الفصل الرابع في الايثار وحب الخير
۞۞۞۞۞۞۞
منْ أخلاقِ المسلمِ التي اكتسبهَا منْ تعاليمِ دينهِ، ومحاسنِ إسلامهِ: الإيثارُ علَى النفسِ، وحب للغيرِ فالمسلمُ متَى رأَى محلاً للإيثارِ آثرَ غيرهُ علَى نفسهِ، وفضَلهُ عليهَا، فقدْ يجوعُ ليشبعَ غيرهُ، ويعطشُ ليروي سواهُ، بلْ قدْ يموتُ في سبيلِ حياةِ آخرينَ، ومَا ذلكَ ببعيد ولَا غريبا علَى مسلمٍ تشبَّعتْ روحهُ بمعاني الكمالِ، وَانطبعتْ نفسهِ بطابعِ الخيرِ وحبِّ الفضيلةِ والجميلِ تلكَ هيَ صبغةُ اللّهِ ومنْ أحسنُ منَ اللّهِ صبغةً؟.
والمسلمُ فيِ إيثارهِ وحبهِ للخيرِ ناهجٌ نهجَ الصَّالحينَ السابقينَ وضاربٌ فيِ دربِ الأولينَ الفائزينِ الَّذينَ قاَل اللّهُ فيهم في ثنائهِ عليهم: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
إنَّ كلَّ خلائقِ المسلمِ الفاضلةِ، وكل خصالهِ الحميدةِ الجميلةِ؛ إنَّمَا هيَ مستقاةٌ منْ ينابيعِ الحكمةِ المحمديَّةِ، أوْ مستوحاةٌ منْ فيوضاتِ الرحمةِ الإلهيةِ، فعلَى مثلِ قولِ الرسولِ الكريمِ المتَّفقِ عليهِ: "لَا يؤمنُ أحدكمْ حتَّى يحبَّ لأخيهِ مَا يحب لنفسهِ" تزدادُ أخلاقُ المسلمِ سموًّا وعلوًّا، وعلَى مثلِ قولِ اللّهِ تعالَى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} كان شعورُ المسلمِ بحب الخيرِ والرغبةِ فيِ الإيثارِ علَى النَفسِ والأهلِ والولدِ يزدادُ قوَّة ونموًّا.
إنَّ عبدًا كالمسلمِ يعيشُ موصولا باللّهِ، لسانهُ لا يفتأُ رطبًا بذكرهِ، وقلبهُ لَا يبرحُ عاكفًا علَى حبِّهِ، إنْ سرَّحَ في ملكوتِ النّظرِ جنَى العبرَ، وإنْ أوردَ الخاطرَ علَى مثل آيَاتِ المزَّمِّلِ وفاطرٍ: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل: 20] .
{وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29 - 30] .
احتقرَ الدُّنيَا وازدراهَا واصطفَى الآخرةَ واجتباهَا، ومنْ كانَ هذَا حالهُ فكيفَ لَا يبذلُ بسخاءٍ مالهُ ولمَ لَا يحبُّ الخيرَ ولَا يؤثرُ الغيرَ مَنْ علمَ أن مَا يقدِّمهُ اليومَ يجدهُ غداً هوَ خيرًا وأعظمَ أجرًا، وها هي ذي خمسٌ منْ آياتِ إيثارِ المسلمِ وحبِّهِ للخيرِ نتلوهَا بالحقِّ لقومٍ يعقلونَ: 1 - في دارِ الندوةِ، وافقَ مجلسُ شيوخِ قريشٍ بإجماعِ الآراءِ علَى اقتراح تقدَّمَ بهِ أبُو مرةَ -لعنةُ اللّهِ عليهِ- يقضِي بقتلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - واغتيالهِ فيِ منزلهِ، وبلغَ رسولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - القرارُ الجائرُ، وقدْ أُذِنَ لهُ بالهجرةِ، فعزمَ عليهَا، وبحثَ علَى منْ ينامُ علَى فراشهِ ليلًا؛ ليموِّهَ علَى المتربِّصينَ لهُ ليبطشُوا بهِ، فيغادرَ المنزلَ ويتركهم ينتظرونَ قيامهُ منْ فراشهِ، فوجدَ ابنَ عمِّهِ الشَّاب المسلمَ علي بنَ أبي طالبٍ - رضي الله عنه - أهلاً للفداءِ والتَّضحيةِ، فعرضَ عليهِ الأمرَ فلم يترددْ علي في أنْ يقدِّمَ نفسهُ فداء لرسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فينامُ علَى فراشٍ لَا يدرِي متَى تتخطَّفهُ الأيدِي منهُ لترَميَ بهِ إلَى المتعطِّشينَ إلَى الدِّماءِ يلعبونَ بهِ بسيوفهم لعبَ الكرةِ بالأرجلِ، ونامَ عليٌّ وآثرَ رسولَ اللّهِ بالحياةَ فضربَ بذلكَ علَى حداثةِ سنِّهِ أروعَ مثل فيِ التَّضحيةِ والفداءِ، وهكذَا يؤثرُ المسلمُ علَى نفسهِ ويجودُ حتى بنفسهِ والجودُ بالنفسِ أقصَى غايةِ الجودِ.
2 - قالَ حذيفةُ العدويُّ: انطلقتُ يومَ اليرموكِ أطلبُ ابنَ عم لي ومعِي شيء منْ ماءٍ وأنَا أقولُ: إنْ كانَ بهِ رمقٌ سقيتهُ، ومسحتُ بهِ وجههُ، فإذَا أنَا بهِ فقلتُ: أسقيكَ؟ فأشارَ إليَ أنْ نعم، فإذَا رجلٌ يقولُ: آه! فأشارَ ابنُ عمِّي إليَ أنْ انطلقْ بهِ إليهِ، فجئتهُ فإذَا هوَ هشامُ بنُ العاصِ، فقلتُ: أسقيكَ؟ فسمعَ بهِ آخر فقالَ: آه! فأشارَ هشامٌ أنِ انطلقْ بهِ إليهِ، فجئتهُ فإذَا هوَ قدْ ماتَ، فرجمتُ إلَى هشامٍ فإذَا هوَ قدْ ماتَ، فرجمتُ إلَى ابنِ عمِّي فإذَا هوَ قدْ ماتَ، رحمةُ اللّهِ عليهم أجمعينَ.
وهكذَا يضربُ هؤلاءِ الشُّهداءُ الثَّلاثةُ الأبرارُ أعلَى مثالٍ فيِ الإيثارِ، وتفضيلِ الغيرِ علَى النّفسِ، وهذَا هوَ شأنُ المسلمِ فيِ هذهِ الحياةِ.
3 - رويَ أنَّهُ اجتمعَ عندَ أبِي الحسنِ الأنطاكي نيفٌ وثلاثونَ رجلاً لهم أرغفةٌ معدودةٌ لَا تكفيهم شبعًا، فكسروهَا وأطفؤوا السراجَ وجلسُوا للأكلِ، فلمَّا رفعت السفرةُ فإذَا الأرغفةُ بحالهَا لم ينقصْ منهَا شيءٌ؛ لأنً أحداً منهم لم يأكلْ إيثارًا للآخرينَ علَى نفسهِ حتَّى لم يأكلُوا جميعاً، وهكذَا آثر كلُّ مسلمٍ جائعٍ منهم غيرهُ، فكانوا منْ أهلِ الإيثارِ جميعًا.
4 - روَى الشَّيخانِ أنَهُ نزلَ برسولِ اللهِ- عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ - ضيف فلم يجدْ عندَ أهلهِ شيئًا، فدخلَ عليهِ رجل منَ الأنصارِ فذهبَ بالضَّيفِ إلَى أهلهِ، ثمَّ وضعَ بينَ يديهِ الطَّعامَ وأمرَ امرأته بإطفاءِ السراج، وجعلَ يمد يدهُ إلَى الطعامِ كأنه يأكل ولَا يأكلُ، حتَّى أكلَ الضَّيفُ إيثارًا للضَّيف علَى نفسهِ وأَهلهِ، فلمَّا أصبحَ قاَل لهُ رسولُ اللّهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "لقدْ عجبَ اللّهُ منْ صنيعكُم الليلةَ بضيفكم" ونزلتْ آيةُ {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .
5 - حكيَ أن بشرَ بنَ الحارثِ أتاهُ رجلٌ في مرضهِ الَّذِي توفيِّ فيهِ، فشكَا إليهِ الحاجةَ فنزعَ بشرٌ قميصهُ الَّذِي كانَ عليهِ، فأعطاهُ إيَّاهُ، واستعارَ قميصًا ماتَ فيهِ! هذهِ خمسُ صورٍ تشكِّلُ أنموذجًا حيا لخلقِ المسلمِ فيِ الإيثارِ وحب الخيرِ ذكرناهَا هنَا ليوردَ المسلمُ عليهَا خاطرهُ فيعودَ مشبعا بروحِ حب الخيرِ والإيثارِ ويواصلُ أداءَ رسالتهِ المثاليةِ في الحياةِ وهوَ المسلمُ قبلَ كلِّ شيءٍ!.
***
۞۞۞۞۞۞۞۞
البابُ الثَّالثُ فِي الأخلاقِ ﴿ 4 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞
Tidak ada komentar:
Posting Komentar