِ عقيدةِ المسلمينَ، منَ أنَّ التّوكلَ مجردُ كلمةٍ تلوكهَا الألسنُ، ولَا تعيهَا القلوبُ، وتتحركُ بهَا الشِّفاهُ ولَا تفهمهَا العقولُ، أوْ تتروَّاهَا الأفكارُ، أوْ هوَ نبذُ الأسبابِ، وتركُ العملِ، والقنوعُ والرضَا بالهونِ والدُّونِ تحتَ شعارِ التَّوكلِ علَى اللّهِ، والرضَا بمَا تحرِي بهِ الأقدارُ لَا أبدًا! بلِ المسلمُ يفهمُ التَّوكُّلَ الَّذِي هوَ جزءٌ منْ إيمانهِ وعقيدتهِ أنَّهُ طاعةُ اللّهِ بإحضارِ كافَّةِ الأسبابِ المطلوبةِ لأيِّ عملٍ منَ الأعمالِ الَّتي يريدُ مزاولتهَا والدخولَ فيهَا، فلَا يطمعُ في ثمرةٍ بدونِ أنْ يقدِّمَ أسبابهَا، ولَا يرجُو نتيجة مَا بدونِ أنْ يضعَ مقدِّمتهَا، غيرَ أنَّ موضوعَ إثَمارِ تلكِ الأسبابِ، وإنتاجِ تلكَ المقدِّماتِ يفوِّضهُ إلَى اللّهِ سبحانهُ وتعالَى؛ إذْ هوَ القادرُ عليةِ دونَ سواهُ.
 فالتَّوكُلُ عندَ المسلمِ إذا هوَ عمل وأمل، معَ هدوءِ قلبٍ وطمأنينةِ نفسٍ، واعتقاد جازمٍ أن مَا شاءَ اللّهُ كانَ، ومَا لم يشأْ لم يكنْ، وأنَّ اللّهَ لَا يضيعُ أجرَ منْ أحسنَ عملاً.
 والمسلمُ إذْ يؤمنُ بسننِ الله فيِ الكونِ فيعد للأعمالِ أسبابهَا المطلوبةَ لهَا، ويستفرغُ الجهدَ فيِ إحضارهَا وإكمالهَا؛ لَا يعتقدُ أبدًا أنَّ الأسبابَ وحدهَا كفيلةٌ بتحقيقِ الأغراضِ، وإنجاحِ المساعِي لَا، بلْ يرَى وضعَ الأسبابِ أكثرَ منْ شيء أمرَ اللّهُ بهِ، يجبُ أنْ يطاعَ فيهِ كمَا يطاعُ فيِ غيرهِ ممَّا يأمر بهِ وينهَى عنهُ، أما الحصولُ علَى النَّتائجِ، والفوزُ بالرغائبِ فقدْ وكَّلَ أمرهمَا إلَى اللّهِ تعالَى؛ إذْ هوَ القادرُ علَى ذلكَ دونَ غيرهِ، وأنَّ ما شاءَ كانَ ومَا لم يشأْ لم يكنْ، فكمْ منْ عامل كادحٍ لم يأكلْ ثمرةَ عملهِ وكدحهِ، وكم منْ زارعٍ لم يحصدْ مَا زرعَ.
 ومنْ هنَا كانتْ نظرةُ المسلمِ إلَى الأسبابِ: أنَّ الاعتمادَ عليهَا وحدهَا واعتبارهَا هيَ كل شيء فيِ تحقيق المطلوبِ كفرٌ وشركٌ، يتبرأُ منهُ، وأنَّ تركَ الأسبابِ المطلوبةِ لأيِّ عمل وإهمالهَا وهوَ قادرٌ علَى إعدادها وإيجادها فسقٌ ومعصيةٌ يحرمهمَا ويستغفرُ اللّهَ تعالَى منهمَا.
 والمسلمُ في نظرتهِ هذهِ إلَى الأسبابِ مستمدٌّ فلسفتَها منْ روحِ إسلامهِ، وتعاليمِ نبيِّهِ محمّدٍ - صلى الله عليه وسلم -.
 فرسول اللّهِ كانَ فيِ حروبهِ الطويلةِ العديدةِ لَا يخوضُ معركةً حتَّى يعدَّ لهَا عدَّتهَا ويهيئ لهَا أسبابهَا، فيختارَ حتّى مكان المعركةِ وزمانهَا، فقدْ أثِرَ عنهُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ كانَ لَا يشن غارةً في الحر إلاَّ بعدَ أنْ يبردَ الجو، ويتلطَّفَ الهواءُ منْ آخرِ النَّهارِ، بعدَ أنْ يكونَ قدْ رسمَ خطَّتهُ، ونظِّمَ صفوفهُ، وإذَا فرغَ منْ كلِّ الأسبابِ المادِّيَّةِ المطلوبةِ لنجاحِ المعركةِ؛ رفعَ يديهِ سائلاً اللّهَ عز وجل: "اللَّهم منزلَ الكتابِ ومجريَ السَّحابِ وهازمَ الأحزابِ اهزمهم وانصرنَا عليهمْ" .
 وكذلكَ كانَ هديهُ - صلى الله عليه وسلم - فيِ الجمعِ بينَ الأسبابِ المادِّيَّةِ والروحيَّةِ، ثمّ يعلِّقُ أمرَ نجاحهِ علَى ربِّهِ وينوطُ فلاحهُ وفوزهُ بمشيئةِ مولاهُ.
 هذا مثالٌ!.
 ومثالٌ آخرُ: فقدِ انتظرَ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ ربِّهِ فيِ الهجرةِ إلَى المدينةِ بعدَ أنْ هاجرَ إليهَا جلُّ أصحابهِ، وجاءهُ الإذنُ منَ اللّهِ تعالَى بالهجرةِ، فمَا هِي التَّرتيباتُ الّتي اتَّخذهَا رسولُ اللّهِ عليهِ الصّلاةُ والسَّلامُ لهجرتهِ؟ إنَّهَا: 
1- إحضارُ رفيقٍ منْ خيرةِ الرُّفقاءِ ألَا وهوَ صاحبهُ أبُو بكر الصِّدِّيقُ - رضي الله عنه - ليصحبهُ فيِ طريقهِ إلَى دارِ هجرتهِ.
 2 - إعدادُ زادِ السَّفرِ منْ طعامٍ وشراب، ربطتهُ أسماءُ بنتُ أبِي بكر بنطاقهَا حتَّى لقِّبتْ بذاتِ النِّطاقيِن.
 3 - إعدادُ راحلة ممتازة للرُّكوبِ عليهَا فيِ هذَا السَّفرِ الشَّاقِّ الطَّويلِ.
 4 - إحضارُ خريتٍ (جغرافي) عالمٍ بمسالكِ الطَّريقِ ودروبهَا الوعرةِ ليكونَ دليلًا وهاديًا فيِ هذهِ الرحلةِ الصَّعبةِ.
 5 - ولماَّ أرادَ أنْ يخرجَ منْ بيتهِ الَّذِي طوَّقهُ العدوُّ وحاصرهُ فيهِ حتى لَا ينفلتَ منه، أمرَ - صلى الله عليه وسلم - ابنَ عمِّهِ على بنَ أبِي طالبٍ - رضي الله عنه - أنْ ينامَ على فراشهِ تمويها علَى العدوُّ الَّذِي مَا برحَ ينتظرُ خروجهُ منَ المنزلِ ليفتكَ بهِ، ثم خرجَ وتركَ العدو ينتظر قومتهُ منْ فراشهِ الذِي يتراءَى لهمْ منْ خلالِ شقوقِ البابَ.
 6 - لمَاَ طلبهُ المشركونَ واشتدوا وراءهُ يبحثونَ عنهُ وعنْ صاحبهِ أبِيْ بكرٍ الصدِّيقِ الَّذِي فر معهُ، أوَى اٍلَى غارِ ثورٍ فدخَل فيهِ ليستترَ عنْ أعينِ طالبيهِ النَّاقمينَ الحاقدينَ عليهِ.
 7 - لمَّا قالَ لهُ أبُو بكرٍ: لوْ أنَّ أحدهم نظرَ تحتَ قدمه لأبصرناَ يَا رسولَ اللّهِ قالَ لهُ: "مَا ظنكَ يَا أبَا بكرٍ باثنينِ اللّهُ ثالثهمَا؟! " .
 فمنْ خلالِ هذهِ الحادثةِ التي تجلتْ فيهَا حقائقُ الإيمانِ والتَّوكُّلِ معًا يشاهدُ أنّ الرسولَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ كانَ لَا ينكر الأسبابَ، ولَا يعتمدُ عليهَا، وأن آخرَ الأسبابِ للمؤمنِ اطِّراحهُ بينَ يديِ اللّهِ، وتفويضهُ أمرَهُ إليهِ فيِ ثقةٍ واطمئنانٍ إنَّ الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - لماَّ استنفدَ جميعَ الوسائلِ فيِ طلبِ النجاةِ حتى حشرَ نفسهُ التي طلبَ النَّجاةَ لهَا في غار مظلم تسكنهُ العقاربُ والحيَّاتُ؛ قالَ في ثقةِ المؤمنِ ويقينِ التوكِّلِ لصاحبهِ لما ساورهُ الخوف: "لَا تحزنْ إن اللّهَ معنَا، مَا ظنُكَ يَا أبَا بكَير باثنينِ اللّهُ ثالثهمَا؟! ".
 ومنْ هذَا الهديِ النبويِّ والتَّعليمِ المحمديِّ اقتبسَ المسلمُ نظرتَه تلكَ إلَى الأسبابِ، فليسَ هوَ فيهَا مبتدعًا ولَا متنطِّعًا، وإنّمَا هوَ مؤتس ومقتدٍ.
 أما الاعتمادُ علَى النفسِ: فإن المسلمَ لَا يفهمُ منهُ مَا يفهمهُ المحجوبونَ بمعاصيهم عنْ أنفسهم منْ أنهُ عبارةٌ عنْ قطعِ الصِّلةِ باللهِ تعالَى، وأنَّ العبدَ هوَ الخالقُ لأعمالهِ، والمحقِّقُ لكسبهِ وأرباحهِ بنفسهِ، وأنهُ لَا دخلَ للّهِ فيِ ذلكَ!! تعالَى اللّهُ عمَّا يتصوَّرونَ.
 وإنَّمَا المسلمُ إذْ يقولُ بوجوبِ الاعتمادِ علَى النفسِ فيِ الكسبِ والعملِ يريدُ بذلكَ أنَّهُ لَا يُظهرُ افتقارهُ إلَى أحد غيرِ اللّهِ، ولَا يبدِي احتياجَه إلَى غيرِ مولاهُ، فإذَا أمكنهُ أنْ يقومَ بنفسهِ علَى عملهِ فإنهُ لَا يسندهُ إلَى غيرهِ، وإذَا تأتّى لهُ أنْ يسدَّ حاجتهُ بنفسهِ فلَا يطلبُ معونةَ غيرهِ، ولَا مساعدةَ أحدٍ سوَى اللّهِ؛ لماَ فيِ ذلكَ منْ تعلُّقِ القلبِ بغيرِ اللّهِ، وهوَ مَا لَا يحبُّهُ المسلمُ ولا يرضاهُ.
 والمسلمُ في هذَا هوَ سالكٌ دربَ الصَّالحينَ، وماض علَى سننِ الصِّدِّيقينَ، فقدْ كانَ أحدهمْ إذَا سقطَ سوطَهُ منْ يدهِ وهوَ راكبٌ علَى فرسهِ ينزلُ إلَى الأرضِ ليتناولهُ بنفسهِ ولَا يطلبُ منْ أحدٍ أنْ يناولهُ إيَّاهُ، وقدْ كانَ رسولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يبايعُ المسلمَ علَى إقامةِ الصلاةِ وإيتاء الزَّكاةَ، وأنْ لَا يسألَ أحدًا حاجتهُ غيرَ اللّهِ تعالَى.
 والمسلمُ إذْ يعيشُ علَى هذهِ العقيدةِ منَ التَّوكُّلِ علَى اللّهِ والاعتمادِ علَى النَّفسِ يغذِّي عقيدتهُ هذهِ وينمِّي خلقهَ ذاكَ بإيرادِ خاطرهِ منَ الوقتِ إلَى الوقتِ علَى هذهِ الآياتِ النُّورانيَّةِ، والأحاديثِ النبويةِ التي استمد منهَا عقيدتهُ، واستوحَى منهَا خلقهُ، وذلكَ كقولِ اللّهِ تعالَى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58] .
 وَقَوْلِهِ: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] .
 وقولهِ تعالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .
 وكقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "لوْ أنكم تتوكَلونَ علَى اللَّهِ حقَّ توكُّلهِ لرزقكم كمَا يرزقُ الطيرَ تغدو خماصًا وتروح بطانًا" .
 وقولهِ إذَا خرجَ منْ بيتهِ: "بسمِ اللهِ توكَّلتُ علَى اللهِ ولَا حولَ ولَا قوَّةَ إلا باللهِ" وقولهِ في السبعينَ ألفًا الذينَ يدخلونَ الجنَّةَ بغيرِ حساب ولَا عذاب: "همُ الذينَ لَا يسترقونَ، ولَا يَكتوونَ، ولَا يتطيرونَ، وعلَى ربهم يتوكَلونَ" .
 ***  

۞۞۞۞۞۞۞۞
البابُ الثَّالثُ فِي الأخلاقِ  ﴿ 3 ﴾ 
۞۞۞۞۞۞۞۞

Tidak ada komentar:

Posting Komentar

المادة الثانية في العقيقة

المادة الثانية في العقيقة     1 - تعريفهَا: العقيقةُ هيَ الشاةُ تذبحُ للمولودِ يومَ سابعِ ولادَتهِ.  2 - حكمهَا: العقيقة سنَّة متأكَّدةٌ للق...