الفصل الثاني في خلق الصبر، واحتمال الاذى
۞۞۞۞۞۞۞
منْ محاسنِ أخلاقِ المسلمِ الَّتي يتحلى بهَا: الصَّبرُ، واحتمالُ الأذَى فيِ ذاتِ اللّهِ تعالَى.
أمَّا الصبرُ فهوَ حبسُ النَّفسِ علَى مَا تكرهُ، أوِ احتمالُ المكروهِ بنوعٍ منَ الرضَا والتَّسليمِ.
فالمسلمُ يحبسُ نفسهُ علَى مَا تكرههُ منْ عبادةِ اللّهِ وطاعتهِ، ويلزمهَا بذلكَ إلزامًا، ويحبسها دونَ معاصِي اللّهِ عز وجل فلا يسمحُ لهَا باقترابهَا، ولَا يأذنُ لهَا فيِ فعلهَا مهمَا تاقتْ لذلكَ بطبعهَا، وهشَّتْ لهُ، ويحبسهَا علَى البلاءِ إذَا نزل بهَا فلَا يتركهَا تجزعُ، ولَا تسخطُ؛ إذِ الجزعُ -كمَا قالَ الحكماءُ- علَى الفائتِ آفةٌ، وعلَى المتوقَّعِ سخافةٌ، والسُّخطُ علَى الأقدارِ معاتبةٌ للّهِ الواحدِ القهَّارِ، وهوَ فيِ كُل ذلكَ مستعينٌ بذكرِ وعدِ اللّهِ بالجزاءِ الحسنِ علَى الطَّاعاتِ، ومَا أعدَّ لأهلهَا منْ جزيلِ الأجرِ، وعظيمِ المثوباتِ، وبذكرِ وعيدهِ تعالَى لأهلِ بغضتهِ وأصحابِ معصيتهِ، منْ أليمِ العذابِ، وشديدِ العقابِ، ويتذكَّر أنَّ أقدارَ اللّهِ جاريةٌ، وأنَّ قضاءهُ تعالَى عدلٌ، وأنَّ حكمهُ نافذٌ، صبرَ العبدُ أمْ جزعَ، غيرَ أنَّهُ معَ الصَّبرِ الأجرُ، ومعَ الجزعِ الوزرُ.
ولماَّ كانَ الصبرُ وعدمُ الجزعِ منْ الأخلاقِ التي تكتسبُ وتنالُ بنوع منَ الرياضةِ والمجاهدةِ؛ فالمسلمُ بعدَ افتقارهِ إلَى اللّهِ تعالَى أنْ يرزقهُ الصّبرَ، فإنهُ يستلهمُ الصَّبرَ بذكرِ مَا وردَ فيهِ من أمرٍ، ومَا وعدَ عليهِ منْ أجرٍ، كقولهِ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] ، وقولهِ: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45] .
وقولهِ: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127] .
وقولهِ: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .
وقولهِ تعالَى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة] .
وقولهِ: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 96] .
وقولهِ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .
وقوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .
وكقولِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -: "الصَّبرُ ضياءٌ" .
وقولهِ: "ومنْ يستعففْ يعفّهُ اللَّهُ ومنْ يستغنِ يغنهِ الله ومنْ يتصبَّر يصبرهُ اللَّهُ، ومَا أعطى أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ منَ الصبر" .
وقولهِ: "عجبا لأمرِ المؤمنِ إنّ أمرهُ كلَّهُ لهُ خيرٌ وليسَ ذلكَ لأحد إلاَّ للمؤمنِ، إنْ أصابتهُ سرَّاءُ شكرَ فكانَ خيرًا لهُ وإنْ أصابتهُ ضرَّاءُ صبرَ فكانَ خيرًا لهُ" .
وقولهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لابنتهِ وقدْ أرسلتْ إليهِ تطلبُ حضورهُ، إذْ ولدهَا قدِ احتضرَ فقالَ لرسولهَا: "أقرئها السَّلامَ، وقلْ لهَا: إنَّ للَّهِ مَا أخذَ ولهُ مَا أعطَى، كل شيءٍ عندهَ بأجلٍ مسمًّى، فلتصبر ولتحتسبْ" .
وقولهِ: "يقولُ اللَّهُ عز وجل: إذَا ابتليتُ عبدِي بحبيبتيهِ (عينيهِ) فصبر عوَّضتهُ منهمَا الجنَّةَ" .
وقولهِ: "منْ يردِ اللَّهُ بهِ خيرًا يصبْ منهُ" .
وقولهِ: "إنّ عظمَ الجزاءِ معَ عظمِ البلاءِ، وإنَّ اللَّهَ تعالَى إذَا أحبّ قومًا ابتلاهم فمنْ رضيَ فلهُ الرضَا، ومنَ سخطَ فلهُ السُّخطُ" .
وقولهِ عليه السلام: "مَا يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ فيِ نفسهِ وولدهِ ومالهِ حتّى يلقَى اللّهَ ومَا عليهِ خطيئةٌ" .
وأمَّا احتمالُ الأذَى فهوَ الصَّبرُ ولكنَّهُ أشق، وهوَ بضاعةُ الصِّدِّيقين، وشعارُ الصّالحينَ، وحقيقتهُ أنْ يؤذَى المسلمُ في ذاتِ اللّهِ تعالَى فيصبرَ ويتحمَّلَ، فلَا يردَّ السَّيئةَ بغيرِ الحسنةِ، ولَا ينتقمَ لذاتهِ، ولَا يتأثَّرَ لشخَصيَّتهِ مَا دامَ ذلكَ فيِ سبيلِ اللّهِ، ومؤدِّيا إلَى مرضاتِ اللّهِ، وأسوتهُ في ذلكَ المرسلونَ الصَّالحونَ إذْ يندرُ منْ لم يؤذَ منهم فيِ ذاتِ اللّهِ، ولم يبتلَ فيِ طريقهِ إلَى الَوصولِ إلَى اللّهِ.
قالَ عبدُ اللّهِ بنُ مسعود رضيَ اللّهِ عنهُ: كأنِّي أنظرُ إلَى رسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - يحكِي نبيا منَ الأنبياءِ صلواتُ اللّهِ وسلامهُ عليهم ضربهُ قومهُ فأدموهُ وهوَ يمسحُ الدّمَ عنْ وجههِ ويقولُ: "اللَّهمَّ اغفر لقومِي فإنَّهم لَا يعلمونَ" .
هذهِ صورةٌ منْ صورِ احتمالِ الأذَى كانتْ لرسولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وصورةٌ أخرَى لهُ: قسمَ يومًا مالًا، فقالَ أحدُ الأعرَاب: قسمةٌ مَا أريدَ بهَا وَجْهُ اللّهِ، فبلغَ ذلكَ رسولَ اللّهِ عز وجل - صلى الله عليه وسلم - فاحمرَّتْ وجنتاهُ، ثمَّ قالَ: "يرحمُ الله أخِي موسَى لقدْ أُوذيَ بأكثرَ منْ هَذَا فصبرَ" .
وقالَ خبَّابُ بنُ الأرتِّ - رضي الله عنه -: شكونَا إلَى رسولِ اللّهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهوَ متوسِّدٌ بردةً لهُ في ظلِّ الكعبةِ، فقلنَا: ألَا تستنصر لنَا، ألَا تدعُو لنَا فقالَ: "قدْ كانَ منْ قبلكمْ يؤخذُ الرَّجَلُ فيحفرُ لهُ في الأرضِ فيجعلُ فيهَا، ثمَّ يؤتَى بالمنشارِ، فيوضعُ علَى رأسهِ فيجعلُ نصفيِن، ويمشَّطُ بأمشاطِ الَحديدِ مَا دونَ لحمهِ وعظمهِ مَا يصدُّهُ ذلكَ عنْ دينِ اللّهِ" .
وقصَّ اللّهُ لنَا عنِ المرسلينَ وحكَى عنهم قولهم وهم يتحمَّلونَ الأذَى فقالَ: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12] .
وكانَ عيسَى ابنُ مريمَ عليه السلام يقولُ لبني إسرائيلَ: "لقدْ قيلَ لكم منْ قبلُ إنَّ السِّنّ بالسنِّ والأنفَ بالأنفِ، وأنَا أقولُ لكم: لَا تقاومُوا الشَّرَّ بالشَّر بلْ منْ ضربَ خدَّكَ الأيمنَ فحوِّلْ إليهِ الخدّ الأيسرَ، ومنْ أخذَ منكَ رداءكَ فأعطهِ إزاركَ" .
وكانَ بعضُ أصحابِ رسولِ اللّهُ - صلى الله عليه وسلم - يقولونَ: ما كنَّا نعد إيمانَ الرَّجلِ إيمانًا إذَا لم يصبر علَى الأذَى!.
علَى ضوءِ هذهِ الصُّور النّاطقةِ، والأمثلةِ الحيةِ منَ الصَّبرِ والتَّحمُّلِ يعيشُ المسلمُ صابرًا محتسبا متحمِّلا، لَا يشكو ولَا يتسخَّطُ، ولَا يدفعُ المكروهَ بالمكروهِ، ولكنْ يدفعُ السَّيئةَ بالحسنةِ ويعفُو ويصبرُ ويغفرُ: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .
***
۞۞۞۞۞۞۞۞
البابُ الثَّالثُ فِي الأخلاقِ ﴿ 2 ﴾
۞۞۞۞۞۞۞۞
Tidak ada komentar:
Posting Komentar